آخر الأخبار

ترمب وعد بإنهائها في 24 ساعة.. لماذا حرب أوكرانيا مستمرة؟

شارك

وعد الرئيس دونالد ترامب بإنهاء الحرب في أوكرانيا في غضون 24 ساعة، وها نحن بعد 18 شهرا من توليه السلطة نرى الحرب مستمرة، ولا يبدو أن أحدا يرغب في إيقافها أو قادر على ذلك.

ويُرجح أن تتواصل هذه الحرب حتى استنزاف طرفيها الرئيسيين: روسيا وأوكرانيا.

وبالنظر إلى جرائم الحرب التي ارتكبتها روسيا في أوكرانيا، طغت العاطفة على التحليل، إذ عُدّ الإقرار باحتمال وقوع أخطاء تجاه موسكو بمثابة خدمة تُقدم للرئيس فلاديمير بوتين.

وتكمن المشكلة في أن القادة الغربيين، وأمام سطوة العاطفة وقوة الخطاب الأوكراني، لم يحددوا أهدافهم الخاصة من الحرب، بل تبنوا، دون نقاش، أهداف الرئيس فولوديمير زيلينسكي، التي كانت مشروعة، لكنها غير قابلة للتحقيق.

يمكن تفهم مواصلة الحرب إذا اعتقد المرء بقدرته على كسبها، غير أن الاستمرار فيها لمجرد قضايا مبدئية، في حين لا يسفر ذلك سوى عن زيادة أعداد القتلى والمشوهين وحجم الدمار، لا يُعدُّ -على الأرجح- الموقف الأكثر أخلاقية

فقد أراد زيلينسكي ألا يقتصر انسحاب الجيش الروسي على إقليم دونباس، الذي بدأ غزوه عام 2022، بل أن يشمل شبه جزيرة القرم أيضا، وأن يمثُل فلاديمير بوتين أمام المحكمة الجنائية الدولية، وأن تُعوِّض روسيا حجم الأضرار التي ألحقتها بشنها هذه الحرب.

ويعد هذا طموحا مشروعا بكل تأكيد، ولكن يتضح جليا أنه، في ظل امتلاك روسيا للسلاح النووي، لن يذهب أحد لاعتقال بوتين في موسكو. لذلك، كان هذا المسعى غير قابل للتحقيق، وشكل إحجام الدول الغربية عن النأي بنفسها عن أهداف حرب غير واقعية موضوعيا خطأ فادحا.

ولم يُصغَ إلى أولئك الذين طرحوا وجهة نظر واقعية، مفادها أن أوكرانيا، التي بات عدد سكانها يبلغ 30 مليونا، لن تستطيع التغلب على بلد يضم 145 مليون نسمة، وأنه يمكن التفكير في تسويات، بما في ذلك التسويات الإقليمية.

إعلان

ويمكن تفهم مواصلة الحرب إذا اعتقد المرء بقدرته على كسبها، غير أن الاستمرار فيها لمجرد قضايا مبدئية، في حين لا يسفر ذلك سوى عن زيادة أعداد القتلى والمشوهين وحجم الدمار، لا يُعدُّ -على الأرجح- الموقف الأكثر أخلاقية.

تقول أوكرانيا إنها تقاتل من أجل أوروبا، لكنها تقاتل، قبل كل شيء، من أجل استقلالها وسيادتها.

أما أوروبا فتساعدها لأن أمنها معرض أيضا، بشكل غير مباشر، للخطر، وقبل ذلك، لمنع روسيا من الانتصار بعد انتهاكها القانون الدولي.

ومع ذلك، فلنُقِر بأن الدول الأوروبية تبدي صرامة أكبر بكثير بشأن احترام القانون الدولي في أوروبا مقارنة بما هي عليه في الشرق الأوسط، وهو مأخذ غالبا ما تعيبه عليها دول الجنوب العالمي.

من جهته أساء فلاديمير بوتين تحليل الأمور منذ البداية، ويعد هذا فشلا له بالنظر إلى عدم تحقق أي من أهدافه. فصحيح أنه كسب بعض الأراضي، لكنه وحّد المعسكر الغربي، كما عزز الشعور القومي الأوكراني ضده.

ويمكن القول، مقارنة بهدفه المتمثل منذ توليه السلطة في استعادة أمجاد روسيا، إن الحرب ضد أوكرانيا جاءت لتُضعف روسيا. وفي غضون ذلك، فقدت موسكو، علاوة على ذلك، مواقع لها في أجزاء أخرى من العالم جراء هذا الضعف.

لا يزال كل من فولوديمير زيلينسكي وفلاديمير بوتين يعتقدان، اليوم، أن النصر العسكري يمكن أن يخدم هدفهما السياسي، ونتيجة لذلك، لا يرغب أي منهما حقا في إنهاء الحرب

وكان دونالد ترمب قد أراد التفاهم مع فلاديمير بوتين؛ إذ يرى أن مساعدة أوكرانيا تكلف الولايات المتحدة غاليا. ولا تُعد هذه مشكلته، كما لا يمثل احترام القانون مشكلة بالنسبة له أيضا.

ومنذ تنصيبه في البيت الأبيض، لم تتوقف الدول الأوروبية عن الارتجاف فزعا من فكرة وقفه للمساعدات المقدمة لأوكرانيا، ولم تتوانَ عن تقديم التنازلات له، بما في ذلك على الصعيد التجاري، لإبقائه ضمن ركب المساعدين لأوكرانيا.

وتبرز هنا مفارقة جلية، إذ يتنازل الأوروبيون عن الكثير من الأمور للولايات المتحدة على أمل التمكن من المساعدة في الحفاظ على سيادة أوكرانيا. وفي الوقت نفسه، تقر الدول الأوروبية بصحة موقف دونالد ترمب، الذي يسيء معاملتها لاعتقاده بضعفها وبانتفاء أي خطر في الإقدام على ذلك.

ويراهن فلاديمير بوتين على الإرهاق والانقسام الغربي، غير أن الدول الأوروبية ظلت متماسكة وموحدة ولم تتخل عن أوكرانيا، حتى وإن تطلب الأمر إنفاق أموال طائلة وتخصيص مبالغ ضخمة للمساعدة العسكرية التي لم تعد مضمونة الآن من قِبل الولايات المتحدة.

وفي الواقع، لا يزال كل من فولوديمير زيلينسكي وفلاديمير بوتين يعتقدان، اليوم، أن النصر العسكري يمكن أن يخدم هدفهما السياسي. ونتيجة لذلك، لا يرغب أي منهما حقا في إنهاء الحرب.

ويرفض بوتين أي مفاوضات أو وقف لإطلاق النار، بل يطالب فولوديمير زيلينسكي بالقدوم إلى موسكو، وهو ما يعد استسلاما تاما؛ لذلك، يُعتبر هذا الأمر غير مقبول بالنسبة لزيلينسكي.

وتراجع هذا الأخير، من جانبه، عن قبوله بتقديم تنازلات إقليمية، وهو الموقف الذي كان قد تبناه لبعض الوقت. ورغم أنه بعث برسالة إلى فلاديمير بوتين يقبل فيها مبدأ التفاوض، فإنه أرفقها بملاحظات مزعجة، بل وبشتائم، مما جعلها، بطبيعة الحال، غير مقبولة بالنسبة للرئيس الروسي.

إعلان

وعلاوة على ذلك، أعاد زيلينسكي، في قمة حلف شمال الأطلسي ( الناتو) في أنقرة، طرح مسألة انضمام أوكرانيا إلى الحلف، وهو ما يمثل خطا أحمر وعقبة أمام أي مفاوضات.

وفي حين عززت أوكرانيا دفاعاتها، وحققت مكاسب في مجال الطائرات المسيّرة، وبات بإمكانها مهاجمة روسيا في العمق، يعول زيلينسكي على الإرهاق الروسي لدفع موسكو إلى التخلي عن مطامحها؛ تماما كما يعتقد بوتين أن أوكرانيا ستنهار في نهاية المطاف.

يجب على الاتحاد الأوروبي، أخيرا، أن يحدد مصالحه ويدافع عنها، وألا ينجر وراء تحليل رومانسي بحت للوضع، وحان الوقت أيضا ليعيد تحديد مصالحه فيما يتعلق بهذا الصراع، وبروسيا، وأوكرانيا، والولايات المتحدة

وهكذا، يراهن كل طرف على انهيار الآخر، وفي الواقع، من غير المرجح أن ينهار أي منهما، وسيواصلان القتال حتى وإن كلفهما ذلك فقدان المزيد من الأبناء، والعديد من الجنود، وحرمان جيل بأكمله من الآفاق المرجوة.

ويتعين على الأوروبيين مواصلة مساعدة أوكرانيا، ولكن ليس بشكل غير مشروط. إذ يجب استيعاب كيفية قبول تنازلات إقليمية، ووقف إطلاق النار على الخطوط الأمامية، وتأجيل البت في مستقبل هذه الأراضي إلى وقت لاحق؛ شريطة ألا يتم، بالطبع، الاعتراف القانوني مطلقا بضم روسيا تلك الأراضي.

ويجب حسم مسألة انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي بشكل نهائي، لأننا نعلم يقينا أنه، ومهما كان الثمن، إذا ظلت هذه المسألة مطروحة على الطاولة، فستواصل روسيا الحرب.

ولن تغير روسيا موقعها الجغرافي، وسيتعين، يوما ما، استئناف العلاقات الطبيعية معها. ولكن، لنكن واضحين، يبدو من الصعب على الدول الأوروبية استئناف العلاقات الطبيعية طالما ظل فلاديمير بوتين في السلطة، إذ سيتعين انتظار قيادة جديدة في موسكو.

وهنا أيضا، وعلى المستوى العاطفي، وُعدت أوكرانيا بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ورغم إقرار العديد من المسؤولين الأوروبيين بأن هذه العملية ستكون معقدة، فإنه لن يتسنى التهرب منها.

وبالنظر إلى الفجوة الاقتصادية بين أوكرانيا والاتحاد الأوروبي ومستوى الفساد، الذي لا يوجد يقين بشأن خوض حرب حقيقية وفعالة ضده في أوكرانيا، فإن هذا الانضمام سيشكل كارثة بالنسبة للاتحاد الأوروبي.

لذا، يجب على الاتحاد الأوروبي، أخيرا، أن يحدد مصالحه ويدافع عنها، وألا ينجر وراء تحليل رومانسي بحت للوضع، وحان الوقت أيضا ليعيد تحديد مصالحه فيما يتعلق بهذا الصراع، وبروسيا، وأوكرانيا، والولايات المتحدة.

لقد بلغ الوضع طريقا مسدودا في الوقت الراهن، ولا يبدو أي طرف قادرا على تحقيق انتصار عسكري ذي مغزى، فكلا البلدين والشعبين قيد الاستنزاف. وتكمن الأولوية القصوى الآن في وقف إطلاق النار قبل الشروع في مفاوضات حقيقية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا