يهابون الأدراج.. أطفال غزة لا يعرفون البيت والجدران الصلبة
غزة- بعد مرور 3 أعوام على حرب الإبادة الإسرائيلية والنزوح المستمر في قطاع غزة، برزت مأساة إنسانية تمس حياة الأطفال، تمثلت في نشأة جيل لا يملك إدراكا حقيقيا لمفهوم المنزل، أو الشقة السكنية المبنية من الإسمنت والمجهزة بالمرافق الأساسية.
هؤلاء الأطفال الذين فتحوا أعينهم على واقع الخيام والمساكن المؤقتة والنزوح المتكرر، باتوا يتعاملون مع البيوت الإسمنتية وكأنها أماكن غريبة عن عالمهم؛ فتتباين ردود فعلهم بين الفرح باللعب على البلاط، والخوف والبكاء عند دخولها، وحتى رفض صعود الدرج.
عالمهم الخيمة فقط
وتقول المواطنة فلسطين حسنين إن أطفالها، محمود وحسن وإبراهيم وهيثم، لم يعيشوا حياة الاستقرار داخل البيوت والمطابخ والصالونات، لدرجة أن طفلها الأصغر لا يعرف شيئا عن مقابس الكهرباء المنزلية، وكاد يتعرض للخطر في أحد المنازل المجاورة لعدم درايته بها.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 في الأعياد اليهودية.. 9 تغييرات و5 أشكال للعدوان على المسجد الأقصى
* list 2 of 2 أكبر جريمة بتاريخ الصحافة العالمية.. الاحتلال يقتل 260 صحفيا في غزة end of list
وتضيف للجزيرة شارحة "أولادي يسألونني لماذا لا نعيش في باطون (بناء إسمنتي) مثل الآخرين، وأنا أكابد حرقة الشوق لأعود وأنظف بيتي وأعيش حياة كريمة كما كنت، بعيدا عن قسوة الخيام".
مصدر الصورة
نزهة إلى بيت إسمنتي
من جهته، أوضح المواطن محمد أبو الكاس أن سنوات النزوح الطويلة أفرزت جيلا لا يعرف تفاصيل البيت والحياة فيه، وأبسط محتوياته وخاصة صنبور الماء، ويقول للجزيرة إن أقصى ما يطمح إليه الأطفال اليوم يرتبط بالخيمة وجلب المياه من الخارج بواسطة الغالونات.
ويشير إلى أنهم حين يزورون أقاربهم المقيمين في شقة ذات أرضية من البلاط، يتعاملون مع الزيارة كأنها "نزهة ترفيهية"، فيلهون على الأرض الصلبة نتيجة حرمانهم الطويل من العيش داخل المنازل.
ويستدل بطفلة تجلس بالقرب منه تدعى تالا وهي ابنة شهيد، فقدت منزلها خلال الحرب ولم تعد تتذكر منه شيئا، بل إنها كبرت قبل أوانها عندما كانت تحمل رضيعا فوق قدميها وتعتني به.
"حتى نحن الكبار نسينا حياة البيوت"، يواصل أبو الكاس موضحا أنهم تأقلموا على شيء اسمه الخيمة، بكل تفاصيل المعاناة فيها، وصار أكبر طموح النازحين خيمة والحصول على الماء.
مصدر الصورة
البيت.. متنزه وفندق
المواطنة فداء سكر روت للجزيرة جانبا آخر من المعاناة، مستعرضة قصة طفلها أحمد الذي وُلد قبيل الحرب بأشهر قليلة ولم يعرف سوى حياة الخيام والنزوح من مكان لآخر.
وأشارت إلى أن رؤية الدرج والجدران الصلبة تصيبه بالهلع والخوف، موضحة أنه يحاول الارتطام بالجدار ظنا منه أنه "شادر قماشي"، ويدخل في نوبات بكاء رافضا البقاء في الأماكن المسقوفة بالإسمنت، لعدم اعتياده عليها "فقد وعى على خيمة من القماش والنايلون ".
مصدر الصورة
تزلج في منزل
وفي السياق نفسه، تشير المواطنة إسراء الكفارنة، وهي أم لخمسة أطفال، إلى أن الخيام باتت تمثل في وجدان أطفالها المفهوم الوحيد للمنزل.
وتقول -للجزيرة- إنهم عندما يُصطحبون إلى أماكن إسمنتية، ينظرون إلى الإضاءة والمرافق بانبهار واستغراب، في ظل عدم اعتيادهم على تفاصيل الحياة المنزلية التي عرفتها أجيال سابقة، ويظنون أنهم "داخل متنزه أو مراجيح وسيرك".
وتضيف "ذات مرة اصطحبت أطفالي إلى بيت عمهم في مركز إيواء قريب منهم، فصاروا يتزلجون فوق الأرضية. لم يكونوا يصدقون أنهم خارج الخيمة، وكأنهم داخل فندق".
مصدر الصورة
ما تحمله الذاكرة
من جانبها، تحدثت المواطنة علا رجب عن طفلها يوسف، الذي لم يدرك معنى البيت والغرف والمطابخ والرفوف وما تحويه من أثاث وأدوات، فقد كان عمره سنة، حين اندلعت الحرب، فهو لم يعِ معنى الغرفة والحمام والسرير.
وأضافت أن ما يؤلم الآباء والأمهات هو رؤية هذا الجيل وهو ينشأ بعيدا عن الاستقرار والأمان داخل منزل ثابت "ويؤلمنا أكثر أن منزلنا هُدم، وأننا لم نعش يوما في خيام، ولم نتوقع ذلك".
مصدر الصورة
ذكرى فقط
وختاما، استعاد الطفل عمر الحرازين بذاكرته تفاصيل منزله السابق الذي هدمه الاحتلال.
وقال إنه يتذكر جيدا غرفه الخمس وسريره الخاص ومطبخ منزلهم، الذي كان يقع في الطابق الثالث من مبنى مكون من 5 طوابق في حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، ليقارن ذلك بواقعهم الحالي، حيث يعيش مع أسرته في خيمة مهترئة تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة.
ووفق الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني فإن عدد المباني المتضررة في حرب الإبادة المستمرة على غزة منذ 3 أعوام غزة بلغ 201 ألف و290 مبنى حتى 16 يونيو الماضي، تضم في مجموعها 328 ألفا و627 وحدة سكنية.
ويعيش نحو 2.15 مليون نازح من أصل 2.4 مليون نسمة "ظروفا إنسانية قاهرة"، بينهم 800 ألف يقيمون في خيام غير صالحة "للحياة الآدمية"، وفق المكتب الإعلامي الحكوي في غزة، الذي أشار في سبتمبر/أيلول الماضي إلى أن 60% من خيام النازحين مهترئة وبحاجة إلى استبدال فوري، بواقع 162 ألف خيمة من أصل 270 ألفا.