في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تدخل المنافسة بين القوى الكبرى في الفضاء مرحلة أكثر وضوحا، مع انتقال القدرات العسكرية التي أحاط بها الغموض لسنوات إلى دائرة الإعلان العلني، في ظل تصاعد الاهتمام العسكري بمدار الأرض.
وتكشف تقارير وتحليلات بريطانية أن التحول لا يقتصر على نشر أسلحة في المدار، بل يمتد إلى استخدامات عسكرية أوسع للفضاء، تشمل تعطيل الأقمار الصناعية واستهدافها وربط القدرات الفضائية بأنظمة الدفاع الصاروخي، في وقت تراقب فيه روسيا والصين التحركات الأمريكية وتحذران من تحويل المدار إلى ساحة مواجهة جديدة.
ويضع الإعلان الأمريكي الأخير طبيعة هذه القدرات واستخداماتها المحتملة في صدارة المشهد، كما يعيد فتح ملف المنافسة العسكرية في المدار وحدودها القانونية ومخاطرها على البنية الفضائية التي تعتمد عليها الاتصالات والأنشطة التجارية حول العالم.
أقرت الحكومة الأمريكية للمرة الأولى نشر أسلحة في مدار الأرض، في خطوة تعكس تنامي أهمية الفضاء في حساباتها العسكرية، وتحمل في الوقت نفسه تحذيرا إلى القوى المنافسة.
وأعلن وزير القوات الجوية تروي مينك، خلال المؤتمر السنوي للقوات الجوية والفضاء والفضاء السيبراني، أن بلاده باتت تمتلك "أسلحة للسيطرة الفضائية في المدار" مشيرا إلى أن هذه الأسلحة قادرة على حماية القوات الأمريكية.
وبينما لم يكشف مينك تفاصيل هذه الأسلحة، أفاد متحدث باسم القوة الفضائية الأمريكية -لصحيفة غارديان- بأن مفهوم السيطرة الفضائية قد يشمل "استخدام وسائل حركية (قتالية) وأخرى غير حركية للتأثير في قدرات الخصوم".
وفي سياق متصل، يلفت خبراء لصحيفة "آي بيبر" إلى أن الهجمات في الفضاء قد تستخدم أشعة الليزر والمقذوفات وأجهزة التشويش لاستهداف الأقمار الصناعية التي تدير عمليات حيوية على الأرض.
وتضيف الصحيفة أن الأسلحة الفضائية قد تُستخدم نظريا لاستهداف الصواريخ الباليستية التي تُطلق من الأرض، وهو توجه يبرز في مشروع "القبة الذهبية" للدفاع الصاروخي الذي أمر ترمب البنتاغون بإنشائه بتكلفة 175 مليار دولار، باستخدام أنظمة اعتراض متمركزة في الفضاء، رغم أن المشروع لا يزال في مراحله الأولى.
ويوضح خبراء أن الذخائر المدارية قد تستخدم لتدمير الأقمار الصناعية للخصوم أو التشويش عليها، واستهداف أهداف داخل الغلاف الجوي أو في المدار، بل وحتى الإمساك بأقمار صناعية ونقلها إلى مواقع أخرى في الفضاء.
وتنقل "آي بيبر" عن غابرييل إليفتيريو، الباحث البارز في شؤون القوة الفضائية بـ"مجلس الجيوستراتيجية" للأبحاث، قوله إن الأسلحة الفضائية تنقسم إلى وسائل حركية تعتمد على القوة المادية لإتلاف الهدف أو تدميره، وأخرى غير حركية تعطل عمل الأقمار الصناعية من دون إصابتها ماديا.
ويضيف إليفتيريو أن الوسائل غير الحركية تشمل أساسا أنظمة الحرب الإلكترونية، ولا سيما أجهزة التشويش، إلى جانب أشعة الليزر التي يمكن استخدامها لإرباك أجهزة الاستشعار في الأقمار الصناعية.
ووفق الباحث، تُوجَّه الأسلحة الفضائية عادة إلى أقمار صناعية أخرى بدلا من أهداف على الأرض، لأن إرسال إشارات تشويش من المدار إلى سطح الأرض يتطلب طاقة هائلة.
وتبرز مخاطر هذه المواجهة في تجربة روسية سابقة، إذ تشير "غارديان" إلى أن روسيا أثارت انتقادات دولية عام 2021 بعدما دمرت أحد أقمارها الصناعية المعطلة في اختبار لصاروخ مضاد للأقمار أطلق من الأرض، مما خلّف آلاف القطع من الحطام المداري.
ويحذر التقرير من أن أي مواجهة في المدار قد تؤدي إلى تأثير متسلسل، في ظل تحرك الأقمار الصناعية حول الأرض بسرعات تصل إلى آلاف الأميال في الساعة، بما قد يملأ الفضاء القريب من الأرض بقطع معدنية صغيرة وعالية السرعة.
ومع تصاعد هذه المخاطر، تعود إلى الواجهة محاولات الحد من عسكرة الفضاء، التي بدأت منذ خمسينيات القرن الماضي مع بحث واشنطن وموسكو وسائل لتدمير الأقمار الصناعية، بينما تواصلت لاحقا جهود للحفاظ على الفضاء المحيط بالأرض للاستخدامات السلمية.
وعام 1967، وقعت القوى الكبرى ودول أخرى معاهدة الفضاء الخارجي، التي حظرت وضع أسلحة الدمار الشامل في المدار، لكنها لم تتضمن حظرا عاما على نشر الأسلحة التقليدية حول الأرض.
ومع انتقال هذه القدرات إلى العلن، يرى إليفتيريو أن أحد الأسباب الرئيسية للكشف عنها قد يكون توجيه تحذير إلى روسيا والصين بشأن القدرات الأمريكية، إلى جانب سعي إدارة ترمب إلى حشد التأييد لتطوير مزيد من الأسلحة الفضائية.
ويقول إليفتيريو إن القوة الفضائية الأمريكية تريد الانتقال إلى مرحلة جديدة من تطوير الفضاء، تشمل نشر "القبة الذهبية" ومزيد من الأنظمة الفضائية، معتبرا أن الإعلان يمهد لطلبات تمويل أكبر من الكونغرس لهذه القدرات.
وفي المقابل، أدانت الصين وروسيا الخطوة الأمريكية، وقالت الخارجية الصينية إن واشنطن "تستعد للحرب في الفضاء الخارجي" محذرة من تحويل الفضاء إلى "ساحة معركة".
بدوره، يرجح عالم الفلك جوناثان ماكدويل -لصحيفة غارديان- أن روسيا والصين ستردان على الإعلان بالمثل وتنشران أسلحتهما الخاصة، متوقعا ظهور أنظمة مماثلة لدى بكين -إن لم تكن موجودة بالفعل- ومشككا في أن يكون هذا المسار على المدى الطويل في مصلحة الولايات المتحدة.
وفي ظل الترابط المتزايد بين المعدات الفضائية التجارية والعسكرية، تحذر "آي بيبر" من أن أي تحرك يقود إلى سباق تسلح جديد في المدار قد يهدد البنية التحتية الحيوية للأقمار الصناعية التي تعتمد عليها الاتصالات والتجارة.
ويرى إليفتيريو أن العالم "يتجه إلى عصر من الحرب المدارية" داعيا إلى الاستعداد لهذا الواقع والتخطيط للتعامل معه، بينما يعتبر ماكدويل أن النظرة الأمريكية إلى العمل من أجل الاستخدام السلمي الحصري للفضاء بدأت تتغير بالفعل.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة