بدت لي العودة إلى الولايات المتحدة، بالتزامن مع انعقاد أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، مختلفة هذه المرة؛ كأنني أعود إلى بلد ليس هو نفسه الذي غادرته قبل أشهر. ثمة تحولات جمة تجري تحت السطح، وتوترات تتصاعد وتتسرب إلى المجال العام.
العودة تكشف مفارقة يصعب تجاهلها: الرئيس الذي أعاد بناء مشروعه السياسي على شعار "لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى" و"أمريكا أولا" يجد رئاسته، قبل أسابيع من انتخابات التجديد النصفي، محاصرة بصراعات الشرق الأوسط من كل اتجاه.
أصبحت الحرب في الخليج مادة يومية كثيفة في الخطاب الرئاسي الأمريكي، لا مجرد ملف خارجي عابر. إيران لم تُهزم بالضربة القاضية والنظام لم يسقط، وإسرائيل لا تزال في قلب القرار والاستحواذ على المساعدات العسكرية الكبرى رغم الهجوم والانتقادات الداخلية، ومضيق هرمز في قلب معادلة الطاقة، بينما يظل اليمن والبحر الأحمر جزءا من أمن الملاحة الدولية.
وفي الوقت نفسه، تقف لبنان وسوريا والعراق وفلسطين على صفيح ساخن، بما يجعل الإقليم كله أقرب إلى شبكة أزمات مترابطة لا إلى ساحات منفصلة، بالإضافة إلى الملفات الدولية العالقة: حرب أوكرانيا، والمناكفات مع كندا والمكسيك والناتو وروسيا والصين.
وفي واشنطن، ترتد هذه الجغرافيا المضطربة في صور مختلفة: أسعار الوقود، والتضخم، وأسعار الفائدة، والإنفاق العسكري، والصدام مع الكونغرس، وصولا إلى انتخابات قد تعيد رسم ميزان القوة في العاصمة الأمريكية نفسها.
العديد من الأسئلة تطرح اليوم من وسائل الإعلام الأمريكية إلى مراكز الفكر؛ ففي الحرب التقليدية يمكن قياس النجاح بالأرض التي احتُلت أو الجيش الذي هُزم. أما في الشرق الأوسط الحالي، فالسؤال أكثر تعقيدا: هل النجاح هو إضعاف إيران؟ منع برنامجها النووي؟ تأمين إسرائيل؟ فتح مضيق هرمز؟ حماية الخليج؟ احتواء الحوثيين؟ منع انهيار لبنان؟ ضبط العراق؟ أم إعادة تشكيل توازن القوى الإقليمي كله؟
كل هدف جديد يضيف تكلفة جديدة، وهنا يصبح الخطر تحول الإستراتيجية من إدارة الحرب إلى هندسة الشرق الأوسط بأكمله أثناء الحرب.
تبقى إسرائيل العقدة الأكثر حساسية داخل المعادلة الأمريكية. العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية ليست مسألة سياسية خارجية فقط؛ إنها ملف داخلي أمريكي بامتياز، تتداخل فيه اعتبارات الكونغرس، والرأي العام، والجماعات السياسية، والأمن الإقليمي، والحسابات الانتخابية. لكن الحرب الطويلة في المنطقة تجعل هذه العلاقة أكثر تعقيدا.
المشكلة الكبرى ليست اختلاف المستشارين. المشكلة هي أن عملية اتخاذ القرار أصبحت، بحسب تقارير أمريكية حديثة، أكثر تمركزا حول الرئيس نفسه
كلما اتسعت العمليات العسكرية، أصبح على واشنطن أن توفق بين التزاماتها تجاه إسرائيل وبين مصالحها الأوسع مع دول الخليج، واحتياجات الاقتصاد العالمي، وأمن الملاحة، ورغبتها في منع تحول الحرب إلى مواجهة إقليمية مفتوحة. وهنا يظهر التوتر داخل التفكير الأمريكي نفسه.
وقد وصفت تقارير أمريكية نائب الرئيس جيه دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو باعتبارهما يعكسان اتجاهين مختلفين نسبيا داخل دائرة الرئيس تجاه إيران وإسرائيل؛ فانس أكثر ميلا إلى تقليص الانخراط العسكري والبحث عن تسويات، بينما يميل روبيو إلى مقاربة أكثر تشددا وأقرب إلى الموقف الإسرائيلي في عدد من الملفات.
لكن المشكلة الكبرى ليست اختلاف المستشارين. المشكلة هي أن عملية اتخاذ القرار أصبحت، بحسب تقارير أمريكية حديثة، أكثر تمركزا حول الرئيس نفسه. فقد نقل أكسيوس (Axios) عن مسؤولين جمهوريين ومسؤولين في البيت الأبيض قولهم إن محاولاتهم للتأثير في بعض قرارات ترمب أصبحت محدودة، وإن الرئيس بات يعتمد بصورة أكبر على تقديره الشخصي في القضايا الكبرى.
وهنا تصبح الدائرة الضيقة حول الرئيس مسألة إستراتيجية وليست إدارية فقط. كلما اتسعت الأزمة، احتاج الرئيس إلى دائرة أوسع من المؤسسات والخبرات والآراء. لكن الخطر يبدأ عندما يحدث العكس: تكبر الملفات بينما تضيق دائرة القرار.
انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني تقترب. أما العقدة الثالثة، وربما الأكثر إلحاحا في واشنطن الآن، فهي انتخابات التجديد النصفي في 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2026.
بدأ التصويت المبكر بالفعل في بعض الولايات، وستحدد الانتخابات السيطرة على مجلس النواب ومجلس الشيوخ، وبالتالي شكل العلاقة بين البيت الأبيض والكونغرس خلال العامين الأخيرين من ولاية ترمب.
ولا يجوز التعامل مع النتيجة باعتبارها محسومة. استطلاعات الرأي الوطنية ليست انتخابات، والفوارق في الدوائر التنافسية أقل بكثير من بعض الأرقام الوطنية. لكن المؤشرات الحالية تبرر قلق الجمهوريين: بعض متوسطات الاستطلاعات الوطنية أظهرت تقدما ديمقراطيا ملحوظا، بينما وجد استطلاع لمشروع "تقرير كوك السياسي" (Cook Political Report) في 37 دائرة تنافسية تقدم الديمقراطيين بفارق نقطتين، 49% إلى 47%.
في النظام الأمريكي، يمكن للرئيس أن يبقى في البيت الأبيض لكنه يصبح سياسيا محاصرا بكونغرس معارض، ولجان تحقيق، ومعارك قضائية، وتسريبات، واستدعاءات لمسؤوليه، ومساومات متكررة حول الميزانية والتعيينات والسياسة الخارجية
هذه الفروق لا تخبرنا بمن سيسيطر على الكونغرس، لكنها تفسر لماذا أصبحت الانتخابات جزءا من كل حساب تقريبا داخل واشنطن. فالخسارة المحتملة لمجلس النواب لا تعني سقوط الرئيس من السلطة، لكنها تغير طبيعة الرئاسة.
مجلس يسيطر عليه الحزب المعارض يستطيع توسيع جلسات الرقابة، وإصدار مذكرات الاستدعاء، وفتح التحقيقات، وتعطيل أجزاء من الأجندة التشريعية، وتحويل العامين الأخيرين من الولاية إلى مواجهة شبه دائمة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. أما الحديث عن العزل، فيحتاج إلى دقة أكبر.
دستوريا، يستطيع مجلس النواب توجيه مواد الاتهام بالأغلبية البسيطة، لكن عزل الرئيس فعليا من منصبه يتطلب إدانته في مجلس الشيوخ بأغلبية الثلثين من الأعضاء الحاضرين. ولذلك فإن سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب، إن حدثت، يمكن أن توسع أدوات التحقيق والمساءلة، لكنها لا تعني تلقائيا إمكانية إزالة الرئيس من السلطة.
والفارق بين الأمرين جوهري. الخوف الحقيقي ليس العزل، ربما لا يكون أكبر ما يقلق أي رئيس في هذه المرحلة هو العزل بحد ذاته، بل فقدان القدرة على الحكم.
في النظام الأمريكي، يمكن للرئيس أن يبقى في البيت الأبيض لكنه يصبح سياسيا محاصرا بكونغرس معارض، ولجان تحقيق، ومعارك قضائية، وتسريبات، واستدعاءات لمسؤوليه، ومساومات متكررة حول الميزانية والتعيينات والسياسة الخارجية.
هذا هو معنى "البطة العرجاء" (Lame Duck) حين يتحول من وصف زمني إلى واقع سياسي. والرئيس ترمب يدخل أصلا المرحلة الأخيرة من رئاسته دستوريا. وهذا يجعل معركة نوفمبر/تشرين الثاني مختلفة: فهي ليست فقط انتخابات على 435 مقعدا في مجلس النواب وثلث مقاعد مجلس الشيوخ، بل استفتاء عمليا على مقدار القوة السياسية التي ستبقى في يد البيت الأبيض حتى يناير/كانون الثاني 2029.
لا تبدو الولايات المتحدة أمام أزمة اقتصادية تقليدية بالمعنى الذي عرفته في 2008، لكن الاقتصاد أصبح مرة أخرى مصدر قلق سياسي مباشرا. ومع تصريحات الاحتياطي الفدرالي برفع أسعار الفائدة من جهة أخرى، تكشف الأرقام المفارقة الأمريكية الحالية: الاقتصاد ليس في حالة انهيار، لكنه لا ينتج الإحساس بالاستقرار الذي تحتاجه أي إدارة قبل انتخابات مفصلية.
فالناخب لا يصوت على الناتج المحلي الإجمالي وحده. يصوت على ما يدفعه في متجر البقالة، وعلى سعر الوقود، والرهن العقاري، وفاتورة الكهرباء، ومدى شعوره بأن دخله يتحسن أسرع من تكلفة حياته.
ثمة مفارقة أكبر وراء كل ذلك. الولايات المتحدة ما زالت أقوى دولة في النظام الدولي من حيث القدرات الشاملة، لكنها تواجه مشكلة تعرفها القوى الكبرى في مراحل مختلفة من التاريخ: امتلاك القدرة على التدخل لا يعني امتلاك القدرة على التحكم في نتائج التدخل.
ترمب جاء إلى البيت الأبيض رافعا شعار أمريكا قبل الآخرين، لكن رئاسته تجد نفسها، مرة أخرى، غارقة في أكثر مناطق العالم قدرة على استنزاف الرؤساء الأمريكيين
يمكن لواشنطن أن تضرب. يمكنها أن تفرض عقوبات. يمكنها أن تحرك حاملات الطائرات. يمكنها أن تضغط على الحكومات. لكنها لا تستطيع دائما أن تحدد ما يحدث في اليوم التالي. وهذا هو الدرس الذي يلاحق الولايات المتحدة منذ العراق وأفغانستان، لكنه يعود اليوم بصورة مختلفة.
حتى الثقة بالمعلومات والمؤسسات الحكومية أصبحت موضع أزمة؛ فقد أظهر استطلاع حديث لوكالة أسوشيتد برس ومركز نورك (NORC) وموقع يو إس إيه فاكتس (USAFacts) انخفاضا واسعا في ثقة الأمريكيين بالمعلومات الحكومية وبالخطاب الانتخابي والسياسي. وهذه ربما هي الأزمة الأعمق. الديمقراطية تستطيع تحمل الاختلاف. وتستطيع تحمل انتخابات حادة. وتستطيع تحمل رئيس مثير للجدل. لكنها تواجه مشكلة أكبر عندما يتوقف المواطنون عن الاتفاق حتى على المؤسسات التي تحدد الحقائق والنتائج.
لهذا تبدو الولايات المتحدة اليوم كأنها تقف فوق أكثر من صفيح ساخن في الوقت نفسه. في الخارج، حرب لم تُغلق بعد، وشرق أوسط يعاد تشكيل توازناته بالقوة والتفاوض معا. وفي الداخل، اقتصاد ينمو لكنه لا يزال يصارع التضخم، ومجلس احتياطي في مواجهة معضلة الأسعار والفائدة، ومجتمع شديد الاستقطاب، وانتخابات قد تعيد توزيع القوة داخل واشنطن.
لكن المؤكد أن الأسابيع المقبلة ستختبر قدرة إدارة ترمب على القيام بشيئين في اللحظة نفسها: إدارة الشرق الأوسط من الخارج، وإدارة أمريكا من الداخل. وهنا تكمن المفارقة الكبرى.
ترمب جاء إلى البيت الأبيض رافعا شعار أمريكا قبل الآخرين، لكن رئاسته تجد نفسها، مرة أخرى، غارقة في أكثر مناطق العالم قدرة على استنزاف الرؤساء الأمريكيين. وقد تكون معركة واشنطن المقبلة أقل ارتباطا بالسؤال عن قدرة أمريكا على تغيير الوضع الراهن، وأكثر ارتباطا بسؤال معاكس تماما: هل يستطيع الرئيس أن يعيد تشكيل الشرق الأوسط، من دون أن يعيد الشرق الأوسط تشكيل رئاسته في واشنطن.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة