عمون - عقدت الجمعية الأردنية للعلوم السياسية مساء يوم السبت جلسة حوارية مفتوحة، وكان ضيفها الدكتور خميس عطية النائب الأول لرئيس مجلس النواب ، تتناولت الجلسة قراءة تحليلية لأداء مجلس النواب في ضوء عملية التحديث السياسي، ودور المجلس الدستوري والتشريعي والرقابي، مع تسليط الضوء على الفرص التي أتاحتها عملية التحديث، والتحديات والقيود التي تواجه المجلس في ممارسة أدواره.
تأتي هذه الجلسة في إطار النقاش الوطني حول مخرجات عملية التحديث السياسي، وما توصلت إليه من مخرجات وتوصيات شكلت تحولا في بنية وأدوار المؤسسات المعنية، وعلى رأسها مجلس النواب، بوصفه أحد ركائز العمل التشريعي والسياسي في المملكة. وفي هذا السياق، يكتسب الحديث عن تقييم الأداء، واستشراف الفرص، وفهم القيود، أهمية خاصة في ترسيخ نهج التطوير المؤسسي وتعزيز الثقة بالعمل البرلمان
وافتتح الأستاذ عبد الكريم المصري عضو الهيئة الإدارية الجلسة، والذي بدوره أدار مجريات هذه الجلسة الحوارية، ثم بدأ عطية بعرض موجز ضمن سياق الجلسة، بعد أن رحب في الحضور الكريم والثناء لفريق التنظيم على جهودهم الحثيثة لتنسيق هذه الجلسة:
وأكد عطية أنه "إذ نلتقي اليوم، فإننا نستحضر مكانة الأردن ودوره، ونتطلع بأمل وثقة إلى مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا، متمنيًا للأردن، ملكًا وشعبًا، عامًا يحمل الخير والأمن والتقدم، في ظل قيادتنا الهاشمية الحكيمة. نتحدث عن موضوع بالغ الأهمية، ليس فقط للنواب أو للأحزاب، بل لمستقبل الحياة السياسية في الأردن، وهو أداء مجلس النواب بعد التحديث السياسي".
وبين النائب الاول لرئيس المجلس أن فكرة أساسية وهي أن التحديث السياسي لم يكن قرارًا شكليًا، بل خيار دولة، هدفه الانتقال التدريجي من السياسة الفردية إلى السياسة البرامجية، ومن رد الفعل إلى التخطيط، ومن البرلمان الخدمي إلى البرلمان السياسي الرقابي والتشريعي.
وأوضح أنّ بالحقيقة الثابتة أن مشروع التحديث السياسي الذي أطلقه رأس الدولة جلالة الملك لم يكن خيارًا تجميليًا أو استجابة ظرفية لضغوط داخلية أو خارجية، بل جاء باعتباره مسارًا وطنيًا استراتيجيًا يستهدف إعادة بناء الحياة السياسية على أسس أكثر تمثيلا ومأسسة وقدرة على إنتاج حكومات برلمانية مستقبلاً، وفي قلب هذا المسار يقف مجلس النواب، لا كسلطة قائمة بذاتها فحسب، بل كحلقة الوصل الحاسمة بين النص الدستوري والممارسة السياسية، وبين تطلعات المجتمع ومنطق إدارة الدولة.
ويرى أن تقييم أداء مجلس النواب بعد التحديث السياسي لا يجوز أن يكون انطباعيًا أو متسرعًا، كما لا ينبغي أن ينزلق إلى خطاب دفاعي أو تبريري، فنحن أمام تجربة انتقالية قيد التشكل، تحمل فرصا حقيقية لكنها تصطدم في الوقت ذاته بقيود بنيوية وثقافية وسياسية لا يمكن القفز عنها أو إنكارها.
وتاليًا المحاور التي تحدث عنها الضيف عطية بشكل تفصيلي قبل الانتقال إلى الجزء الثاني من الحوارية، التساؤلات والاستفسارات:
أولاً: ما الذي تغير؟
أستطيع القول إننا أمام تغير واضح، اذ دخلت الأحزاب إلى المجلس النيابي بشكل أوضح من السابق، وبدأنا نرى كتلا لها برامج ومواقف، حتى وإن كانت في بداياتها. فهذا بحد ذاته تطور مهم، لأنه يكسر العزلة الفردية للنائب، ويفتح الباب أمام العمل الجماعي المنظم، كما تحسن مستوى النقاش تحت القبة في بعض الملفات، وبدأنا نلمس محاولات لربط التشريع بالأثر الاقتصادي والاجتماعي، لا بالاكتفاء بالشعارات أو المطالب الجزئية.
ثانيًا: الفرص المتاحة أمام المجلس
أهم فرصة اليوم هي بناء تقاليد جديدة للعمل البرلماني، اذ لدينا فرصة لتكريس ثقافة الكتل والبرامج، وتعزيز الرقابة الجادة، وإعادة التوازن في العلاقة مع السلطة التنفيذية، بحيث لا تكون علاقة صدام ولا تبعية. وهناك فرصة أخرى لا تقل أهمية، وهي استعادة ثقة الشارع تدريجيًا، من خلال أداء مهني صريح، ومسؤول، يضع المصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة.
ثالثًا: القيود والتحديات الواقعية
لا يمكن تجاهل القيود وأولها أن التجربة الحزبية داخل المجلس ما تزال فتية، وتفتقر أحيانًا للخبرة والانضباط البرامجي، وهذا أمر طبيعي في المراحل الانتقالية، والقيد الثاني هو الإرث النيابي السابق، حيث ما تزال الضغوط الخدماتية والمناطقية تؤثر على عمل النائب، بفعل توقعات الناخبين وضعف الثقة المتراكمة بالعمل السياسي طويل الأمد، أما القيد الثالث، فهو أن المجلس يعمل في ظل ظروف اقتصادية وإقليمية ضاغطة، تجعل هامش الحركة محدودًا أحيانًا، وتضع النواب أمام معادلة صعبة بين الواقعية والطموح.
رابعًا: كيف نقيم الأداء بإنصاف؟
لا يجوز أن نقيم مجلس النواب الحالي بمنطق - الأبيض أو الأسود، نعم، لسنا أمام مجلس مثالي، لكننا أيضًا لسنا أمام مجلس تقليدي كما في السابق، نحن في مرحلة انتقالية، يُقاس نجاحها بقدرتها على تثبيت المسار، لا بحصد نتائج فورية.
إذ أن عدد كبير من النواب الحزبيين يخوضون التجربة الأولى دون إرث تنظيمي أو تقاليد برلمانية حزبية راسخة، ما ينعكس أحيانًا ضعفًا في الانضباط أو في القدرة على إنتاج موقف موحد، إضافة الى ذلك فان الضغوط المناطقية وتوقعات الناخبين ما تزال تثقل كاهل النائب وتدفعه أحيانًا للعودة إلى الدور الخدمي، ليس ضعفًا سياسيا، بل نتيجة فجوة ثقة تاريخية بين المواطن والعمل البرامجي طويل الأمد.
الصحيح نحن في مرحلة انتقالية دقيقة، يقاس نجاحها بقدرتها على تثبيت قواعد جديدة للعمل السياسي، لا بعدد القوانين فقط ولا بسرعة النتائج، والخطر الحقيقي ليس في النقد، بل في الإحباط المبكر وهدم التجربة قبل أن تنضج، أو التجميل المفرط الذي يفقدها صدقيتها، ومن هنا أستطيع القول ان المطلوب هو نقد مسؤول، لا جلد للذات ولا تسويق مفرط، مع إدراك أن التحديث السياسي مشروع تراكمي يحتاج إلى وقت وإرادة واستمرارية.
أن نجاح التحديث السياسي لا يعتمد على مجلس النواب وحده، بل على تكامل أدوار الدولة، والأحزاب والمجتمع والإعلام. دورنا كنواب هو أن نكون جزءًا من الحل، لا جزءًا من المشكلة، وأن نمارس مسؤولياتنا بشجاعة ووضوح، مع الحفاظ على الثقة بهذا المسار الوطني الذي لا بديل عنه.
الأستاذ الدكتور خالد شنيكات (رئيس الجمعية): في البداية، نتوجه بخالص الشكر النائب الاستاذ خميس عطية على قبول الدعوة والمشاركة في هذه الجلسة القيمة، التي نظمتها الجمعية الأردنية للعلوم السياسية، وما قدمه من رؤية معمقة حول عمل مجلس النواب.
من المهم أن نؤكد أن وظائف مجلس النواب الرئيسة تتمحور حول التشريع والرقابة والاختصاص المالي، فالتشريع هو الأداة الأساسية للمجلس، بينما هناك اختصاص مهم لا يوليه العامة اهتمامًا كافيًا، وهو مسألة منح الثقة بالحكومة، وهنا مجلس النواب في محل قوة، وتلعب المعلومات الدقيقة دورا اساسيا في تفعيل اداء النواب، وهي التي تحرك النواب، و الذي يسيطر على المعلومات هو السلطة التنفيذية، وهذه موجودة في كل النظم الديمقراطية، و ان اي عضو مجلس النواب يرغب في ممارسة فاعلة حقيقية يحتاج إلى بيانات ومعلومات دقيقة.
وهنا تظهر الفجوة بين النواب والأحزاب؛ فالأحزاب هي التي يجب أن تزود النواب بالمعلومات او ممكن الحصول على كثير منها عبر تقارير المؤسسات الرقابية كتقرير ديوان المحاسبة او التقارير الاعلامية والامنية، وهذا أمر أراه بصفتي مراقبًا للعمل البرلماني. كمثال على ذلك، القضية الأخيرة (صوبة الشموسة)، التي شغلت الرأي العام الأردني، وكان على المجلس أن يتخذ موقفًا حاسمًا ويبدأ بالتحقيق، وكذلك قضية استثمار معادن الجنوب، حيث انطلق النائب الذي سلط الضوء على هذه القضية ومثل حزبه وأدى دوره بفاعلية. هذه النماذج تعيد الثقة في الأحزاب والنواب، وتؤكد أهمية الدور البرلماني المؤسسي.
وأشار شنيكات أن أهم الأدوات الحاسمة لضبط أداء الحكومة: هي أداة حجب الثقة والاستجواب والتحقيق، وهي لحظات تحدد فعالية النواب في ممارسة رقابتهم الدستورية. أما معايير تقييم الأداء، فهي تتم اما من خلال مقارنة اداء المجلس الحالي بالمجالس السابقة او من خلال معرفة فعالية المجلس التي تشمل قدرة المجلس على تغيير السياسات الحكومية وتحقيق نتائج ملموسة. بالمقابل، عند مقارنة الأداء مع توقعات البعض بعد التحديث السياسي، نجد أن التغيير الجوهري لم يتحقق بعد، وما ظهر كان تغييرات ليست حاسمة، مما يبرز الحاجة إلى تعزيز الأدوات الحزبية والبرلمانية لضمان فعالية أكبر.
وكان المصري قد شكر الاستاذ خميس عطية نائب رئيس مجلس النواب على العرض القيم الذي قدم فيه قراءة معمقة لأداء مجلس النواب في مرحلة التحديث السياسي، وما طرحه من أفكار ورؤى أسهمت في إثراء محاور الجلسة. وبهذا نكون قد وصلنا سرد تفاصيل الجزء الأول من الجلسة، لننتقل الآن إلى المرحلة الثانية من الجلسة، وهي الجلسة الحوارية المفتوحة التي طرح من خلالها الأسئلة والمداخلات، حيث أتيح نقاشًا موسع وتفاعلًا مباشرًا بين الضيف والحضور الكريم.
المداخلات، والاستفسارات، والتساؤلات
الدكتور نواف الخوالدة: في ضوء عملية التحديث السياسي، والتجربة الحزبية لمجلس النواب العشرون، هل أحزابنا هي حزب الرجل الواحد؟، وهل وجود 35 حزبًا أمر صحي في بلد سكانه 11 مليون نسمة؟، مقارنة مع دول عظمى ليدهم أحزاب محدودة، وأخيرًا، هل تلجئ الأحزاب السياسية لتنفيذ استطلاعات لقياس رضى المجتمع والوقوف على احتياجاته؟.
وننتقل الآن إلى رد الاستاذ خميس عطية على ما طرح:
أولًا: هل أحزابنا هي أحزاب الرجل الواحد؟
في جزء من التجربة الحزبية، نعم، ما زالت بعض الأحزاب تعاني من مركزية القيادة وضعف المؤسسية، حيث يرتبط القرار الحزبي بشخص أو مجموعة محدودة. إلا أن عملية التحديث السياسي جاءت لمعالجة هذا الخلل من خلال تشريعات تحفّز الديمقراطية الداخلية، وتوسيع قاعدة المشاركة، وربط الاستمرار والتمويل بمدى الالتزام بالعمل الجماعي والبرامجي، لا الفردي.
ثانيًا: هل وجود 34 حزبًا أمر صحي في بلد عدد سكانه حوالي 11 مليون نسمة؟
كثرة الأحزاب ليست مشكلة بحد ذاتها في المراحل الانتقالية، بل تعكس حيوية سياسية وبحثًا عن تمثيل، إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في القدرة على الاندماج، وبناء أحزاب برامجية قوية. التجارب الدولية تثبت أن الاستقرار الحزبي يأتي لاحقًا عبر التكتل والفرز الطبيعي، وليس عبر الإقصاء أو التقليل من التعددية، والدول العظمى لديها أحزاب عدة، في يكون حزبين أوأكثر لهم حضور بارز مثل: الديمقراطي والجمهوري في الولايات المتحدة الأمريكية.
ثالثًا: هل تلجأ الأحزاب السياسية إلى استطلاعات الرأي لقياس رضا المجتمع واحتياجاته؟
للأسف، هذا الجانب ما زال ضعيفًا لدى العديد من الأحزاب، رغم أنه عنصر أساسي في العمل السياسي. الحزب الناجح هو الذي يستمع للناس، يقيس اتجاهاتهم، ويبني برامجه على احتياجاتهم الواقعية لا على تصورات نخبويّة. وهنا تأتي أهمية تطوير أدوات البحث، والتواصل الميداني.
عبد الله الزغيلات: في ضوء مخرجات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية، إلى أي مدى استطاع مجلس النواب الحالي ترجمة هذه المخرجات إلى أداء تشريعي ورقابي فعال؟ برأيكم، هل وفر التحديث السياسي بيئة حقيقية لتعزيز دور مجلس النواب؟
عطية: أستطيع القول إن مجلس النواب السابق قام بواجباته الدستورية تجاه تلك التوصيات، في ترجمة مخرجات اللجنة إلى أداء تشريعي ملموس، خاصة من حيث إقرار حزمة القوانين الناظمة للحياة السياسية، وفي مقدمتها قوانين الأحزاب والانتخاب، والتي شكلت الإطار التشريعي الأساسي للمرحلة الجديدة. هذه القوانين لم تأت بمعزل عن التوافق الوطني، بل عكست توصيات لجان التحديث، وحولتها من أفكار ورؤى إلى نصوص تشريعية نافذة.
أما على الصعيد الرقابي، فما زال الأداء متفاوتًا، ويتطلب مزيدًا من التراكم والخبرة، لا سيما في ظل تجربة حزبية ما تزال في بداياتها داخل المجلس. وهنا تبرز أهمية الأحزاب، إذ إن وجود كتل حزبية برامجية ومنظمة هو شرط أساسي لرقابة فعالة ومنهجية.
وبالمحصلة، يمكن القول إن التحديث السياسي وفر بيئة تشريعية حقيقية لتعزيز دور مجلس النواب، إلا أن نجاح هذه البيئة يبقى مرهونا بقدرة الأحزاب على ترسيخ حضورها داخل المجلس، وتحولها إلى أدوات عمل برلماني مؤسسي، قادر على التشريع والرقابة والتأثير في السياسات العامة.
الدكتور مازن التل: أود أن أشير إلى حديثك حول التقاليد البرلمانية الجديدة التي بدأنا نلمسها في العمل البرلماني مؤخرًا. فالتحديث السياسي، برأيي، لا يقتصر على تعديل القوانين أو استحداث أطر تنظيمية جديدة، بل يعكس رؤية الدولة في تجديد النهج البرلماني وتعزيز ثقافة العمل المؤسسي، القائمة على الحوار، والعمل الجماعي، واحترام الأدوار الدستورية.
عطية: من المؤكد للانتقال نحو حياة حزبية فاعلة داخل مجلس النواب يسهم في بناء تقاليد برلمانية حديثة، تقوم على البرامج لا الأشخاص، وعلى الأداء التشريعي والرقابي المتوازن، وهو ما يشكل خطوة مهمة نحو ترسيخ تجربة برلمانية حقيقية أكثر نضجًا واستدامة.
الأستاذ الدكتور غالب العربيات: تحدث عن دور مجلس النواب في ضوء عملية التحديث السياسي، مشيرًا إلى أن وظيفة الرقابة والتشريع تبقى الجوهرية في عمل المجلس، إلا أن ممارستها ما تزال تتأثر بجملة من العوامل. وأوضح أن هناك قيودًا ومؤثرات متعددة تنعكس على أداء أعضاء مجلس النواب، سواء كانت تشريعية أو سياسية أو مجتمعية، ما يحد أحيانًا من فاعلية الدور الرقابي. كما لفت إلى أن الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها الدولة تلقي بظلالها على العمل البرلماني، وتزيد من حجم التحديات الملقاة على عاتق المجلس، سواء في التشريع أو في مساءلة السياسات العامة، الأمر الذي يستدعي تعزيز أدوات الرقابة، وتكريس العمل الجماعي والحزبي داخل المجلس لتحقيق توازن أفضل بين متطلبات الواقع الاقتصادي ومقتضيات الدور الدستوري.
عطية: ما طرح لامس جوهر التحديات التي يواجهها مجلس النواب في هذه المرحلة. لا شك أن دور الرقابة يعد من الركائز الأساسية للعمل البرلماني، وقد جاءت عملية التحديث السياسي لتعزيز هذا الدور من خلال أطر تشريعية، إلا أن فاعلية الرقابة تبقى مرتبطة بآليات الممارسة داخل مجلس النواب.
فيما يتعلق بالمؤثرات والقيود (التحديات) على أداء أعضاء مجلس النواب، فهي واقع لا يمكن إنكاره، سواء كانت ناتجة عن البيئة السياسية، أو الضغوط الشعبية. وهنا تحديدًا تبرز أهمية العمل الحزبي الحقيقي، لأن النائب عندما يعمل ضمن إطار حزبي وبرامجي يكون أكثر قدرة على اتخاذ مواقف مؤسسية، وأقل تأثرًا بالاعتبارات الفردية.
أما الظروف الاقتصادية القائمة، فهي تشكل تحديًا حقيقيًا أمام المجلس والدولة على حد سواء، لكنها في الوقت ذاته تستدعي دورًا برلمانيًا أكثر نضجًا ومسؤولية، يقوم على تشريع واقعي ورقابي، وهو ما تسعى إليه الدولة ضمن رؤية التحديث الشامل.
ربى الرفاعي: حول أداء مجلس النواب الأردني، ما هي المعايير التي يمكن ان نقيم اداء المجلس فيها؟.
عطية: لتقييم أداء مجلس النواب بشكل منهجي، يمكن الاعتماد على عدة معايير رئيسية تغطي الجوانب التشريعية، الرقابية، التمثيلية، وأيضًا السلوكية. القوانين واللوائح التي أقرها المجلس مقارنة بالخطط الوطنية واحتياجات الناس، ومدى اتساقها مع مخرجات التحديث السياسي. قدرة المجلس على متابعة تنفيذ القوانين، وفعالية الرقابة على السلطة التنفيذية، ولا تغفل معيار استقلالية النواب عن الاعتبارات الفردية أو الانحيازات الضيقة، وكذلك الشفافية في اتخاذ القرار ووضوح مواقف النواب في الملفات الوطنية.
الأستاذة سمر الجبرة: في ضوء تجربة مجلس النواب الحالية وعملية التحديث السياسي، كثيرًا ما ترتبط الصورة النمطية للنائب بمفهوم (نائب الخدمات) بدلًا من دوره الأساسي في التشريع والرقابة. كيف يمكن للأحزاب السياسية أن تضمن التزام أعضاء مجلس النواب البرامج الوطنية، بعيدًا عن الفردية، وهل نتحرك فعليًا نحو نموذج حكومة برلمانية؟
كما نود معرفة رأي سعادة النائب الاستاذ خميس عطية في موضوع تعديل القوانين الانتخابية والتشريعية، ومدى أهمية إجراء دراسات جدوى شاملة قبل إقرار أي تعديل، لضمان أن تكون التعديلات معززة للأداء البرلماني الفعال والمؤسسي.
عطية: فيما يتعلق بالصورة النمطية للنائب على أنه (نائب خدمات)، أؤكد أن دور النائب الدستوري هو أساسًا تشريع ورقابة، وليس تقديم خدمات فردية أو محلية. هذه الصورة النمطية تعكس ضعف الثقافة السياسية أو غياب العمل الحزبي المنظم، الذي يربط بين النائب والبرامج الوطنية، وليس فقط المطالب الفردية.
وهنا تبرز أهمية الأحزاب السياسية، إذ أن الحزب القوي والمنظم قادر على بناء برامج واضحة، توجيه نوابه نحو الأولويات الوطنية، وتعزيز دورهم التشريعي والرقابي، بعيدًا عن العمل الفردي أو اللحظي. عندما يكون هناك حزبان أو أكثر ملتزمان ببرامج متكاملة، يمكننا الحديث عن أداء برلماني مؤسسي حقيقي، وليس مجرد نشاط خدمي.
أما فيما يتعلق بمسألة السير نحو حكومات برلمانية، فالتجربة في الأردن تشير إلى أننا ما زلنا في مرحلة تقوية الدور البرلماني. التحديث السياسي لم يهدف بعد إلى الانتقال الكامل لحكومة برلمانية، لكنه يوفر بيئة مناسبة لتطوير العلاقة بين السلطة التنفيذية والمجلس التشريعي، ويعزز الفاعلية من خلال برامج حزبية واضحة.
وأخيرًا، فيما يخص تعديل قانون الانتخاب أو أي قانون تشريعي، فإن أي تعديل يجب أن يُبنى على دراسة جدوى شاملة، تشمل التأثير على العمل البرلماني، على التمثيل المجتمعي، وعلى التوازن بين الكتل المختلفة. أي تعديل بدون دراسة معمقة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، لذلك يجب أن يكون نهج التحديث دائمًا مدروسًا ومرتبطًا بتحليل موضوعي للتجربة البرلمانية السابقة.
عطية: التشريع والرقابة هما العمود الفقري لعمل المجلس، وأن مسألة الثقة وممارسة النواب لدورهم الرقابي بشكل فاعل تعتمد بشكل أساسي على المعلومات الدقيقة والدعم الحزبي (لكن للأسف يوجد غياب للدور الحزبي في هذا السياق). أي نائب يرغب في ممارسة دوره بفعالية لا يمكن أن يعمل بمعزل عن حزبه وبرامجه، والحزب مسؤول عن تزويده بالأدوات والمعلومات اللازمة (يفترض هذا الأمر) في حين لم نرى عكل حزبي حقيقي على الساحة الوطنية.
الأمثلة التي ذكرها الأستاذ الدكتور خالد شنيكات، مثل قضية صوبة الشموسة واستثمار معادن الجنوب، تعكس فعالية النواب حين يكون هناك تواصل جيد مع الأحزاب، وتوضح كيف أن اتخاذ موقف حاسم يعيد الثقة بالعمل البرلماني ويعزز صورة النواب أمام المواطنين.
عطية: أن الأدوات التي يمتلكها المجلس مثل حجب الثقة ومنح الثقة تعد لحظات محورية لضبط أداء الحكومة، وتؤكد أن تقييم الأداء لا يقتصر على عدد القوانين، بل على مدى تأثير المجلس في تغيير السياسات الحكومية بشكل ملموس. وبالطبع، ما زلنا نلاحظ أن بعض التغيرات بعد التحديث السياسي كانت هامشية، مما يحثنا على مواصلة العمل على تعزيز دور الأحزاب والنواب لضمان فعالية أكبر واستجابة حقيقية لاحتياجات المجتمع.
المصري: في ختام هذه الجلسة الحوارية، نتوجه بالشكر الجزيل للنائب الدكتور خميس عطية على جهودة الطيبة وحضوره المميز وتلبية دعوة الجمعية، ولجميع الحضور على مشاركاتهم البناءة ومداخلاتهم الثرية، التي أسهمت في إثراء النقاش حول أداء مجلس النواب وعملية التحديث السياسي. لقد أتاح هذا الحوار فرصة لمناقشة التحديات والفرص، وتبادل الرؤى حول دور الأحزاب والبرامج، وأهمية التشريع والرقابة في تعزيز العمل البرلماني المؤسسي.
في الختام نتمنى أن تكون مخرجات هذه الجلسة محل متابعة وعمل مستقبلي، وأن تستمر مثل هذه النقاشات في تعزيز الحوار الوطني ورفع مستوى الفهم العام بأهمية المشاركة السياسية والبرلمانية.
المصدر:
عمون