في الثالث من سبتمبر، سلط اجتماعان في لبنان الضوء مجددا على شبكة علاقات ترسخت منذ سنوات بين حزب الله والفصائل الفلسطينية، وبلغت ذروتها قبل سنوات تحت مسمى “وحدة الساحات”.
ففي صور، اجتمع وفد من “تحالف القوى الفلسطينية برئاسة المسؤول السياسي لحركة حماس في المنطقة، بعضو قيادة حزب الله في منطقة “جبل عامل الأولى”. وانتهى اللقاء بالتأكيد على استمرار التنسيق بين ما وصفه المجتمعون بـ”المقاومة الفلسطينية واللبنانية”.
وفي اليوم نفسه، عقدت القيادة المركزية لـ”تحالف القوى الفلسطينية”، وهو إطار يضم الفصائل الفلسطينية خارج منظمة التحرير، اجتماعاً موسعاً في بيروت، بمشاركة القيادي في حماس علي بركة، لمناقشة تطورات غزة والضفة وأوضاع المخيمات والانتخابات الفلسطينية.
ولم يكن الاجتماعان استثنائيين في تاريخ تلك القوى، لكنهما جاءا في توقيت تبدلت فيه كثيرا ظروف العلاقة بينها.
فالدولة اللبنانية تسير في طريق حصر السلاح، والجيش تسلّم بالفعل جزءاً من السلاح الفلسطيني، بينما لا تزال فصائل، في مقدمها حماس والجهاد الإسلامي.
وسبق أن أظهرت حرب غزة 2023 أن علاقة حزب الله بفصائل فلسطينية داخل لبنان تتجاوز الدعم السياسي. وتزامنا مع إعلان الحزب فتح جبهة الجنوب ضد إسرائيل، تبنت حماس إطلاق قذائف صاروخية من الأراضي اللبنانية.
وفي مارس 2025، عاد الملف إلى الواجهة من زاوية أخرى، بعدما أعلن الجيش اللبناني ضبط صواريخ ومنصات كانت معدة لعمليات إطلاق.
ولاحقا، حذر المجلس الأعلى للدفاع (أعلى سلطة عسكرية وأمنية في لبنان) حماس من استخدام الأراضي اللبنانية في أعمال تمس الأمن القومي، قبل أن تسلّم الحركة إلى السلطات اللبنانية عدداً من المشتبه بضلوعهم في إطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل.
وهكذا تعارض “الإسناد العسكري العابر للساحات” مع مساعي الدولة اللبنانية لبسط سيادتها وحصر قرار الحرب بيدها.
ثم تجاوز الأمر مجرد التحذير إلى وضع السلاح نفسه.
فبعد الاتفاق بين الرئيسين اللبناني جوزاف عون والفلسطيني محمود عباس في مايو 2025 على حصر السلاح بيد الدولة، انطلق مسار لبناني–فلسطيني لمعالجة المسألة داخل المخيمات وخارجها، بالتوازي مع بحث الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للاجئين.
وفي أغسطس 2025، بدأت شاحنات محملة بالسلاح في الخروج من مخيم برج البراجنة، ثم امتدت العملية إلى مخيمات الرشيدية والبص والبرج الشمالي والبداوي وعين الحلوة وغيرها.
كما تسلم الجيش مواقع عسكرية خارج المخيمات كانت تابعة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين–القيادة العامة و”فتح الانتفاضة”، بينها مواقع في الناعمة وقوسايا وعنجر.
لكن حدودا واضحة ارتبطت بهذه العملية رغم ما تحقق، فالجزء الأكبر من السلاح الذي تم تسليمه كان في دائرة منظمة التحرير والفصائل المتعاونة معها، بينما بقيت حماس والجهاد الإسلامي خارجها.
كما شكك مراقبون، بينهم الخبير في شؤون الجماعات الإرهابية بديع قرحاني، في العملية نفسها، إذ قال لـ”الحرة” إن مسار حصر السلاح طويل، ووصف ما جرى من تسليم لبعض الأسلحة بأنه “أشبه بالمسرحية الهزلية”.
وحسب قرحاني، فإن العلاقة بين الفصائل الفلسطينية وحزب الله لم تنقطع رغم الضربات التي تعرض لها مؤخرا، والحزب في رأيه يستخدم الورقة الفلسطينية لخدمة حليفته إيران، كما يسعى إلى إعادة تنظيم علاقاته مع قوى فلسطينية داخل المخيمات.
ويفصل مصدر أمني لبناني لـ”الحرة” بين أمرين: وجود السلاح وعلاقة الحزب بالفصائل من جهة، والقدرة الفعلية على تحويلهما إلى تأثير عسكري من جهة أخرى.
ويقول إن احتفاظ حماس والجهاد الإسلامي بالسلاح لا يعني أنهما قادران اليوم على إضافة قوة عسكرية كبيرة إلى حزب الله، لأن الفارق في الإمكانات يجعل أي دعم يمكن أن تقدمه هذه القوى محدودا قياسا إلى قدرات الحزب نفسه.
وتدرج الولايات المتحدة حزب الله، وحماس، والجهاد الإسلامي، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين-القيادة العامة على قوائمها للإرهاب.
ويتفق عدم تسليم السلاح الفلسطيني مع حسابات حزب الله، لإن إبقاء الملف مفتوحاً يمنح الحزب خيارات أوسع في مواجهة الضغوط المتصلة بسلاحه.
وأكد مصدر بمنظمة التحرير الفلسطينية لـ”الحرة” أنها ماضية في تنفيذ اتفاق عون وعباس، لكنه تجنب الخوض في اجتماعات حزب الله مع فصائل بعينها.
وقال إن المنظمة حريصة على إبقاء المخيمات الفلسطينية “بعيدة عن أي فتنة أو مشكلات”، ومنع انتقال الصراعات السياسية والأمنية إليها.
ويشمل قرار حصر السلاح جميع الفصائل الفلسطينية، بما فيها حماس والجهاد الإسلامي، بحسب المستشار القانوني والسياسي للجنة الحوار اللبناني–الفلسطيني، علي مراد.
وتتواصل اللجنة مع مختلف الفصائل، لكن الانتقال من إعلان المبدأ إلى التنفيذ الفعلي لا يزال يحتاج إلى معالجة سياسية في ظل تعقيدات الملف والمنطقة.
كما أن انتزاع السلاح بالقوة ليس خيارا سهلا، وأي مواجهة عسكرية بين الجيش والفصائل تحمل كلفة لا يبدو أن أحداً يريد تحملها حالياً.
ومع هذه التطورات، فإن الصيغة التي حكمت العلاقة بين حزب الله وفصائل فلسطينية خلال السنوات الماضية لم تبق على حالها، فماذا بقي فعلياً من “وحدة الساحات” في لبنان؟ وهل تقلصت إلى تنسيق سياسي بين حلفاء جمعتهم مرحلة سابقة
وحسب قرحاني فقد فشل مبدأ “وحدة الساحات”، وسقط ما أعدته إيران وأذرعها على مدى سنوات.
كما تقلصت العلاقة بين حزب الله والفصائل إلى مجرد تنسيق سياسي بين حلفاء جمعتهم مرحلة سابقة.
لكن هذه الأذرع ستبقى، بشكل أو بآخر، حسب قرحاني، متاحة للاستخدام عندما تدعو الحاجة، رغم حالة التراجع السياسي والعسكري للحزب وحلفائه.
ومع ذلك يضع المصدر الأمني اللبناني سقفا لهذا التحالف: فالعلاقات موجودة والسلاح لم يُصادر، لكن ما تستطيع الفصائل إضافته عسكرياً إلى حزب الله يبقى محدوداً.
المصدر:
الحرة