عاجل. - بعد 23 عاماً على الغزو.. أميركا تغادر قواعد العراق لكن حضورها الأمني مستمر
بحسب مسؤولين أمنيين عراقيين تحدثوا لوكالة "رويترز"، لا يزال تنظيم الدولة يحتفظ بشبكة من الخلايا النائمة". وقال جاسم البهادلي، وهو محلل عراقي يقدم المشورة لقوات الأمن، إن تجربة العقدين الماضيين أظهرت أن "الفراغات الأمنية يمكن أن تكون شديدة الخطورة".
تستعد القوات الأميركية في العراق، الأربعاء، لمغادرة قواعدها المتبقية، منهية بذلك عمليات عسكرية دامت لأكثر من عقدين، إثر التدخل الذي بدأ بغزو البلاد عام 2003.
ويأتي ذلك استكمالاً لاتفاق جرى التوصل إليه عام 2024، خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن، لإنهاء مهمة التحالف الدولي في العراق بحلول العام الجاري.
وقد وصف مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي هذا اليوم بأنه "محطة مهمة" في تاريخ بغداد، مؤكداً أن هذه الخطوة "لا تعني انتهاء الشراكة، بل الانتقال إلى علاقات ثنائية أكثر رسوخاً" مع الولايات المتحدة.
وأشار الأعرجي إلى أن ما وصفه بـ" الانتصار على تنظيم داعش" قد تحقق بتضحيات العراقيين وجهود القوات الأمنية بمختلف تشكيلاتها، إلى جانب دعم التحالف الدولي ودول وصفها بـ"الشقيقة والصديقة".
ثلاستخبارات باقية
وقبيل الموعد النهائي في 30 سبتمبر/أيلول، كان نحو 1500 عنصر من القوات الأميركية والتحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" لا يزالون في العراق، قبل أن تبدأ القوات بتقليص وجودها ومغادرة البلاد.
ونقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن مسؤول في وزارة الدفاع الأميركية قوله إن انتهاء العمليات العسكرية الرسمية لا يعني توقف النشاط الأميركي بالكامل، إذ ستحتفظ واشنطن بقدرات استخباراتية واستطلاعية في المنطقة يمكن استخدامها في بغداد عند الحاجة.
كما نقلت صحيفة "واشنطن بوست" عن مسؤولين أميركيين أن القوات المتبقية ستعيد تمركزها في الأردن ، حيث ستستمر مهمة مكافحة تنظيم الدولة. وبحسب مسؤول أميركي، ستتيح هذه القوات لواشنطن التحرك ضد مسلحي التنظيم إذا شكلوا تهديداً للأفراد أو المصالح الأميركية.
وفي إطار الانسحاب، نقل الجيش معدات وأفراداً جواً من أربيل قبيل حلول الموعد النهائي، كما سحب بطارية صواريخ "باتريوت" للدفاع الجوي كانت متمركزة قرب المدينة. ومن المرجح أن تتركز أنظمة الدفاع المتبقية على حماية السفارة الأميركية في بغداد والقنصلية في أربيل.
في المقابل، سيبقى عدد من عناصر مشاة البحرية لتأمين البعثات الدبلوماسية الأميركية، وفق مسؤولين حاليين وسابقين تحدثوا للصحيفة.
وبالتزامن مع خفض وجودها العسكري، شددت واشنطن على بغداد، بحسب مسؤول أميركي، ضرورة الحفاظ على سيادة البلاد ومنع الجماعات المسلحة المدعومة من إيران من شن هجمات انطلاقاً من الأراضي العراقية.
إيطاليا تنهي وجوداً عسكرياً دام 12 عاماً
وفي السياق ذاته، أعلنت وزارة الدفاع الإيطالية مغادرة آخر قواتها العراق، لتنهي بذلك وجوداً عسكرياً استمر 12 عاماً، شاركت خلاله روما في عملية "العزم الصلب" بقيادة الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة، فضلاً عن بعثة حلف شمال الأطلسي الاستشارية في البلاد.
ورغم انتهاء هذا الوجود، سيبقى ضابطان من قوات الدرك الإيطالية ضمن بعثة الاتحاد الأوروبي الاستشارية، التي تعمل بموافقة الحكومة العراقية.
ماذا بعد الانسحاب؟
وفيما تنظر بغداد إلى انتهاء مهمة التحالف بوصفه انتقالاً إلى مرحلة تتولى فيها القوات العراقية مسؤولية الأمن، يثير الانسحاب تساؤلات بشأن قدرة البلاد على مواجهة التحديات في الأيام المقبلة.
وبحسب مسؤولين أمنيين عراقيين تحدثوا لوكالة "رويترز"، لا يزال تنظيم الدولة يحتفظ بشبكة من الخلايا النائمة". وقال جاسم البهادلي، وهو محلل عراقي يقدم المشورة لقوات الأمن، إن تجربة العقدين الماضيين أظهرت أن "الفراغات الأمنية يمكن أن تكون شديدة الخطورة".
بدوره، اعتبر اللواء المتقاعد محمد الجبوري، الذي قاد لواءً عراقياً في الحرب ضد التنظيم، أن السؤال الرئيسي في المرحلة المقبلة يتعلق بمدى امتلاك المؤسسات الأمنية العراقية خطة بديلة قابلة للتطبيق بعد مغادرة القوات الأجنبية.
ولا تقتصر التحديات على خطر عودة نشاط التنظيم، إذ يتزامن الانسحاب مع استمرار الجدل بشأن سلاح الفصائل . ونقلت "وول ستريت جورنال" عن المتحدث باسم الجيش العراقي اللواء سعد معن قوله إن بعض الفصائل المسلحة سلّمت أسلحتها، فيما تعتزم أخرى القيام بذلك.
وكان رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي قد وضع خطة تدريجية لحصر السلاح بيد الدولة ونزع سلاح الفصائل المسلحة، متعهداً بإنجازها بشكل كامل بحلول 30 يونيو 2027. وتتضمن الخطة مرحلة تهدئة مدتها 90 يوماً تليها عمليات تسليم السلاح ودمج الفصائل ضمن الهيئات الرسمية.
لكن عدة فصائل عراقية بارزة، من أبرزها كتائب حزب الله العراقي وحركة النجباء، أعلنت رفضها القاطع للخطة. وتبرر هذه المجموعات تمسكها بترسانتها العسكرية باعتبارها "سلاحاً عقائديأ" مرتبطاً بما تصفه بمقاومة الاحتلال والتهديدات الخارجية.
أكثر من عقدين من الوجود العسكري
مع ذلك، يطوي هذا اليوم فصلاً آخر من الوجود الأميركي في العراق، الذي بدأ مع غزو عام 2003 . وكانت واشنطن قد سحبت قواتها نهاية عام 2011، قبل أن تعيد نشرها بعد أقل من ثلاث سنوات ضمن الحملة الدولية ضد تنظيم الدولة، إثر سيطرته على مساحات واسعة من العراق وسوريا.
واستمرت العمليات ضد التنظيم لسنوات، قبل أن تعلن بغداد هزيمته عسكرياً عام 2017، فيما واصل التحالف الدولي تقديم الدعم والتدريب والمعلومات الاستخباراتية للقوات العراقية.
وبعد أكثر من 23 عاماً على الغزو، يشكل انتهاء المهمة الحالية محطة جديدة في مسار الوجود الأميركي في البلاد، بينما تستمر العلاقات الأمنية بين واشنطن وبغداد بصيغ مختلفة ومن خارج الأراضي العراقية.
وكان للغزو وما أعقبه من حرب وعنف كلفة بشرية باهظة، إذ يقدّر مشروع "تكاليف الحرب" التابع لجامعة براون عدد القتلى في العراق الذين توفوا مباشرة بين عامي 2003 و2023 بما يتراوح بين نحو 281 ألفاً و315 ألف شخص، بينهم ما يصل إلى 210 آلاف مدني، فضلاً عن نحو 4,600 عسكري أميركي. ولا تشمل هذه الحصيلة الوفيات غير المباشرة الناجمة عن تداعيات الحرب، بما في ذلك تدهور الخدمات الصحية والبنية التحتية والنزوح ونقص الغذاء والمياه.