آخر الأخبار

لماذا انهار مخطط الزج بأكراد إيران في الحرب قبل أن يبدأ؟

شارك

لم يكن خافيًا منذ اليوم الأول لجولة الحرب الأخيرة على إيران، أن الإسرائيليين خططوا للاستعانة بقوى كردية إيرانية معارضة للإطاحة بنظام الجمهورية الإسلامية، وأنهم أقنعوا الرئيس ترمب مسبقًا بالمشاركة الكردية في الحرب. فقد كان تغيير النظام السياسي في إيران هدف الحرب الأساسي، إسرائيليًّا وأميركيًّا، بينما كانت أهداف الحرب الأخرى، مثل تصفية المشروع النووي الإيراني كلية، ثانوية، سيجري تحقيقها بمجرد تغيير النظام. وهذا ما جعل استدعاء القوى الكردية جزءًا بالغ الأهمية من خطة الحرب.

خلال الأسبوع الأول من الحرب، تحدث رئيس الحكومة الإسرائيلي والرئيس ترمب بقدر كبير من التفاؤل عن تغيير النظام الإيراني، وعن استعداد القوى الكردية للعب دور رأس الحربة لإنجاز هذا الهدف. ولم يكن السؤال في دوائر حكومة نتنياهو وإدارة ترمب عمَّا إن كان المسلحون الأكراد سيشاركون في الحرب، بل عن موعد انطلاقهم، وكم من الوقت سيحتاجون لقطع المسافة من حدود إيران مع كردستان العراق إلى طهران.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 الأقصى في زمن الحرب..كيف تفرض إسرائيل واقعًا جديدًا؟
* list 2 of 2 العراق في معركة شد الحبل بين واشنطن وطهران.. هل انتهى النفوذ الإيراني؟ end of list

ولكن، ما إن دخلت الحرب أسبوعها الثاني حتى بدأت الإشارات إلى المشاركة الكردية في الخفوت، سواء في تصريحات المسؤولين الإسرائيليين أو الأمريكيين.

في إسرائيل، سارعت جهات مقربة من نتنياهو إلى إيقاع اللوم على جهاز الاستخبارات الإسرائيلي، الموساد، لأخطائه في تقدير الموقف، ومن ثم فشل خطة المشاركة الكردية. وفي واشنطن، انتقل الرئيس ترمب في تناوله للدور الكردي من اعتبار الفكرة غير عملية وغير قابلة للتحقق في أصلها، إلى اتهام القوى الكردية الإيرانية المعارضة بسرقة السلاح الذي أُمِدَّت به، وبعجزها عن إيصال السلاح للجماعات المعارضة داخل إيران.

فلماذا أخفق مشروع المشاركة الكردية المسلحة في الحرب قبل أن يخطو خطوته الأولى؟ ومن القوى الكردية الإيرانية المعارضة التي كان يجري إعدادها لتحقيق هدف إسقاط النظام في طهران؟ ولماذا كانت حسابات كلا الملفين، ملف المساهمة الكردية وملف تغيير النظام الإيراني، خاطئة من البداية؟

مصدر الصورة أعضاء من حزب «كومله» الكردي الإيراني المعارض خلال تشييع المقاتلة غزال مولاي في السليمانية بإقليم كردستان العراق، بعد مقتلها في هجوم بطائرة مسيرة استهدف الجماعة (الفرنسية)

تخطيط إسرائيلي مبكر وعمل حثيث

منذ عقود، سعى الإسرائيليون لبناء علاقات استخباراتية بقيادات عدد من الجماعات الكردية المسلحة، سواء العراقية أو الإيرانية أو السورية. وخلال السنوات التي سبقت غزو العراق وإسقاط نظام صدام حسين، قدمت إسرائيل مساعدات عسكرية لأجنحة في الأحزاب الكردية العراقية المناهضة لبغداد. وثمة من يعتقد أن شخصيات في حكومة إقليم الحكم الذاتي في كردستان العراق لا تزال تحتفظ بعلاقاتٍ ما مع الإسرائيليين. وعلى الرغم من شِحَّة التقارير القاطعة، فالأرجح أن قيادات كردية سورية نسجت هي الأخرى صلات مع الإسرائيليين خلال سنوات الثورة السورية، بالرغم من أن عبد الله أوجلان، الزعيم التاريخي لحزب العمال الكردستاني، عُرِف بموقفه المناهض لإسرائيل ونشاطاتها في الأوساط الكردية. وإن كانت الاستخبارات الإسرائيلية قد حاولت فعلًا النفاذ إلى أوساط حزب العمال الكردستاني، فلابد أنها كانت حذرة من إثارة غضب وردود فعل نظيرتها في تركيا.

إعلان

ورغم أنه ليس واضحًا متى استطاع الإسرائيليون بناء صلات منتظمة بالقوى الكردية الإيرانية المعارضة، أو من الأطراف التي توسطت لفتح قنوات الاتصال، فالأرجح أن المسلحين الكرد الإيرانيين كانوا دائمًا ضمن حسابات العمل الإسرائيلي ضد نظام الجمهورية الإسلامية. فطبقًا لما نشرته هآرتس الإسرائيلية، في 14 و15 يوليو/تموز 2026، يبدو أن مشروع إسقاط النظام الإيراني أو تغييره عاد إلى طاولة بحث القيادة الإسرائيلية بصورة جدية في صيف 2024، أي بعد أن أخذت حكومة نتنياهو تفيق من كارثة 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. والأرجح، أن فكرة الاستعانة بالقوى الإيرانية الكردية المعارضة طُرحت منذ بداية تبلور مشروع إسقاط النظام.

في منتصف 2024، لا يبدو أن خطة الحرب الأمريكية-الإسرائيلية المشتركة كانت قد وُضعت بعد. لذلك، لابد أن التصور الأولي تضمّن تحريك عملاء إيرانيين مرتبطين بإسرائيل، لإطلاق حركة احتجاج شعبية معارضة للنظام الإيراني، شبيهة بحركة الاحتجاج التي اندلعت عقب وفاة مهسا أميني في خريف 2022. وبمجرد انتشار الحراك الشعبي، تبدأ المجموعات المسلحة الكردية بالتدخل عبر الحدود لمساندة المحتجين، ومن ثم الانطلاق إلى طهران لإسقاط النظام.

لا شك أن الإسرائيليين تابعوا باهتمام كبير نجاح المعارضة السورية المسلحة، بقيادة هيئة تحرير الشام، في إسقاط نظام الأسد خلال أقل من أسبوعين من الهجمات العسكرية، من أواخر نوفمبر/تشرين الثاني إلى 12 ديسمبر/كانون الأول 2024. وقد يكون ذلك ما عزّز تصورهم بأنه إن كان لقوة مسلحة غير رسمية، متماسكة ومنضبطة، أن تطيح نظامًا عاتيًا متجذرًا في سوريا، فلماذا لا تستطيع جماعات مسلحة مشابهة القيام بالأمر نفسه في إيران. والمدهش، في هذا كله، ومهما كان التقدير الإسرائيلي لطبيعة النظام الإيراني، أن القيادة الإسرائيلية لم تستطع رؤية الفارق الكبير بين الوضع في سوريا والوضع في إيران، ولا الفارق الأكبر بين مجموعات مسلحة تستند إلى قاعدة واسعة في سياق ثورة شعبية في سوريا، وأخرى تستند إلى جزء فقط من أقلية شعبية في إيران في سياق مختلف تمامًا.

عمومًا، ومهما كان تقدير الإسرائيليين للموقف، فالواضح أن جهود إعداد القوى الكردية الإيرانية للانخراط في مشروع إسقاط النظام الإيراني اكتسبت تسارعًا ذاتيًّا في 2025.

فقد كشفت تقارير عن زيارات مسؤولين إسرائيليين لمعسكرات المسلحين الأكراد في الجانب العراقي من الحدود، وإمدادهم بالسلاح. ولأن التصور الإسرائيلي لإطاحة النظام الإيراني كان يتطلب تحركًا شعبيًّا احتجاجيًّا، سيما في العاصمة طهران، يمهد الطريق لدخول الجماعات المسلحة لحسم المواجهة مع أجهزة النظام، فقد أخذ الإسرائيليون في تعزيز صلاتهم بالمجموعات الإيرانية المعارضة في المدن الإيرانية، وببعض التجار ورجال الأعمال. ولا يُستبعد أن تكون تلك الجهود قد لعبت دورًا أساسيًّا في إطلاق موجة الاحتجاج ذات الطابع الاقتصادي، التي انطلقت في 28 ديسمبر/كانون الأول 2025.

خلال الأيام القليلة التالية، اتسعت حركة الاحتجاج، والتحق بها أعداد من المسلحين، الذين قاموا بمهاجمة مراكز مؤسسات رسمية واغتيال عناصر من قوات الأمن أو الباسيج المحليين. ولكن مشاركة المسلحين وفرت مبررًا للنظام للتحرك، منذ 8 يناير/كانون الثاني 2026، لوضع نهاية للحراك باستخدام القوة الباطشة. وخلال اليومين التاليين، كانت حركة الاحتجاج قد أُخمدت كليًّا، بعد أن أوقعت المواجهات بين المتظاهرين، المسلحين وغير المسلحين، وقوات الأمن عدة مئات من القتلى من الجانبين.

إعلان

لابد أن محدودية الحراك الشعبي، وقدرة النظام الفائقة على احتواء الاحتجاجات، دفعت إلى إعادة النظر في مخطط استدعاء القوى المسلحة الكردية، وتطويره من التدخل المصاحب للتمرد الشعبي إلى التدخل في ظل حرب إسرائيلية/أمريكية على إيران. وكان المفترض، طبقًا للتصور الإسرائيلي الجديد، أن تنجح الهجمات على إيران في أيامها الأولى في قطع رأس النظام، باغتيال أكبر عدد ممكن من قيادات الصف الأول، واستهداف مراكز السيطرة والتحكم لقوات النظام المسلحة وأجهزته الأمنية في كافة أنحاء البلاد، وفي محافظات الأغلبية الكردية في غرب إيران على الخصوص، وفي تمهيد طريق آمن إلى طهران للمجموعات المسلحة الكردية.

وفي 11 فبراير/شباط، وصل نتنياهو إلى واشنطن للقاء الرئيس ترمب، في آخر لقاء لهما قبل انطلاق الحرب على إيران في 28 فبراير/شباط. وإلى ذلك التاريخ، ليس ثمة ما يؤكد أن الموعد الفعلي للحرب قد قُرِّر، لأن ما فرض بداية الحرب كان توصل الإسرائيليين لمعلومات حول اجتماع المرشد الأعلى، خامنئي، بعدد من قيادات النظام. وبقطع النظر عمَّا إذا كان لقاء واشنطن قد تضمن خطة تفصيلية للحرب، فالواضح أن نتنياهو استطاع إقناع ترمب بجدوى المشاركة الكردية وبالتصور الإسرائيلي لإسقاط النظام الإيراني أو تغييره.

لاحقًا، صدرت عدة تقارير في وسائل إعلام أمريكية قريبة من البيت الأبيض، استبعدت وجود موافقة أمريكية مسبقة على انخراط القوى الكردية في الحرب. ولكن، على الأرجح لم تكن تلك التقارير دقيقة، فالرئيس ترمب نفسه، ظل يلمِّح خلال الأسبوع الأول من الحرب إلى دور كردي، بل أشار في أحد تصريحاته إلى إمدادات سلاح للجماعات الكردية.

ولم يبدأ الرئيس في الحديث صراحة عن عدم جدوى المشاركة الكردية، وأنه لم يعد يريد، أو يرغب في هذه المشاركة، إلا في السابع من مارس/آذار، أي في اليوم الثامن من الحرب.

المهم، أن الإسرائيليين الذين بنوا حساباتهم على أن الأكراد الإيرانيين يستطيعون حشد ما يقارب الخمسة عشر ألف مقاتل لاجتياح المحافظات الكردية الإيرانية، وأن هذا العدد سيتزايد بصورة حثيثة أثناء تقدمهم إلى العاصمة، طهران، أدركوا منذ البداية أنهم يتعاملون مع مجموعات كردية متعددة، وليس مع كتلة متماسكة من المسلحين تحت قيادة واحدة. ولكن الثقة الإسرائيلية المتزايدة في النفس أسهمت في غَضِّ النظر عن تشرذم القوى الكردية، وفي تشكُّل تصور بأن إقناع القيادات الكردية بإقامة إطار تحالفي للمجموعات الرئيسية سيوفر حلًّا لمسألة التشرذم والصراعات البينية. ولكن الاتفاق على هذا الإطار التحالفي، لم يُنجز إلا بعد عشرة أيام على لقاء واشنطن بين نتنياهو وترمب وقبل أسبوع واحد من انطلاق الحرب.

مصدر الصورة أعضاء من حزب العمال الكردستاني يحتفلون بعيد نوروز في جبال قنديل، قرب الحدود العراقية الإيرانية التركية، شمال شرقي العراق (الفرنسية)

تحالف القوى السياسية لكردستان إيران

في 22 فبراير/شباط 2026، أعلنت خمسة أحزاب وجماعات كردية سياسية مسلحة عن تحالف القوى السياسية لكردستان إيران، بعد مباحثات مطولة بين قيادات هذه الأحزاب في شمال العراق. شارك في المباحثات سبعة أحزاب، إلا أن اثنين منها رفضا في النهاية الانضواء في التحالف.

والملاحظ أنه ليس بين الأحزاب الخمسة المشكِّلة للتحالف من يتمتع بنفوذ في كافة المحافظات الكردية الإيرانية أو أغلبها. وبالرغم من أنها جميعًا أحزاب قومية التوجه، فهي تنشط وكأنها قوى محلية النفوذ، أو ذات طابع قَبَلي، يوجد كل منها في منطقة معينة من المحافظات الكردية. ويبدو أن توجهات بعضها اليسارية لم تجد ترحيبًا واسعًا في أوساط المجتمع الكردي المحافظ.

أول أحزاب التحالف هو الحزب الديمقراطي لكردستان إيران (PDKI)، وهو الحزب التاريخي للحركة القومية الكردية، الذي تأسس على يد قاضي محمد في مهاباد، بتشجيع من السوفيت، عام 1946. وكان الديمقراطي الكردستاني قد توقف عن العمل المسلَّح لأكثر من عقدين، إلى أن عاد لتنظيم مجموعات مسلَّحة في 2016، عندما اشتدت حدة التدافع الإقليمي بين إيران من جهة، والسعودية من جهة أخرى. وبالرغم من أن الحزب يحتفظ بعلاقات حسنة مع تركيا إلا أن الاتهامات بتلقيه دعمًا تركيا تبدو غير صحيحة. خاض الديمقراطي لكردستان إيران اشتباكات دامية مع القوات الإيرانية طوال العامين التاليين على استئنافه العمل المسلَّح، ولكن نشاطاته المسلَّحة سرعان ما توقفت بعد أن وقَّعت إيران اتفاقات أمنية مع الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان العراق.

إعلان

ثاني أحزاب التحالف هو حزب حرية كردستان (PAK)، الذي يعود تأسيسه إلى عام 1991، وبرز بوصفه أكثر الأحزاب الكردية الإيرانية القومية تشددًا.

يتمتع حرية كردستان بعلاقات وثيقة مع الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق، الذي يقوده مسعود بارزاني، إلى درجة المشاركة في المواجهات مع الجيش العراقي في 2016–2017، التي اندلعت بعد استفتاء تقرير المصير في كردستان العراق. ينحدر أغلب عناصر الحزب من مدينتي بوكان ومهاباد، إلا أن ساحة نشاطه الرئيسة هي محافظة إيلام.

حزب الحياة الحرة في كردستان (PJAK)، ثالث قوى التحالف، هو في الحقيقة الجناح الإيراني لحزب العمال الكردستاني التركي، ولم يؤسَّس إلا في 2004، عندما بدأت قيادات حزب العمال في إقامة فروع للحزب خارج تركيا. وتعد مناطق إيلام وكرمانشاه، وعدد قليل من بلدات محافظة أذربيجان الغربية، ساحات نشاط الحزب الأساسية داخل إيران.

رابع القوى المتحالفة هي منظمة نضال كردستان إيران (KHABAT)، التي تعد مجرد تنظيم مسلح صغير، تأسس في 1980.

وحسب تقديرات دوائر المعارضة الكردية الإيرانية، تفتقد المنظمة لأية فاعلية عسكرية، ولم يُعرف عنها في العقود القليلة الماضية أية إنجازات داخل إيران، وحتى النظام الإيراني لا يبدو أنه يوليها اهتمامًا يُذكر.

أما حزب كومله لكادحي كردستان، الذي تأسس في 1979 مباشرة مع اندلاع الثورة الإيرانية وقيام الجمهورية الإسلامية، فيمثل في الأصل الحزب الشيوعي لكردستان إيران.

وقد عانى من انشقاقات متتالية في العقود القليلة الماضية، أضعفت هيكله التنظيمي السياسي وجناحه المسلح على السواء.

ورغم أن الحزب يدَّعي وجود أنصار له في مريوان وسنندج وبوكان، إلا أن الأرجح أن هذا الوجود، سواء السياسي منه أو العسكري، بات رمزيًّا.

على إثر الإعلان عن التحالف، أصدر يهودا بن يوسف، رئيس الجالية اليهودية الكردية في إسرائيل، بيانًا حمل ترحيبًا وتهنئة بتشكيل هذا الإطار، في مؤشر ضمني على الدور الذي لعبه الإسرائيليون في إقامة التحالف.

أما رضا بهلوي، ابن الشاه، الذي يتزعم المعارضة الملكية في المنفى، وتربطه علاقات وثيقة بنتنياهو وحكومته، فاتهم التحالف بحمل توجهات انقسامية، وهدَّد بأنه في حال سقط نظام الجمهورية الإسلامية وعاد النظام الملكي إلى طهران، فلن يتردد في استخدام القوة المسلحة للتعامل مع الانقساميين الكرد.

ولكن أبرز ردود الفعل على إعلان التحالف جاء من واشنطن، في مبادرة من الرئيس ترمب لإجراء اتصال هاتفي، في الثالث من مارس/آذار، مع مصطفى هجري، قائد الحزب الديمقراطي لكردستان إيران.

لم يفصح الرئيس ترمب ولا السيد هجري عن فحوى الاتصال، ولكن مجرد إجراء المكالمة أوحى بأن الخيار الكردي كان لا يزال على طاولة واشنطن حتى قبل أيام قليلة من إعلان الرئيس نفسه استبعاد الأكراد الإيرانيين من المشاركة في الحرب.

ولا يقل دلالةً أن وسائل الإعلام الإسرائيلية المقربة من نتنياهو كانت في اليوم نفسه تنقل عن مصادر في تحالف القوى الكردية تصريحات تشير إلى احتشاد عشرات الآلاف من المسلحين الأكراد في الجانب العراقي من الحدود، بانتظار الأمر بالدخول إلى إيران.

كما أن رويترز ذكرت في تقرير لها، في 4 مارس/آذار، أن مدن الأغلبية الكردية، في محافظات كردستان وأذربيجان الغربية وكرمانشاه وإيلام، تعرضت لهجمات جوية مكثفة في الأيام القليلة الماضية، استهدفت مراكز الأمن الداخلي والشرطة والباسيج والاستخبارات، فيما بدا وكأنه تمهيد الطريق لاجتياح مسلح من خارج إيران.

فما الذي حدث في أسبوع الحرب الأول وأدَّى إلى التخلي المعلن عن استخدام القوى المسلحة الكردية أداة في مشروع إسقاط النظام الإيراني؟

مصدر الصورة رضا بهلوي إلى جانب المستثمر شيرفين بيشيفار خلال قمة «التكنولوجيا ومستقبل إيران» في سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا. (رويترز)

فشل قبل الانطلاق

ما تقوله الأوساط الإسرائيلية المقربة من نتنياهو أن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، كان هو من عمل على إقناع الرئيس ترمب، خلال اتصال بينهما في أيام الحرب الأولى، بمخاطر المشاركة الكردية في الحرب وبعدم جدواها. ولكنْ، ولأن لا أردوغان ولا ترمب كشف عن فحوى المحادثة بينهما، فمن الصعب التيقن من مصداقية الرواية الإسرائيلية.

والواضح، أن الإسرائيليين يريدون بهذه الرواية تحميل مسؤولية فشل المشروع لطرف ثالث. ولكن هذا لا يمنع من أن الأتراك لعبوا دورًا ما في إفشال المخطط الإسرائيلي.

إعلان

فقد كانت أنقرة على دراية مبكرة بالاتصالات الإسرائيلية مع القوى الكردية الإيرانية، ولابد أنها تدرك أن مخطط إطاحة النظام الإيراني بغزو كردي من الخارج غير ممكن التحقق، وتعلم أن عاقبته الوحيدة ستكون إيقاع مجزرة بالشعب الكردي الإيراني في المحافظات الغربية، سيما الأكراد السنَّة، وإغراق إيران في الفوضى المسلحة، بكل ما يحمله ذلك من مخاطر على جوارها الإقليمي.

وليس من المستبعد أن الأتراك عملوا على التأثير على بعض القوى الكردية الإيرانية، سيما الديمقراطي الكردستاني، لإبعادها عن المخطط الإسرائيلي.

في العاصمة التركية، أنقرة، كشفت تقارير عن أن الزعيم التاريخي لحزب العمال الكردستاني، عبد الله أوجلان، أرسل من سجنه إلى قادة فرع الحزب الإيراني، بيجاد، ناصحًا بعدم التورط في مشاريع خارجية، ومؤكدًا أن الأكراد يجب أن لا يتحولوا إلى "أداة للقوى الإمبريالية" ضد بلدانهم. ولكن الدور الأهم في إفشال المخطط، وفي إقناع الرئيس الأمريكي بعدم جدواه، قام به مسؤولون أمريكيون فطبقًا لتقرير رويترز، في 4 مارس/آذار، أجرى مسؤولون من الأجهزة الأمريكية معاينة لوضع المجموعات الكردية الإيرانية في شمال العراق مباشرة بعد اندلاع الحرب، وعقدوا بأنفسهم لقاءات مع قادة تلك المجموعات، واكتشفوا أن الحديث عن وجود عشرات آلاف المسلحين الأكراد مبالغة كبيرة، وأن ليس ثمة أدلة على أن المسلحين الأكراد سيقابلون باحتضان شعبي في محافظات الأغلبية الكردية، وأن القوات المسلحة الإيرانية، في المقابل، في حالة تأهب دائم للتعامل مع أي محاولة للغزو الخارجي.

خلف ذلك كله، لم يكن من الصعب رؤية استناد المخطط الإسرائيلي للزجّ بالأكراد في الحرب إلى قدر كبير من الغرور وسوء التقدير.

فَتَحْتَ وطأة ادعاءات نتنياهو، في صيف 2024، بالعمل على تغيير خريطة الشرق الأوسط، تضخمت لدى الإسرائيليين أوهام القدرة المطلقة على إسقاط النظام الإيراني، وبالغت أجهزتهم في مدى فاعلية القوى الكردية في المساعدة على تحقيق هذا الهدف.

فالإسرائيليون لا يعرفون جيدًا طبيعة النظام الإيراني وبنيته المركبة، ولا تَوَزُّع القوة والقرار على مؤسسات الحكم المتعددة، وتعدد أجهزة القوات المسلحة، من الحرس واحتياط الحرس والجيش والباسيج وقوات الأمن والاستخبارات.

ولم يدركوا الفارق بين وجود امتعاض، أو حتى غضب شعبي من سياسات معينة، والرغبة في إسقاط النظام أو تقسيم البلاد.

وحتى إن صدقت التقارير التي سرَّبوها مؤخرًا ونشرتها نيويورك تايمز، في 15 يوليو/تموز، حول وجود اتصالات مع محيط الرئيس الأسبق، أحمدي نجاد، فهي لا تعني أكثر من علاقة مع شخصية تقف على الهامش في نظام بالغ التعقيد.

أما مخطط استدعاء القوى الكردية أداة لتغيير النظام، فقد وُلِد من تقديرات لا تقل سوءًا.

فإلى جانب أن أغلب القوى التي أبدت استعدادًا أوليًّا للتعاون مع الإسرائيليين هي قوى صغيرة، غير ذات ثقل سياسي أو عسكري ملموس، فإن ثمة شكوكًا حول حجم القاعدة الشعبية التي تتمتع بها هذه القوى في المجتمع الكردي الإيراني، سواء في المحافظات الغربية، أو بين أكراد الشمال الإيراني، أو أكراد العاصمة، طهران.

وحتى إن كان بعض هذه القوى يحظى بالتفاف شعبي، فالواضح أن الإسرائيليين لم يأخذوا في الحسبان أن ما لا يقل عن 35 بالمئة من أكراد إيران هم من الشيعة، وأن الأكراد الشيعة منخرطون في صفوف الدولة وأجهزتها، وأن عددًا من أبرز قادة النظام ينحدرون من أصول كردية شيعية.

بالطبع، لا يتعلق انهيار مشروع إسقاط النظام ومخطط استدعاء القوى الكردية لحمل هذا المشروع بالحكم على طبيعة النظام الإيراني، ولا بالموقف من سياساته الداخلية أو السياسات التي اتبعها في العقود القليلة الماضية في علاقاته مع دول الإقليم وشعوبه.

المسألة الأهم دلالة أن فشل المشروع والمخطط معًا كشف عن غربة دولة إسرائيل عن جوارها العربي والإسلامي، وعن عجز العقل الإسرائيلي عن التواصل مع هذا الجوار.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا