آخر الأخبار

أليكس كارب.. فيلسوف الإبادة الذي باع روحه لترمب وإسرائيل

شارك

ليست هذه من السِّير التي تُكتب للتبجيل. قصص النجاح، على كثرتها، متشابهة إلى حد يستدعي التثاؤب؛ ينهض بطلها من العدم، فتنتصب عقبة في دربه فيتخطاها بطريقة عجائبية، ثم تفتح له أبواب الشهرة والثروة، ويُشاد قصر مجده لبنة فوق لبنة، ثم يُسدل الستار على تصفيق حار. ما يُغفله الرواة جميعا هو الثمن، ما الذي أخذته الرحلة من صاحبها، وما الأشياء التي ألقاها على قارعة الطريق متخففا وهو يتسلق نحو القمة. هذه حكاية الثمن الذي أدّاه ألكسندر كارب، الرئيس التنفيذي لشركة بالانتير (Palantir)، إحدى واجهات التفوق العسكري التقني للولايات المتحدة الأمريكية.

رجل تربّى على منظومة من القيم ثم اعتنق نقيضها على التمام؛ أنفق شبابه يصارع محكيّات الرأسمالية بكل ما أوتي من قوة، ثم خضع لها في كهولته وراح يرتّلها كأنها وحي تنزّل عليه. ابن اليسار الثوري أصبح سيف اليمين السلطوي، ودارس الإبادة غدا مورّدًا لأدواتها، والرجل الذي قال لكاتب سيرته إن الفاشية هي أكبر مخاوفه انتهى به المطاف أحد أعمدة التحالف بين عالم التقنية والدولة الأمنية في واشنطن.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 ثورة الملاكمين.. الانتفاضة التي صنعت الصين
* list 2 of 2 نفط فنزويلا خارج هرمز.. نفوذ طويل أم وقود سريع لترمب؟ end of list

تحيط الثقافة الأمريكية سِيَر ناجحيها بأسطورتين متلازمتين: النجاح الذي لا سقف له، والفرص المتكافئة التي تتيح للفرد أن يصنع نفسه من لا شيء. يحضر العنصران في حكاية كارب، لكنهما لا يفسّرانها وحدهما. فإلى جانب الموهبة الفردية، ثمة دور مركزي للدولة يتمثل في التمويل الحكومي، والعقود، وأجهزة الأمن التي شكّلت الشركة في طورها الأول. لا تمثل قصة كارب النموذج العصامي الخالص بقدر ما تكشف حدوده؛ إذ تختفي بصمة الدولة عادة من الرواية المتداولة، وإن كانت من أبرز ما يفسّر الصعود. وإعادة هذا العامل إلى موضعه بعض ما تسعى إليه هذه المادة.

ثم إن هذه السيرة مرآة لما أحدثه طوفان السابع من أكتوبر في العالم. فقد دفع ذلك اليوم العالم إلى الحافة، وفعل ما تفعله الأزمات الكبرى دومًا حين وضع المقولات الرنانة جميعها على المحك، فكشف أن أذيَعَها صيتًا أشدّها خواء. في المعارك الكبرى وحدها يُضطر الناس إلى الوقوف أمام حقيقة انتمائهم عارية لا ستر عليها. تتهاوى الأقنعة التي ارتُديت بأناقة في زمن الرخاء، وتنجلي المعادن التي طالما توارت خلف الشعارات. وفي تلك اللحظة بعينها استبان معدن كارب، كما تبيّنت معادن كثيرين غيره.

طفلٌ على ثلاث جبهات

"لو كان والدنا قائدا، لما أسست شركة بالانتير أبدًا"

بواسطة أليكس كارب في حديث لشقيقه

وُلد ألكسندر كارب في نيويورك عام 1967، ونشأ في ضواحي فيلادلفيا، في حي اسمه ماونت إيري. نسبه في الأقليات والاستضعاف عريق؛ كان أبوه "بوب" طبيب أطفال من أصول يهودية ألمانية (يقول شقيقه المهتم بنسب العائلة إن لكارل ماركس قرابة بعيدة للعائلة)، وأمه "ليا" فنانة سوداء من إلينوي، حفيدة عبد محرَّر نُقشت على ظهره آثار سياط مالكيه، وابنة قسّ معمداني مدمن على الكحول هربت من بيته في السادسة عشرة. التقى الأبوان حين عرض طالب الطب مساعدتها في حمل أمتعتها إلى غرفتها في السكن الجامعي. دخل الغرفة ولم يخرج منها. تزوّجا في حفل مدني عام 1964.

إعلان

كان في زواجهما روح البيانات السياسية؛ فالأب يساري يريد أن يترجم أيديولوجيته في يومياته، فتزوّج امرأة سوداء، و انجذبت الأم إلى يهودي تقدمي من الطبقة العاملة. أدرك أليكس لاحقا أن الهوية العرقية كانت في صميم علاقة والديه، وأن جزءا منه كان "نتاج التظاهر بالفضيلة". هذا الإدراك سيغذي كراهيته العميقة لـ"سياسات الهوية"، تلك التي ستصير عمودا من أعمدة فلسفته لاحقا، فالرجل الذي يكره سياسات الهوية، سيبني تفوقه كله على هوية بعينها.

لم تكن طفولته ناعمة. كان الفتى مشغولًا بمعركة على ثلاث جبهات: فهو يهودي، وأسود، ويعيش في عالم بدا له معاديًا للاثنين. أما الثالثة والأقسى، فأنه حين بلغ الثامنة كان لا يزال عاجزًا عن تمييز الكلمات على الورق. "أنت طفل يهودي يساري ذو هوية عرقية غير محددة، وتعاني أيضًا من عُسر القراءة. ألن يخطر ببالك أنك في ورطة؟" يقول متذكرًا طفولته الخشنة.

مصدر الصورة ثلاث جبهات كان على الطفل كارب أن يخوضها وحده، ومن ذلك الفراغ وُلد بحثه الدائم عن القوة (الجزيرة – صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)

يشعر أبواه اليساريَّان بالإحباط من فشل أمريكا في تحقيق مُثُلها، ويستاءان من نزعتها الاستهلاكية. كانت العائلة تشارك في مظاهرات اليسار كطقس عائلي. في عام 1979 حضرت مسيرة وحفلًا موسيقيًّا مناهضًا للأسلحة النووية في نيويورك، وهناك قدّمت الأم ولديها إلى نعوم تشومسكي، خرّيج الثانوية المركزية في فيلادلفيا التي سيرتادها كارب كما ارتادها والده من قبل. (كانت فيلادلفيا مركزًا رئيسيًّا لاستقبال المهاجرين اليهود من أوروبا الشرقية، وبسبب نظام "المدرسة المركزية" القائم على الجدارة الأكاديمية والامتحانات الصارمة لا على الطبقة أو الثروة، شكّل الطلاب من الخلفيات اليهودية والمهاجرة نسبة بارزة من المتفوقين فيها). واصل الوالد مسار الطب على صعوبته لتأمين حياة أنعم لأبنائه، أراد أن يكفيهم همّ الرزق لتكون خياراتهم في الحياة أوسع. قال يومًا: "صرت طبيبا حتى يصير أبنائي شعراء". من هذا الرحم اليساري المناضل، المعادي للرأسمالية والاستهلاك، خرج الرجل الذي سيصبح بعد عقود أحد أكثر رموز الرأسمالية الأمنية فجاجة.

"قال والد أليكس كارب يوما: صرت طبيبا حتى يصير أبنائي شعراء"

أرسله والداه -وفاءً لمثاليتهما ودعمًا للمدارس العامة المدمجة عرقيًّا- إلى مدرسة حكومية متهالكة، فعاش طفولته خائفًا على سلامته، يحمل النقود أحيانًا ليدفعها لطالب كان يبتزه. حين عجزت المدرسة عن مساعدته في عُسر قراءته، نقلاه إلى مدرسة متخصصة في صعوبات التعلم، لكن الجرح ظل. يصر كارب على أنه لم يتعرض شخصيًّا للتمييز العنصري؛ كان جرحه الأعمق إعاقة القراءة، لا لون بشرته. "كان أليكس في الثانوية شابًّا أسود"، كما يقول شقيقه "بِن"، واصفًا "الشلة" المحيطة بأخيه في تلك الفترة بأن غالبيتها من أصول أفريقية.

لقّبه أصحابه "الأستاذ" اعترافًا بذكائه. لقد ذاق أليكس طعم الاستضعاف ومحدودية القوة في طفولته، فعاش في طلبها. وحين وصل إليها، أخذ يقوّم خيارات أبويه في الحياة والبيئة التي نشأ فيها نتيجة لخياراتهما. تبدأ معضلة كارب مع والديه من تعريف النجاح، فهو يرى أن أبويه (ليا الفنانة الموهوبة، وبوب طبيب الأطفال والباحث البارع) أهدرا قدراتهما، وافتقرا إلى ما يسميه "المهارة الملاحية"، أي القدرة على شق الطريق وتسلق السلّم. ومن هذه القراءة يستخلص أن طموحه المفرط لم يكن إلا ردًّا على عجزهما، حتى قال لشقيقه إن أباه لو كان شخصية قيادية لما أنشأ بالانتير أصلًا.

إعلان

لكن ماذا لو قُدّر لنا سماع روايتهما منهما؟ من الممكن أن ما حسبه الابن عجزًا عن المهارة كان عندهما اختيارًا واعيًا؛ فالمهارة التي يتغنى بها تقتضي مهادنة قيم لم يؤمنا بها، ولعلهما رأيا أن صعود سلّم مجتمع عاشا يرفضان تركيبته تنازلٌ وإن بدا لغيرهما أنه صعود. هل فشل والدا كارب في التقدم؛ أم رفضا ثمنه؟ ما يسميه كارب قصورًا، قد يسميانه إخلاصًا للفكرة على حساب المكانة.

"ذاق أليكس طعم الاستضعاف ومحدودية القوة في طفولته، فعاش في طلبها"

لم يجد كارب في أبيه قوة تحميه في عالم بدا معاديًا لهويته المركبة، فترسخ لديه شعور بالضعف، وهو شعور سيقضي عمره في مداواته بالاقتراب من القوى العليا في المجتمع مثل الأثرياء، ثم الحكومة، ثم أجهزتها الأشد قمعًا وخشونة.

يستغرب كارب فتور أبيه أمام نجاحه الباهر، ويعدّه تصرفًا غير طبيعي، بل غيرة أو منافسة. أما من زاوية الأب، فربما لم ير في صعود ابنه نموذجًا ملهمًا ولا مدعاة للاحتفاء، لأنه في جوهره تخل عن القيم التي ربّاه عليها. بلغ كارب القمة، لكنه بلغها في عين أبيه على أنقاض كل ما آمن به. وتلك هي الدلالة التي فاتت الابن وهو يفسّر صمت أبيه حيال "إنجازاته".

الفيلسوف الذي درس الإبادة ليساهم فيها

حجبت أليكس حالته عن الدراسة العادية، لكنه تعلّم من عُسر القراءة بذل مجهود أكبر، فصار من ألمع الطلاب. "أثّر عليّ [عسر القراءة] سلبًا، لكنه منحني أيضًا أجنحة لأحلّق". أراد الفتى الذي صعبت عليه القراءة أن يفهم العالم، فتخصص في الفلسفة في كلية هافرفورد في بنسلفانيا وتخرّج فيها عام 1989.

لكن هذه رواية بعدية للأحداث حين نريد أن نقدم قصته بتناغم. أما والدته التي شهدت الحدث فتقدّم رواية أبعد عن هذه الجدية، فقد التحق ابنها بهذه الكلية دون غيرها طلبًا للحم. حين كان صغيرًا، حضرت العائلة حفلًا راقصًا في هافرفورد تلاه عشاء في الكافتيريا، وكان الطبق الرئيسي شرائح لحم ضخمة التهمها أليكس وبِن بشهية من عوّدتهما أمهما على الخضراوات والقليل من الدجاج. وبحسب الأم، أصيب أليكس بخيبة أمل بعد التحاقه حين اكتشف أن شرائح اللحم نادرًا ما تظهر في قائمة الطعام، وإذا ظهرت جاءت الكميات صغيرة.

في كلية الحقوق في ستانفورد، التقى كارب شابًّا يصغره بتسعة أيام فحسب، يشاركه سنة الدراسة ويختلف معه في كل شيء تقريبًا. كان اسمه بيتر ثيل. قضى كارب، القادم من أسرة يسارية، ساعات من النقاش الحاد في قاعة الطعام مع ثيل الرأسمالي الليبرتاري. وجد الشابان نقطة مشتركة وحيدة في احتقارهما لمناهج كلية الحقوق. "كنا نتجادل كالحيوانات المفترسة". ستتطور هذه المعرفة إلى صداقة، ثم إلى شراكة. وما ربحه كارب بحماسته في مناظرات العمل والسوق مع زميله، سيتخلى عنه حين يكبر ويصير الوجه التنفيذي لشركة ينشئها ثيل لتكون سيفًا للدولة الأمنية.

"في ستانفورد التقى كارب مع بيتر ثيل، ثم تطورت المعرفة إلى صداقة والصداقة إلى شراكة"

بين سنتيه الثانية والثالثة في ستانفورد، سافر صيفًا إلى أوروبا، وعاد بفكرة الدكتوراه في ألمانيا. كان فلاسفته المحببون ألمانًا: كانط وهيغل وفيبر. حين يزور يهودي أمريكي أوروبا تختلط مشاعره، فهذه الأرض مهد التنوير والحداثة، وهي أيضًا طاولة القصّاب التي قتل عليها أسلافه على يد النظام النازي. راقت له ألمانيا. قال إنه لم يشعر بالقبول في مكان كما شعر به هناك، ويروي بفخر لم يبهت بعد ثلاثين عامًا كيف كانت النساء الألمانيات يُقبلن عليه، وكيف وجد في حرية أوروبا الجسدية تحررًا من نفاق أمريكي يمقته.

مصدر الصورة الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني يورغن هابرماس (أقصى يمين الخلفية) مع رموز مدرسة فرانكفورت الفلسفية ماكس ويبر وهوكهايرمر وأدورنو (ويكي كومنز)

وصل فرانكفورت عام 1992، وانتسب إلى معهد البحث الاجتماعي، وهو البيت التاريخي لمدرسة فرانكفورت النقدية، وقضى سنوات في الحلقة البحثية التي كان يديرها يورغن هابرماس، أشهر فلاسفة ألمانيا الأحياء يومذاك ووريث تقليد النظرية النقدية. والسؤال الذي اختاره كارب لأطروحته سيعود ليلاحقه بعد ربع قرن: ما الذي يجعل العدوان كامنًا في لغة الحياة اليومية وثقافتها؟ أو بعبارة أخرى، كيف يتحول المواطنون العاديون إلى مرتكبي إبادة جماعية أو متواطئين في عمليات قتل جماعي؟

إعلان

حملت أطروحته التي نوقشت عام 2002، عنوانًا أكاديميًّا ثقيلًا: "العدوان في عالم الحياة: توسيع مفهوم بارسونز للعدوان عبر وصف العلاقة بين اللغو (Jargon) والعدوان والثقافة"، وتناولت ظاهرة "معاداة السامية الثانوية"، أي كراهية اليهود المتولدة بدافع ثِقَل ذكرى المحرقة، لا من دافع كراهية اليهود، وحلّلت عبارة تُنسب للمحلل النفسي الإسرائيلي تسفي ريكس قال فيها إن "الألمان لن يغفروا لليهود [معسكر] أوشفيتز أبدًا".

فككت أطروحته خطاب الروائي مارتن فالزر، الذي رأى في إحياء ذاكرة المحرقة "هراوة أخلاقية" تُبقي الألمان رهائن ماضيهم. أدان كارب الشاب هذا المنطق وسماه شكلًا من الفاشية، وحلّل ما يخفيه اللغو المهذب من عدوان. ثم، بعد عقود، حين انفجرت غزة في وجه العالم بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، عاد ليقول إن فالزر كان شجاعًا في مواجهة "الصوابية السياسية" وثقافة الإلغاء التي تفرضها النخب والمؤسسات، وإنه حاول التعبير عن رأيه بصدق خارج الأطر المفروضة، كل هذا في معرض تبرير موقفه من حرب غزة وتزويده الجيش الإسرائيلي بتقنياته، وهو الجيش الذي أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات اعتقال بحق رئيس حكومته ووزير دفاعه على خلفية جرائم الحرب التي ارتكبها في غزة.

ولم يكتف كارب بإعادة الاعتبار لفالزر شفهيًّا. في كتابه "الجمهورية التقنية" (2025) فصلٌ كامل يعيد رواية واقعة حدثت عام 1998، حين ألقى فالزر خطابه الشهير في كنيسة القديس بولس بفرانكفورت رافضًا "التذكير الدائم بالعار"، فوقف الحاضرون من نخبة ألمانيا السياسية والاقتصادية يصفقون له طويلًا، وبقي رجل واحد جالسًا: إغناتس بوبيس، رئيس المجلس المركزي ليهود ألمانيا، الذي هاجم فالزر بقوة في اليوم التالي. فككت أطروحة الشاب كارب خطاب فالزر بوصفه قناعًا للعدوان، أما كتاب "الكهل" أليكس كارب فيقدّمه بوصفه تنفيسًا مشروعًا لأمة تستحق أن تفخر بنفسها من جديد.

"بالغ كارب في تأثيث نسبه الفكري، وتضخيم علاقته مع الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس"

بالغ كارب في تأثيث نسبه الفكري، وتضخيم علاقته مع الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس. لم يكن هابرماس غريبًا عنه فقد جمعتهما حلقة بحثية خاصة كان هابرماس يقدمها لمجموعة محدودة من الطلاب. في أغسطس/آب 2000، أراد كارب من هابرماس الإشراف على أطروحته فقدم له نحو أربعين صفحة من مسودتها، وكان رد هابرماس رسالة من ثلاث صفحات يعتذر فيها عن الإشراف، مشككا في قدرة كارب وفهمه للغة الألمانية بشكل يتيح له التعامل بعمق مع النصوص الأدبية المعقدة التي استند إليها في أطروحته. وكتب له موضحا: "إن الألمانية الأدبية بالنسبة لك لا بد أن تكون لغة أجنبية تماماً كما هي الإنجليزية الأدبية بالنسبة لي. تولّت الباحثة كارولا بريدِه الإشراف حتى إتمام الأطروحة. وقبل وفاته، قال هابرماس -وقد بلغ السادسة والتسعين- لكاتب سيرة كارب، مايكل ستاينبرغر، إنه لا يفهم لماذا يسعى كارب إلى تضخيم العلاقة، بينما ظل كارب يصر على أن هابرماس كان "لفترة" مشرفه.

مصدر الصورة رسالة واحدة من هابرماس أنهت إشرافه على أطروحة كارب. وبعد ربع قرن، حوّلها كارب إلى تشريف لا يملك صاحبه إنكاره (الجزيرة – صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)

ثم توفي هابرماس في 14 مارس/آذار 2026. وبعد أيام، نشر كارب مقال رثاء أعاد فيه صياغة القصة كلها، حيث تحولت الرسالة القاسية التي أنهت إشراف الفيلسوف عليه إلى دليل على صرامة هابرماس المنتجة، وعلى رفضه التساهل، وعلى "ما خسرناه كثقافة". هكذا حوّل كارب الرفض الأكاديمي الموجع إلى وسام على صدره هو، بعد أن صار صاحب الرسالة عاجزًا عن التعليق والرد.

كرّس كارب، اليهودي الشاب، سنوات الدكتوراه لفهم آلية الإبادة، أو "العدوان الجماعي"، وتساءل كيف يتسلل إلى اللغة العادية، وكيف تتواطأ معه المؤسسات والأفراد، وكيف تُصاغ "نحن" و"هم" اللتان تجعلان أذى الآخر ممكنًا. ثم عاد ليبني في كهولته أدوات تُوظَّف في حرب وصفتها لجنة تحقيق أممية بأنها إبادة جماعية. الرجل الذي قرأ كل شيء عن الإبادة التي حلّت بأسلافه، لم يقرأ أنه صار طرفًا في المنظومة التي تدير واحدة ضد شعب آخر. الحروف تتداخل، مرة أخرى، وتعاوده إعاقته القديمة في عسر القراءة.

المفاصلة: حين عجز عن مواكبة الوادي

ولدت بالانتير تحت رماد الحادي عشر من سبتمبر/أيلول. في عام 2002 استحوذت شركة إي باي على "باي بال" في صفقة مقدارها مليار ونصف المليار دولار. كان بيتر ثيل رئيسها التنفيذي وقت البيع، وحصل من الصفقة على نحو 55 مليون دولار نظير حصته، وهو رأس المال الذي استخدمه ليصبح أول مستثمر خارجي في فيسبوك، وليؤسس شركته الاستخباراتية بالانتير. لاحظ ثيل أن إخفاق الاستخبارات الذي سمح بهجمات سبتمبر كان في جوهره فشلًا في ربط المعلومات، فقرر إعادة توظيف خوارزميات مكافحة الاحتيال التي طوّرها في باي بال، وتقديمها لحماية الإمبراطورية.

إعلان

بعد عودته من ألمانيا، عمل كارب مسؤول تطوير في منظمة تُدعى "شراكة العمل الخيري اليهودي". لم يكن انتماؤه ليهوديته سؤالًا بحثيًّا فحسب؛ فقد شكّلت له شبكة معارفها ممرًّا سهلًا بين مجالات العمل، فانخرط في الحياة الاجتماعية للجالية وشارك في أعمال وثائقية عن معاناة شخصيات يهودية. ومن هذا الموقع، دعا زميله في كلية الحقوق بيتر ثيل -وهو غير يهودي- إلى اجتماع يضم كبار المانحين اليهود، مبررًا الدعوة بأن حضور شخص واحد على الأقل من خارج الجماعة سيجعل الحاضرين "ألطف مع بعضهم وأكثر سخاء". في ذلك الاجتماع رأى ثيل بعينه براعة كارب في قراءة الناس وتوظيف العلاقات وتحريكها. تلك "الحاسة المرهفة تجاه الناس"، وذلك "الإصرار الذي لا يُصدَّق"، هما ما دفعا ثيل لاحقًا إلى إسناد قيادة بالانتير إليه.

لم يكن كارب قادرا على لعب لعبة وادي السيليكون على أرضه. لم يكن مبرمجًا ولا مهندسًا، ولم يكن في الثانية والعشرين كأبناء الوادي الذين يفشلون كثيرًا ويعوّضون من رصيدهم العمري. فاختار أن يبني شركته على ما يضمن لها البقاء: الحكومة وأجهزتها القمعية من الشرطة إلى الجيش مرورًا بالمخابرات، مبتعدًا عن منافسة الشركات الكبرى على السوق الاستهلاكي.

" الطفل الذي نشأ في أقلية مركبة، وفي خوف مستمر من الغالبية، اختار اللجوء إلى ركن شديد: الدولة الأمريكية بجيشها ومخابراتها"

سيقول كثيرون ممن ترجموا له إنه كان خيارًا أخلاقيًّا صعبًا وله ثمن باهظ؛ ففي زمن كان شعار الوادي فيه "لا تكن شريرا"، وكان مهندسوه يأنفون من البنتاغون ويستقيلون احتجاجًا على إبرام شركاتهم عقودًا عسكرية أو أمنية، اختار كارب أن يكون مزوّد الدولة بأدوات المراقبة والاستهداف. لكن هذا الخيار، الذي قدّمه دائمًا بوصفه شجاعة أخلاقية، كان في عمقه خيار بقاء لرجل عجز عن مواكبة السوق الحرة، فاتكأ على الحكومة مهما كلّفه ذلك من الشعارات التي نشأ عليها. الطفل الذي نشأ في أقلية مركبة، وفي خوف مستمر من الغالبية، اختار اللجوء إلى ركن شديد: الدولة الأمريكية بجيشها ومخابراتها. وكان ثمن اللجوء ما ورثه من قيم، وحماس أبيه.

ولدت الشركة وهي تحبو، وعجزت عن المشي في سنواتها الثلاث الأولى لعزوف مستثمري وادي السيليكون عنها، وكادت تموت لولا التدخل الحكومي. في عام 2005 موّلتها وكالة المخابرات المركزية (CIA) عبر ذراعها الاستثماري "إن-كيو-تيل" (In-Q-Tel) فأنقذتها من الاندثار. لم يكن مبلغ المليون وربع المليون دولار الذي ضخّته الوكالة رقمًا يُذكر بمقاييس سوق متخمة بالمال، لكنه منح الشركة تزكية معتبرة من مؤسسة لا يُشك في جدّيتها.

وسرعان ما تبين أن العمل مع محللي الوكالة كان أهم ما حصل للشركة، فقد أجلست "إن-كيو-تيل" مهندسي بالانتير جنبًا إلى جنب مع محللي مكافحة تمويل الإرهاب في لقاءات أسبوعية بمقر الوكالة في لانغلي بولاية فيرجينيا، وهناك رصد الفريق أسلوب عمل المحللين عن كثب، وعلى ضوئه جرى تطويع الأكواد لتخدم الأهداف الأمنية. ومن هذا التزاوج بين تقنيات الوادي وخبرة الجواسيس وُلدت منصة "غوثام" (Gotham)، أولى منتجات الشركة الناجحة، بعد ثلاث سنوات شاقة مرّت فيها بأزمتَي تمويل خانقتين، إلى أن جاء العقد الرسمي مع الوكالة فنقلها من حالة الكفاح للبقاء إلى مرحلة الازدهار.

وهكذا، بينما يروي كارب وثيل حكايتهما ملحمةَ استقلال وريادة، نجد أن أكثر شركات المراقبة طموحًا في أمريكا لم تتنفس نفَسها الأول إلا بعدما نفخت فيها الدولة من روحها.

أتقن كارب صياغة المحكيات لعمله وهي مهارة ربما صقلتها الفلسفة، فيُلبس الخصلة ثوب الفضيلة، فإذا نزعتَه عنها لم تجد تحته إلا ما هو أنكى. بنى حول طبيعة عمل الشركة عقيدة كاملة رسم بها خطًّا فاصلًا بينه وبين الوادي، إذ كان يحتقر غوغل، ويكره فيسبوك كراهية صريحة لحد وصفه بأنه "مادة مسرطنة". رأى كارب أن نموذج هؤلاء قائم على جمع بيانات الناس وبيعها، بينما شركته تأنف من تخزين البيانات والاتجار بها ولا تنشغل بسوى تحليلها؛ فجوهر عملها، كما يروّج، مختلف وأنبل.

مصدر الصورة بين كتب الفلسفة وشبكة الإحداثيات التي تحدد أهداف القتل مسافة عقدين، قطعها كارب دون أن يلتفت وراءه (الجزيرة – صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)

في عام 2017 أطلق البنتاغون "مشروع مافن" لتوظيف الذكاء الاصطناعي في تحليل لقطات المسيرات وتحسين الاستهداف. فازت غوغل بعقد متواضع، لكن آلافا من موظفيها ثاروا، ورأوا في تسليح الذكاء الاصطناعي خيانة لمنطق وادي السيليكون، فانسحبت الشركة في عام 2018. انقضّ كارب على الانسحاب انقضاض الصقر الذي وجد فريسة سهلة، فوصف غوغل بـ"الجبن" ونعت موظفيها المحتجين بـ"المهندسين المتطرفين". وانضم ثيل بكلام أشد، فأشار في مؤتمر للمحافظين إلى أن غوغل تخلت عن عقد البنتاغون بينما أنشأت مختبرًا للذكاء الاصطناعي في الصين قد يفيد جيشها، ووصف سلوكها بأنه "يرقي إلى الخيانة"، داعيًا المخابرات ومكتب التحقيقات الفيدرالي إلى التحقيق في احتمال اختراقها من قبل عملاء أجانب.

وفي سبتمبر/أيلول 2019 نشر كارب مقالًا في صحيفة "واشنطن بوست" صبّ فيه غضبه على غوغل وبقية وادي السيليكون متهمًا إياهم بخذلان الجيش الأمريكي ومن ثم الديمقراطية. "قد لا ترغب نخبة المهندسين في العمل مع الجيش، لكن جنود المارينز لا يزالون يُنشرون في الخارج ويقفون في الخطوط الأمامية بينما يتنحى مديرو الوادي جانبًا". ورأى أن قرار غوغل قوّض الأمن القومي وتجاهل إرادة الناخبين، وأنه لا يجوز لشركات التقنية أن تمارس "حق النقض" على قرارات المسؤولين المنتخبين؛ فالسياسة من اختصاص صانعيها، لا مهندسين غير منتخبين يديرون شركات عالمية من ركن ثمين في ولاية ذهبية.

"يرى كارب أنه كما حسمت القنبلة الذرية نظام العالم اليوم، سيحسم الذكاء الاصطناعي من يشكّل نظام الغد"

رأى كارب في مافن "مشروع مانهاتن في القرن الحادي والعشرين": فكما حسمت القنبلة الذرية نظام العالم اليوم، سيحسم الذكاء الاصطناعي من يشكّل نظام الغد. وطرح الخيار بثنائية حادة: أتريدون نظامًا يصوغه من لا يلتزمون حقوق الإنسان وسيادة القانون، أي الصين؟ جواب بالانتير، قال، سيكون الرفض القاطع؛ فالشركة تجعل المؤسسات الغربية "قوية، وفي بعض الحالات مهيمنة". ثم لخّص الفرق بسخرية جارحة: "ما سردية غوغل؟ ندمّر الإعلام، ونقسم البلاد، ونسلبكم وظائفكم، ونصبح أثرياء"، وحين تحتاجنا البلاد لن تجدونا.

لكن صلابته الأخلاقية المعلنة اصطدمت بمفارقة داخل بيته/شركته. في مؤتمر، أجاب قاطعًا بأن تقنية التعرف على الوجوه يجب أن تُستخدم لتبرئة المتهمين زورًا فقط. وبعد أشهر كشفت نيويورك تايمز أن ثيل، شريكه، دعم سرًّا شركة "كلير فيو" (Clearview) التي كان تطبيقها يُستخدم لتوجيه الاتهامات وليس لتبرئة المتهمين.

الاستسلام: من وريث المناضلين إلى حليف اليمين

كيف انقلب وريث العائلة اليسارية المناضلة إلى رأسمالي صرف يلتحم باليمين؟ تبدأ القصة في عام 2016، حين انكشف الفرق بينه وبين ثيل. قبل أسابيع من الانتخابات، تقدّم ثيل بأول تبرع كبير لترمب (مليون وربع المليون دولار)، فأغضب موظفي بالانتير. أما كارب فكان مؤيدًا لهيلاري كلينتون، ولا يخفي نفوره من ترمب.

في اجتماع عام 2015 قال لزملائه: "أتيحت لي فرصة نادرة للقاء ترمب فرفضتها… لا أحترم أي شيء في هذا الرجل". سخر من ثروته بوصفها "وهمية"، ونعته بـ"المتنمر"، وقال إنه فاشل في كل شيء ولم ينجح سوى في جمع المال. وفي ليلة فوز ترمب، حين قال له عضو مجلس إدارة إن النتيجة مكسب لبالانتير بفضل علاقة ثيل، ردّ كارب بحدّة: "كل هذا خسارة لنا".

مصدر الصورة دونالد ترمب يتحدث بينما يستمع بيتر ثيل (يمين)، خلال اجتماع مع قادة قطاع التكنولوجيا في برج ترمب بنيويورك، 14 ديسمبر 2016 (غيتي)

ازدهرت بالانتير في ولاية ترمب الأولى؛ ففازت بعقود البنتاغون بعد كسبها دعوى قضائية ضد الجيش. لكن كثيرين عزوا المكاسب إلى محاباة سياسية بسبب علاقات ثيل لا إلى جودة المنتج، مما أغضب كارب الذي صار عليه أن يثبت أن سيفه يقطع لأنه حاد، لا لأن صاحبه مقرّب من الملك. ثم عمل المال عمله. طُرحت بالانتير للاكتتاب في عام 2020، وارتفع سهمها نحو عشرين ضعفًا بين أواخر عام 2022 وأوائل عام 2025 مدفوعًا بطفرة الذكاء الاصطناعي.

وهكذا تأرجحت ثروة كارب بمليارات الدولارات؛ في عام 2025 وحده تضاعفت تقريبًا، من نحو 7.2 مليارات دولار في يناير/ كانون الثاني إلى ما جاوز 16 مليار دولار في أغسطس/ آب بحسب مؤشر بلومبرغ للمليارديرات، متجاوزًا في وتيرة نموه إيلون ماسك وجيف بيزوس وبيل غيتس، ليتصدر قائمة أغنى الأمريكيين السود. وبلغت إيرادات بالانتير 4.5 مليارات دولار في عام 2025، واقترب رأسمالها السوقي من 450 مليار دولار.

"صار على كارب أن يثبت أن سيفه يقطع لأنه حاد، لا لأن صاحبه مقرّب من الملك"

ومع المال تغير الموقف. الرجل الذي دعم بايدن في عام 2020 وهاريس في عام 2024، انعطف بعد السابع من أكتوبر نحو اليمين انعطافًا حادا ليصبح في الأخير "ماغا بالكامل" حسب موقع أكسيوس في مراجعته لكتابه. بعد فوزه، دافع كارب عن ترمب بحماسة قائلا: "أدعم الرئيس في أمرين: الحدود والأمن القومي"، وعدّد ما يعتبرها إنجازات "تاريخية عالمية" تطابق نظرة ترمب عن نفسه، من صفقات السلام [الإبراهيمية]، وإغلاق الحدود أمام المهاجرين، وإضعاف إيران. بل حمّل كارب وادي السيليكون نفسه مسؤولية صعود ترمب بالقول إنه لولا تجاوزات الوادي وأثريائه المنفصلين عن الأمريكي العادي، لما وُجد ترمب أصلًا.

كان التحول زلزالًا في رؤية الرجل لموقعه من العالم. فلسنوات كان أهل وادي السيليكون ينظرون إلى كارب باعتباره حالةً شاذة، ثم تغيّر كل شيء مع طفرة الذكاء الاصطناعي والتنافس مع الصين وحربَي أوكرانيا وغزة حين صار خطابه خطاب اللحظة الراهنة والنخبة السياسية اليمينية. تبنت الإدارة الأمريكية لغته عن "سباق التسلح" في الذكاء الاصطناعي، والشركات التي أنِفت من عقود وزارة الدفاع باتت تتسابق على عقود وزارة الحرب الآن.

وفي يناير/كانون الثاني 2026 وقف كارب على منصة دافوس ليبشر الحاضرين بأن الذكاء الاصطناعي "سيدمر وظائف العلوم الإنسانية"، وحذّر من أن أوروبا متأخرة عن أمريكا والصين في تبني التقنية، ويلقي كلامًا آخر وصفه المعلّقون بـ"المحموم"، لكنه يفسّر أيديولوجيا جزءا من تحركات من إدارة ترمب. وفي مقابلة مع أكسيوس على هامش المنتدى نفسه، توقّع أن تكون نحو 95% من كبرى شركات التقنية عالميًّا أمريكية خلال عقد، وأن الذكاء الاصطناعي سيمنح الأقوى قوة أكبر والأضعف ضعفًا أكبر، مع تخلخل سياسي واجتماعي واسع. ومن خلال تلك التحذيرات، كان كارب يوطّد موقعه وموقع شركته في الإدارة الأمريكية التي يخدمها.

"الرجل الذي حدّد لنفسه يوما سقف المليون دولار لشراء منزل يستطيع موظفوه تحمّله، صار يملك نحو عشرة منازل، ثم صار يشتري الجبال"

تجاوز التحول خياراته الفكرية إلى قراراته الحياتية ونمط معيشته. فالرجل الذي حدّد لنفسه يومًا سقف المليون دولار لشراء منزل "يستطيع موظفوه تحمّله"، صار -بحسب ستاينبرغر- يملك نحو عشرة منازل، ثم صار يشتري الجبال، في ديسمبر/كانون الأول 2025 استحوذ على دير القديس بنديكت في سنومَس بولاية كولورادو مقابل 120 مليون دولار، وهي أعلى صفقة عقار سكني في تاريخ مقاطعة بيتكين. العقار، ومساحته نحو 3739 فدانًا، كان موطنًا لرهبان الترابيست قرابة سبعة عقود، وأقيم فيه آخر قداس علني في يناير/كانون الثاني 2026، قبل أن يتحول ملاذًا خاصًّا لرجل يعشق التزلج.

بيتٌ عاش فيه الرهبان سبعين عامًا، اشتراه أليكس كارب ليقول بلسان حاله: هنا لم يعد لأحد غيري مكان (الجزيرة – صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)

ابن المهاجرين الذي خدم آلة الترحيل

يشكل موقف كارب من المهاجرين أحد تمظهرات التناقض في حياته. الرجل المنحدر من نسل مهاجرين يهود، ومن أم حفيدة لعبد أسود، والرياديّ الذي يتغنى بأمريكا أرض الفرص، قررت شركته التعاقد مع إدارة الهجرة والجمارك (ICE) لإنتاج أقسى الأدوات لمكافحة أحلام المهاجرين.

بدأت العلاقة في فبراير/شباط 2011 حين اغتيل عميل في الإدارة اسمه خايمي زاباتا على يد عصابة مخدرات مكسيكية. تعثّر التحقيق لأن المعلومات مشتتة، فلجأت الإدارة إلى بالانتير. لم يستغرق مهندسوها سوى 11 ساعة لدمج البيانات، وفي غضون أسبوعين عُرف القاتل واعتُقل، ضمن "عملية البطل الساقط" التي أسفرت عن أكثر من 600 اعتقال آخر، ومصادرة 467 كيلوغرامًا من الكوكايين و64 رطلًا من الميثامفيتامين و282 قطعة سلاح.

كان القصة في رواية بالانتير انتصارًا هائلًا، لقد صممت أداة تربط النقاط لتمسك القاتل. لتتحول الأداة نفسها في يد إدارة ترمب من ملاحقة القتلة إلى ملاحقة المهاجرين، وصارت تُستخدم لتعقب عائلات تبحث عن لقمة العيش، فاتُّهمت بالانتير بالتواطؤ في سياسات عنصرية ولا إنسانية. تاجر ابن المهاجرين الذي يتغنى بالحلم الأمريكي بتقنيات تنهي أحلامًا تشبه حلم جده المهاجر، وحلم أمه الهاربة من بيت مضطرب.

"تاجر ابن المهاجرين الذي يتغنى بالحلم الأمريكي بتقنيات تنهي أحلامًا تشبه حلم جده المهاجر، وحلم أمه الهاربة من بيت مضطرب"

ولم تمر عقود إدارة الهجرة بلا كلفة بين الجيل الذي تراهن عليه الشركة. حتى صيف عام 2026، وقّع أكثر من 1200 طالب من سبع عشرة جامعة أمريكية، بينها ييل وإم آي تي وهارفارد وبراون وويسليان وجورجيا تك، تعهدًا علنيًّا بعدم العمل في بالانتير ما لم توقف تعاقداتها مع إدارة الهجرة والجمارك. وصارت الشركة التي تقدّم نفسها ملاذًا للطلاب المضطهَدين في الجامعات، نموذجًا مرفوضًا عند شريحة واسعة من طلاب النخبة.

الأخطبوط والأسطورة

ازدهرت بالانتير على أسطورة كان كارب يحوطها بالغموض، ويقدّم أنصاف إجابات كلما فحص الناس عن الحقائق. شاع بعد عام 2011 أن تقنية بالانتير لعبت دورًا في تعقب أسامة بن لادن وقتله. لم يؤكد الجيش الأمريكي ولا الاستخبارات شيئًا، بل أصرّ محللان سابقان شاركا في البحث عن بن لادن على أن بالانتير لم يكن لها أي دور في عملهما. لكن كارب أتقن فن الإجابة التي تغذي الأسطورة دون أن تتبناها. حين سُئل أجاب: "الناس يقولون ذلك. وأنا فخور جدًّا بما يعتقده الناس". وحين ضُغط عليه للحصول على دليل، اعترف بأنه لا يملك وسيلة ليعرف إن كانت تقنيته قد استُخدمت أصلًا لكنه بات يعتقد أنها استُخدمت. ولم يدخر موظفوه جهدًا في استخدام حيلة مديرهم، فكانوا يذكرونها في كل اجتماع مع عميل محتمل. فأي شركة تزهد في التقنية التي يُقال إنها أوقعت بألد أعداء أمريكا؟

من المستشفى إلى ثكنة الجيش إلى المحكمة، خيوطٌ تشدّ مؤسسات الدولة كلها إلى نقطة مركزية واحدة (الجزيرة – صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)

أدمن كارب هذه الحيلة، فصارت تصريحاته التبجيلية لشركته تطلق بلا تدقيق ولا وثائق رسمية تدعمها، فزعم تارة في مناسبات عدة أن برمجيات شركته أحبطت هجمات مسلحة في أوروبا، وأنه لولا تدخلها لوصلت أحزاب اليمين المتطرف إلى السلطة، وصرّح بأن الحضارة الغربية اتكأت على جهود شركته مرتين خلال خمسة عشر عامًا.

كان بالانتير، رغم صغرها (نحو 4000 موظف)، تمد أذرعها كالأخطبوط، منصة "غوثام" للاستخبارات والجيش، و"فاوندري" (Foundry) للشركات. استخدمتها فروع الجيش الأمريكي الستة، ومكتب التحقيقات الفيدرالي، ومصلحة الضرائب، والموساد الإسرائيلي. وحين انفجرت فضيحة "كامبريدج أناليتيكا" في عام 2018، وجدت الشركة التي تتباهى بأنها لا تتاجر ببيانات الناس نفسَها على تخوم أكبر فضيحة بيانات في العصر حين ربطت شهادة كريستوفر وايلي أمام البرلمان البريطاني، وتغطيات صحفية موثقة، أحد موظفي بالانتير في لندن بمشروع بيانات فيسبوك الذي استُخدم للتأثير في الناخبين الأمريكيين لصالح ترمب في عام 2016؛ حيث كان الموظف على تواصل مع وايلي منذ عام 2013، وأعطاه فكرة تطبيق الاستبيان الذي جُمعت به البيانات لاحقًا.

"وُلدت بالانتير من رحم الحرب على الإرهاب، وأشرفت على نهايتها المخزية"

ثم جاءت كابول لتضع الأسطورة أمام امتحان مرّ. حين انهارت المدينة ودخلتها طالبان في صيف عام 2021، أدارت بالانتير بنظامها "فانتاج" (Vantage)، الذي يدمج أكثر من 150 قاعدة بيانات وثلاثين ألف مجموعة بيانات، أكبر عملية إجلاء مدني في تاريخ أمريكا نقلت فيها 125 ألف شخص في 17 يومًا. لكن العملية شابتها مأساة مزدوجة، حيث قتل تفجير انتحاري أكثر من 180 شخصًا بينهم 13 جنديًّا أمريكيًّا، ثم غارة مسيّرة أمريكية قتلت عشرة أفغان أبرياء بينهم سبعة أطفال. وُلدت بالانتير من الحرب على الإرهاب، وأشرفت على نهايتها المخزية.

توسعت الشركة متجاوزة بلاد العم سام وحليفتها المدللة إسرائيل، ففي بريطانيا وحدها، حصلت الشركة على عقد بقيمة 330 مليون جنيه إسترليني مع هيئة الصحة الوطنية في إنجلترا (NHS England) لإدارة بياناتها، وعقد آخر بقيمة 240.6 مليون جنيه مع وزارة الدفاع البريطانية، بحسب ما أوردته مجلة ذا ويك في مايو/أيار 2026. وفي واشنطن، شاركت بالانتير في عمل "إدارة الكفاءة الحكومية" (DOGE) التي أشرف عليها إيلون ماسك في إدارة ترمب. صارت الشركة تعيد هندسة بيانات الدولة، مدنيّها وعسكريّها، في أكثر من بلد، من ملفات المرضى في مانشستر إلى قوائم الأهداف المدنية في غزة.

السابع من أكتوبر: حين التقت كل الجبهات

إذا كانت لكل سيرة ذروة، فذروة كارب هي السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. في ذلك اليوم التقت كل محاور حياته في نقطة واحدة، شعوره القديم بالضعف، وارتباطه العميق بيهوديته، وازدراؤه المكتسب لليسار الهوياتي والأكاديميا. الطفل الذي خاف أن يكون يهوديًّا في عالمٍ معادٍ، رأى في ثورة الفلسطينيين ضد محتلهم، تهديدًا للدولة التي ينتمي إليها.

متظاهرون في ألمانيا في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2023 يتجمعون تأييدا لحقوق الفلسطينيين وإدانة للاحتلال الإسرائيلي (غيتي)

بعد السابع من أكتوبر صارت هويّة كارب اليهودية سياسة للشركة وقضية معلنة. نشرت بالانتير إعلانًا بصفحة كاملة في نيويورك تايمز، "بالانتير تقف مع إسرائيل"، وقدّمت برمجياتها للجيش الإسرائيلي في حرب إبادته ضد غزة. وفي ديسمبر/كانون الأول 2023، أطلقت مبادرة توظيف استهدفت طلابًا يهودًا قالوا إنهم يشعرون بالخوف من معاداة السامية في جامعات تشهد احتجاجات ضد الحرب، مثل هارفارد وبنسلفانيا.

كان كارب مدركًا أن التوظيف على أساس الدين قد يخالف القانون ويُذعر محاميه، لكنه كان منتشيًا بتحدي المؤسسات الأكاديمية التي يحتقرها. ولم يخف غضبه من صمت المديرين التنفيذيين اليهود الآخرين، واصفًا إياهم بالجبن والخوف على تحالفاتهم، رافضًا أن يكون "المدير التنفيذي اليهودي الوحيد الذي يدافع عن شعبه". وقال صراحة إن اليهود هم "المجموعة الأكثر نجاحًا في أمريكا" بفضل تفوقهم الذاتي، معتبرًا أن صحة أي مجتمع تُقاس بمدى تسامحه واحتضانه لهذا "التفوق اليهودي".

"يرى كارب أن صحة أي مجتمع تُقاس بمدى تسامحه واحتضانه للتفوق اليهودي"

ثم طوّر الفكرة من مبادرة ظرفية إلى مشروع. في عام 2025 أطلقت بالانتير "زمالة الجدارة" (Meritocracy Fellowship): برنامج يستهدف خريجي الثانوية مباشرة، متجاوزًا الجامعة كليًّا، بشرط معدل "SAT" لا يقل عن 1460، مع راتب شهري قدره 5400 دولار، تحت شعار صريح: "تخطَّ التلقين. احصل على شهادة بالانتير". تقدّم للدفعة الأولى أكثر من 500 طالب، قُبل منهم 22، وحصل بعضهم على عروض توظيف دائمة.

وفي يناير/كانون الثاني 2024 عقدت بالانتير اجتماع مجلس إدارتها في إسرائيل، ووقّعت "شراكة استراتيجية" مع حكومة نتنياهو (المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية لارتكابه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية) لدعم "مجهودها الحربي". اعتمدت الشركة بكثافة على خبرات ضباط سابقين من وحدة الاستخبارات السيبرانية الإسرائيلية 8200، مفرخة نخبة الوادي الإسرائيلي، حتى صارت ثقافة الاستهداف الرقمي جزءًا من حمضها النووي. وبحسب تقارير صحفية، أخذت بالانتير تدمج الاتصالات المعترضة وصور الأقمار والبيانات الرقمية لتنتج قواعد بيانات لأهداف الجيش الإسرائيلي، وهي البيانات التي استُخدمت في حرب قُتل فيها أكثر من 70 ألف فلسطيني أكثر من ثلثهم من الأطفال.

وبهذا غدا الشاب اليهودي الذي سخّر شبابه لدراسة أسباب الإبادة النازية، والعدوان الجماعي وتواطؤ الناس العاديين فيه، والذي قصد ألمانيا تحديدًا ليفهم كيف انحدرت أمة متحضرة إلى الهمجية، مساهمًا بتقنياته، بلا تحفظ، في حرب إبادة ضد شعب آخر.

"بات الشاب اليهودي الذي سخر شبابه لدراسة الإبادة النازية مساهما بلا تحفظ في إبادة شعب آخر"

لم يتراجع كارب تحت ضغط النقّاد لموقفه الأخلاق، بل تمادى. حين بدأ موظفون يستقيلون احتجاجًا، قال في مارس/آذار 2024 إنه مستعد لخسارتهم: "لن أعدكم بأن أقول لكم ما تحبون سماعه". وحين اجتاحت المظاهرات المؤيدة لفلسطين الجامعات في مايو/أيار 2024، وصف كارب الأيديولوجيا المحركة لها بأنها أشبه بـ"ديانة وثنية" متعصبة سطحية، ورأى أن "ثقافة اليقظة" (Woke) تحولت إلى عبادة صارمة لا تقبل النقاش. أما الموظفون المخالفون، فجوابه لهم أن المغادرة الفورية متاحة ومرحَّب بها.

ازداد صخب كارب مع الوقت. فبحلول صيف عام 2026، كان الرجل يصف نفسه علنًا بأنه الداعم الأعلى صوتًا لإسرائيل في قطاع التقنية بأسره، مقرًّا بأن الموقف كلّفه موظفين تركوا الشركة احتجاجًا، ومتوقعًا خسارة المزيد، خسارة يرتديها وسامًا، وهو الذي ضمن عقود شركته ونجاحها بفضل تعاقداته الحكومية والعسكرية.

وبلغت لغته ذروتها في الفظاظة مطلع عام 2025. في مكالمة في فبراير/شباط تحدث عما تفعله"إدارة الكفاءة الحكومية" بقيادة إيلون ماسك من تفكيك في الوكالات الفيدرالية، فقال محتفيًا بالاضطراب: "ستكون هناك موجات صعود وهبوط. هذه ثورة. بعض الناس ستُقطع رؤوسهم". ثم ختم المكالمة نفسها بأن شركته موجودة لتجعل المؤسسات الأمريكية الأفضل في العالم، "ولإخافة الأعداء، وقتلهم أحيانًا"، على مسامع مستثمريه. لقد أضحى الفيلسوف الذي درس كيف يتسلل العنف إلى اللغة اليومية، مستخدما للعنف ذاته أداة تسويقية.

من ممارسة القوة إلى عبادتها

في فبراير/شباط 2025 نشر كارب -بالاشتراك مع نيكولاس زاميسكا- كتابًا تصدّر قائمة نيويورك تايمز، عنوانه "الجمهورية التقنية: القوة الصلبة، الإيمان الناعم، ومستقبل الغرب". خلاصته أن وادي السيليكون "فقد طريقه"، فانحدر من بناء العجائب التي صنعت أمريكا، من القنبلة النووية، إلى الإنترنت، مرورًا باختراق الفضاء، إلى تطبيقات توصيل الطعام ومنصات مشاركة الصور، وأن جيلًا من ألمع المبرمجين لم يشهد حربًا ولا اضطرابًا اجتماعيًّا حقيقيًّا.

يدعو الكتاب إلى إعادة التحالف بين الدولة وصناعة البرمجيات، وإلى نقاش جاد حول العدول عن نموذج الجيش المتطوع نحو خدمة عسكرية يتقاسم الجميع كلفتها، وإلى "واجب أخلاقي" على شركات التقنية بالمشاركة في الدفاع. ويعلن أن العصر الذري انتهى "فهذا عصر البرمجيات، وستقود أنظمة الذكاء الاصطناعي، من أسراب المسيّرات إلى الروبوتات، حروب المستقبل الحاسمة".

إيلون ماسك (يسار)، وأليكس كارب، في اجتماع بمجلس الشيوخ لكبار رؤساء شركات التكنولوجيا في سبتمبر/أيلول 2023 (أسوشيتد برس)

ومن يقرأ كتاب كارب على ضوء سيرة مؤلفه الفكرية يكتشف أنه مكتوب بأدوات المدرسة التي تخرّج منها ثم انقلب عليها. بناء الكتاب بناء نقد ثقافي كلاسيكي يمتلئ بإدانة النزعة الاستهلاكية، وتشخيص التفاهة، ورثاء المعنى المفقود، وهي النغمة التي أتقنتها مدرسة فرانكفورت قبل قرن. لكن ثيودور أدورنو، الذي دارت في فلكه أطروحة كارب عن اللغو والعدوان، لا يَرِد في الكتاب ولا مرة واحدة؛ لا في المتن ولا في الحواشي ولا في الفهرس. الاسم الوحيد الباقي من ذلك البيت هو هابرماس، ويظهر مرتين، كلتاهما توظيف أداتي خالص حين يستدعي الكتاب مفهوم "أزمة الشرعية" ليقرر أن شرعية الحكومات رهن بقدرتها على الحفاظ على النمو الاقتصادي والأمن، وأن انحطاط أي ثقافة "سيُغتفر فقط" إذا ظلت قادرة على إنتاج الرخاء الاقتصادي والقوة المهيمنة.

والنمط نفسه يتكرر مع إدوارد سعيد. يفرد الكتاب صفحات لـ"الاستشراق"، ويقر بأن فضله كان كشف أن كتابة التاريخ ليست فعلًا محايدًا بل ممارسة قوة، ثم ينقلب على الإرث كله، فدراسات ما بعد الاستعمار عنده "رؤية للعالم" بلغو خاص، خدّرت وادي السيليكون وثبطت النخب عن الدفاع عن حضارتهم. يقبل كارب من سعيد أن السردية سلاح، ثم يستخلص النتيجة المعاكسة، أنه ما دامت السردية سلاحًا، فلنُحسن التسلح بسرديتنا نحن. يستخدم كارب أدوات تفكيك المركزية، دفاعًا عن المركزية.

"يدعو كارب وبالانتير صراحة إلى إعادة التجنيد الإجباري، والتزام وادي السيليكون الكامل بمنظومة الدفاع الأمريكية"

ويبلغ هذا المنطق ذروته في فصل عنوانه "وجهة نظر جمالية"، يهاجم فيه الكتاب ما يسميه العقيدة الجديدة: "كل الثقافات الآن متساوية. النقد وأحكام القيمة محظوران". ويرد بأن ثقافات بعينها، ومنها ثقافة وادي السيليكون التنظيمية، "أنتجت العجائب"، بينما ثبت أن أخرى "متوسطة، بل أسوأ: رجعية وضارة". وفي أبريل/نيسان 2026 خرجت هذه الفقرة من دفتَي الكتاب إلى الفضاء العام حين نشرت بالانتير على حسابها في منصة X "بيانًا مصغرًا" من اثنتين وعشرين نقطة مستمدًّا من الكتاب، حصد أكثر من 32 مليون مشاهدة، يدعو صراحة إلى إعادة التجنيد الإجباري، والتزام وادي السيليكون الكامل بمنظومة الدفاع الأمريكية، ويكرر توصيف الثقافات بـ"الضارة" و"دون المستوى"، فأثار موجة انتقاد واسعة في الصحافة الدولية.

وقبل البيان بعام، كان كارب قد اختار خاتمة رسالته إلى المساهمين (فبراير/شباط 2025) اقتباسًا من صامويل هنتنغتون، صاحب "صدام الحضارات"، مفاده أن الغرب لم يكسب العالم بتفوق أفكاره أو قيمه أو دينه، بل بتفوقه في تطبيق العنف المنظم؛ وأن الغربيين كثيرًا ما ينسون هذه الحقيقة، أما غير الغربيين فلا ينسونها أبدًا. في سياقها الأصلي كانت العبارة تحذيرًا كتبه هنتنغتون ضمن حجة ضد غطرسة العالمية الغربية، تذكيرًا لقومه بأن هيمنتهم لم تقم على جاذبية قيمهم حتى لا يتوهموا أن فرضها على الآخرين رسالة حضارية.

يقتطع كارب العبارة من هذا السياق ويقلبها مصدر إلهام، فالقوة -عنده- تصنع الحق، وعلى الغرب ألا يخجل من ذلك. وحين سُئل عن هذه الفكرة أجاب بأنها صحيحة بلا جدال، وبأن مشكلة النخب الأكاديمية أنها ترفض هذه الحقيقة. أما الكتاب نفسه فيتعامل مع هنتنغتون معاملة الحليف المظلوم، واصفا "الثورة الشاملة" الأكاديمية عليه بأنها أجهضت أي نقاش جاد في دور الثقافة. الرجل الذي يكره سياسات الهوية، يكتب بيانًا في تفوّق هويةٍ حضاريةٍ بعينها.

سأل كارب الشاب في أطروحته: كيف يسكن العدوان لغة الحياة اليومية؟ كيف يتواطأ الأفراد والمؤسسات مع ما كان يُفترض أن قيمهم تحرّمه؟ لم يقدم كتابه الأخير جوابًا على سؤاله العويص، بيد أنا وجدنا في سيرته حين تتبعناها الجواب واضحًا. أراد كارب أن يفهم كيف يشارك الناس العاديون في ارتكاب الفظائع، فقدّم، على مدى عقدين، أوفى دراسة حالة متاحة كان شخصه هو موضوعها.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا