من المعروف أن هجمات الـ11 من أيلول/سبتمبر 2001 ، والمعروفة أيضًا باسم 11 سبتمبر، قد خلدها التاريخ كأشدّ هجمات إرهابية في العالم. وبعد 25 عامًا، قد يعتقد البعض أن هذه الهجمات قد تمت دراستها وتحليلها ، ومع ذلك لا يزال الكثير من الناس يصدقون سرديات المؤامرة المحيطة بهذه العمليات الانتحارية، التي شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية .
في البداية مراجعة صغيرة: اختطفت في 11 سبتمبر 2001 شبكة القاعدة الإرهابية الإسلاموية أربع طائرات ركاب، اصطدمت اثنتان منها ببرجي مركز التجارة العالمي في مدينة نيويورك، واصطدمت الثالثة بمبنى البنتاغون في واشنطن العاصمة، أي مقر وزارة الدفاع الأمريكية. وكان من المفترض أن تستهدف الطائرة الرابعة مبنى الكابيتول في واشنطن العاصمة، أي مقر الكونغرس الأمريكي. ولكنها سقطت في ولاية بنسلفانيا بسبب تدخُّل الركاب ومنعهم الخاطفين من الوصول إلى هدفهم. وأسفرت هذه الهجمات الانتحارية عن مقتل نحو ثلاثة آلاف شخص وإصابة الآلاف. وانتشرت صور وفيديوهات الهجمات في جميع أنحاء العالم.
ويعتبر الـ11 من سبتمبر حدثًا غيَّر العالم - سواء فيما يتعلق بالهجمات الإرهابية أو حتى بسرديات المؤامرة. "كانت أحداث الـ11 من سبتمبر نقطة تحوّل أدت إلى إثارة أحداث كثيرة جدًا: من نقاشات مجتمعية شاملة لم تكن موجودة من قبل، ومشكلات أمنية لم تكن معروفة أصلًا في السابق"، كما قال المؤرخ كلاوس أوبرهاوزر في حوار مع فريق مدققي الحقائق في قناة الإذاعة والتلفزيون البافارية (BR). وفي حوار مع DW قال الباحث دانيال جولي المختص في نظريات المؤامرة بجامعة نوتنغهام: مثل هذه الأحداث غالبًا ما تظهر نظريات المؤامرة.
وذلك لأن بعض الناس يتساءلون حتى اليوم: كيف يمكن لأقوى دولة في العالم أن تُفاجأ بهذه الهجمات؟ ويجد البعض أجوبة لهذا السؤال في سرديات المؤامرة.
انهيار البرج الجنوبي لمركز التجارة العالمي: شكلت هجمات الـ11 من سبتمبر صدمة للكثيرينصورة من: Syndi Pilar/ZUMA/picture allianceأظهر استطلاع أجرته مؤسسة YouGov في عام 2023 أن خُمس الأمريكيين يعتقدون أن الحكومة الأمريكية كانت وراء هجمات الـ11 من سبتمبر الإرهابية. وهذا الادعاء منتشر منذ عقود؛ ويُظهر بحسب تعبير دانيال جولي أن الكثير من الناس لا يثقون بالمؤسسات و"الأقوياء".
ومن بين نظريات المؤامرة التي تدعم هذه الأسطورة الادعاء بأن طائرتي الركاب لم تدمّرا أو لم تدمّرا وحدهما البرجين التوأمين والمباني الأخرى التابعة لمركز التجارة العالمي، بل لقد تم تفجيرها بشكل مسيطر عليه.
وهذا الادعاء لا ينتشر فقط في وسائل التواصل الاجتماعي ، بل يستند أيضًا إلى ادعاءات من بعض الباحثين والعلماء. ومن بين النقاط التي يتم ذكرها مثلًا أن سحب الدخان الأفقية التي ظهرت عند انهيار البرجين تشير إلى تفجيرات متحكم بها في الطوابق السفلية.
ولكن لا توجد في الواقع أدلة تثبت العثور على متفجرات أو قنابل في الموقع، وقد فسّرت تحقيقات مثل تحقيقات المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا (NIST) الأمريكي كيف أدى اصطدام طائرتي الركاب إلى اشتعال النيران في برجي مركز التجارة العالمي وانهيارهما. وبحسب المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا فإن فيديوهات الهجوم على البرجين تدعم هذه النتائج العلمية. ويشار إلى أن هذا المعهد وكالة حكومية تتبع وزارة التجارة الأمريكية.
وكذلك توصّلت إلى هذه النتيجة أيضًا تحليلات أخرى، مثل تحليل أجراه معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) في كامبريدج وكذلك تحليلا أجرته شركة الاستشارات الأمريكية "ويدلينجر أسوشيتس".
تُظهر هذه الصورة الجوية الدمار الذي لحق بمبنى البنتاغون بعد أحداث الـ11 سبتمبر 2001صورة من: StockTrek Images/IMAGOويقول أستاذ علم النفس الاجتماعي دانيال جولي من الممكن لأحداث مثل الـ11 من سبتمبر أن تؤدي إلى عدم تلبية بعض الاحتياجات النفسية عند الناس؛ "وتحديدًا الحاجة إلى الشعور بالحفاظ على السيطرة والشعور باليقين وعدم الخوف".
تظهر في البداية خاصة مع الأحداث المفاجئة وغير المتوقعة مثل أحداث 11 سبتمبر الكثير من الأسئلة المفتوحة والثغرات المعرفية: كيف وقع الهجوم؟ من يقف وراءه؟ وحول ذلك يوضح المؤرخ أوبرهاوزر: "هذه الثغرات المعرفية بالذات تؤدي إلى ظهور نظريات المؤامرة". وحينئذ يفكّر البعض في إمكانية وجود مؤامرة كبيرة وراء ذلك.
وقد أكدت ذلك أيضًا كارين دوغلاس، أستاذة علم النفس الاجتماعي في جامعة كنت، ردًا على استفسار من DW. وكتبت عبر البريد إلكتروني أن "كل شخص معرّض للوقوع ضحية لسرديات المؤامرة".
ويقول الأستاذ دانيال جولي إن ذلك ليس كما لو أن المرء يستيقظ يومًا ما ويفقد ثقته بالعالم: "بل هو يشبه على الأرجح رحلة إلى هناك تعتمد على تجارب الحياة، مثل الصعوبات التي يواجهها المرء في الحياة". وبحسب جولي تلعب أيضًا طريقة تعامل الشخص مع الأزمات بشكل عام دورًا مهمًا. إذ أن الشخص الأكثر خوفًا وقلقًا قد يكون أكثر عرضة للاعتقاد بنظريات المؤامرة.
تابع العالم على الهواء مباشرة عبر شاشات التلفزيون كيف هاجم تنظيم القاعدة الإرهابي الإسلاموي أهدافًا في الولايات المتحدة الأمريكيةصورة من: akg-images GmbH/epdوكذلك تؤدي شبكات التواصل الاجتماعي بالذات إلى انتشار نظريات المؤامرة بسرعة. لقد كانت وسائل التواصل الاجتماعي موجودة قبل أحداث الـ11 من سبتمبر 2001، ولكن تطورها العالمي بدأ عام 2004 مع فيسبوك . وحاليًا أصبح مليارات الأشخاص يستخدمون تطبيقات مثل إنستغرام وواتساب وتليغرام و يوتيوب . وتنتشر في هذه المنصات أيضًا معلومات خاطئة وسرديات مؤامرة، ولا يتم حذفها جميعها على الفور من قبل المنصات.
"وهذه المعلومات تصبح جزءًا من المحتوى اليومي لدينا، على هواتفنا الذكية وعلى موقع تيك توك وغيرها من منصات التواصل الاجتماعي، حيث يمكن الوقوع بسرعة كبيرة فيما يعرف باسم 'جحر الأرانب‘"، كما يقول الأستاذ دانيال جولي. والاختفاء في "جحر أرنب" يعني الغوص العميق في دوامة من المعلومات المضللة والانغماس بشدة في موضوع ما والتنقل من رابط لآخر، والتعمق في الموضوع أكثر فأكثر، في إشارة إلى قصة "أليس في بلاد العجائب".
أشخاص يلوذون بالفرار بعد انهيار مركز التجارة العالمي في الـ11 من سبتمبرصورة من: Louis Lanzano/AP Photo/picture allianceتوجد بشكل خاص ثلاث نقاط تجعل سرديات المؤامرة خطيرة للغاية:
1. سرديات المؤامرة تعَد بأن الناس سيشعرون بخوف وقلق أقل وبأنهم سيشعرون في المقابل بأمان أكثر. ولكن العكس هو الأقرب إلى الواقع، كما يوضح أستاذ علم النفس الاجتماعي دانيال جولي. ويضيف أن هذا قد يؤدي إلى زيادة انعدام الثقة بالحكومة والمواطنين، وبالتالي إلى عزلة اجتماعية.
2. نظرية المؤامرة تخلط بين الواقع والمعلومات الخاطئة، وهي - على عكس المعلومات المضللة - لا يمكن الكشف عن زيفها بوضوح لأنها لا تعتمد على ادعاءات واضحة أو قابلة للإثبات أو التفنيد. وجوهر سردية المؤامرة هو وجود مجموعة من المتآمرين تعمل في السر ويجب ألا يعرف عامة الناس شيئًا عن ذلك.
3. سرديات المؤامرة لها تبعات ويمكنها أن تؤثر على كيفية تعامل الناس، كما تقول كارين دوغلاس. وتضيف أستاذة علم النفس الاجتماعي دوغلاس: "في الماضي تم ربط سرديات المؤامرة بالأحكام المسبقة والإبادة الجماعية والسلوكيات التي تعرّض الصحة للخطر وإنكار تغيّر المناخ، وفي الآونة الأخيرة اصبحت ترتبط أيضًا ببعض السلوكيات المقلقة المتعلقة بنظريات مؤامرة حول حركة " كيو أنون "ووباء كوفيد-19 ".
وتوجد في سرديات المؤامرة المتعلقة بأحداث الـ11 من سبتمبر فئة معينة من الناس تم التركيز عليها بشكل خاص: اليهود. حيث تنتشر كثيرًا على وسائل التواصل الاجتماعي أسطورة تدّعي أن هناك أشخاصًا يهود يقفون خلف الهجمات. وهذا الادعاء يعود إلى الرواية المعادية للسامية ، التي تزعم أن اليهود هم جماعة تريد الاستيلاء على حكم العالم أو بالأحرى السطرة عليه. وكذلك لا توجد أي أدلة تثبت صحة نظرية المؤامرة هذه.
وبحسب دانيال جولي غالبًا ما يتم تحميل بعض المجموعات، مثل اليهود والمسلمين وأفراد مجتمع الميم، المسؤولية عن أفعال لم يرتكبوها. ويقول جولي إن اليهود بالذات غالبًا ما كانوا هدفًا لأساطير المؤامرة على مر التاريخ، وهذا لا يزال مستمرًا حتى اليوم. ويوجد مثال على ذلك من ألمانيا: قام المهاجم اليميني المتطرف، الذي حاول في عام 2019 اقتحام كنيس يهودي في مدينة هاله الألمانية، بنشر نظريات مؤامرة معادية للسامية على الإنترنت.
هذا النصب التذكاري يُخلّد ذكرى هجمات الـ11 من سبتمبر الإرهابيةصورة من: Piotr Kucza/Fotopyk/newspix/IMAGOتقدّم منظمات غير حكومية، مثل مؤسسة أماديو أنطونيو ومقرها في برلين والمركز الاتحادي للتربية السياسية، نصائح حول كيفية تعامل الناس عندما يؤمن الأصدقاء أو الأقارب بسرديات المؤامرة. مثلًا من خلال التواصل معهم في حوار متكافئ، والبحث معهم عن معلومات موثوقة. وكذلك تسمية معاداة السامية و العنصرية وغيرها من المواقف المتطرفة بأسمائها ومواجهتها بوضوح. ويقدم أيضًا المؤرخ أوبرهاوزر نصيحة واضحة: يجب على الناس أن يتعلموا من جديد الثقة بالعلم والحقائق.
تم إعداد هذا المقال بالتعاون مع شبكة تدقيق الحقائق في القناة الأولى الألمانية ARD
أعده للعربية: رائد الباش
تحرير: يوسف بوفيجلين
المصدر:
DW