آخر الأخبار

جويل تيتلباوم.. الحاخام الذي لعن إسرائيل أمام البيت الأبيض

شارك

ثمة آية في العهد القديم، تحديدا في سفر التكوين، يتمسك بها الصهاينة حجة لمشروعهم التوسعي، حيث يزعمون أنها تحوي وعدا إلهيا بأرض تمتد من نهر النيل حتى الفرات الكبير، وقد وظف هذا النص صراحة وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه ديان حين أعلن في عام 1967 أن الإيمان بالتوراة يستوجب امتلاك كل الأراضي التوراتية، وذلك بحسب ما يذكره المفكر الفرنسي روجيه جارودي في كتابه عن "الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية".

لم يكن ديان أول مسؤول إسرائيلي يعتنق هذا النوع من "النبوءات التوراتية" ولن يكون الأخير. ففي أغسطس/آب عام 2025 أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن "ارتباطه شعوريا برؤية إسرائيل الكبرى"، قائلا إنه يرى نفسه: "في مهمة تاريخية وروحية ممتدة لأجيال". فضلا عن تصريحات أعضاء اليمين في الحكومة الإسرائيلية الحالية أمثال بن غفير وسموتريتش التي تؤيد هذه الرؤية، وتسعى لتحقيقها مرحليا أو كليا بكل السبل المتاحة.

"أكثر الانتقادات إحراجا للمشروع الصهيوني صدرت عن حاخام يهودي بالغ في عداوته لهذا المشروع حتى آخر لحظة من حياته"

غير أن المفارقة اللافتة أن أشد الردود استهدافا لأسطورة التوسع من النيل للفرات، وأكثرها إحراجا للمشروع الصهيوني صدرت عن حاخام يهودي بالغ في عداوته لهذا المشروع حتى آخر لحظة من حياته. ذلك الرجل هو جويل (يوئيل) تيتلباوم، الذي حمل التوراة ذاتها سلاحا ليثبت أن قيام دولة إسرائيل ليس واجبا دينيا، بل خطيئة صريحة، وتمردا على أوامر الرب، وسببا في جلب النقمة الإلهية على كل اليهود.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 انهيار العِلم الأمريكي.. لماذا يفر العلماء من أمريكا إلى الصين؟
* list 2 of 2 خطة تدمير النووي الباكستاني.. رحلة التعاون العسكري بين الهند وإسرائيل end of list

ولم تكن حجته سياسية ولا قانونية ولا إنسانية، بل كانت لاهوتية خالصة مستمدة من أعماق النصوص المقدسة التي يزعم الصهاينة أنهم يستمدون منها شرعيتهم ورؤيتهم للشرق الأوسط وأحداث آخر الزمان. وهذا هو ما جعل رؤيته خطيرة جدا على أسس المشروع الصهيوني وشرعيته.

مصدر الصورة الحاخام جويل تيتلباوم (كيستنباوم آند كومباني على إكس)

جويل ونشأة تيار ساتمار

في 13 يناير/كانون الثاني عام 1887، وفي مدينة سيغيت التي كانت آنذاك جزءا من الإمبراطورية النمساوية المجرية، وتعود اليوم للأراضي الرومانية تحت اسم سيغيتو مارماتسيي، وُلد جويل تيتلباوم خامس أبناء الحاخام الأكبر حنانيا يوم توف ليبا تيتلباوم وأصغرهم، من زوجته الثانية حنة أشكنازي.

إعلان

لم يكن ميلاده في بيت عادي فأسرة تيتلباوم كانت تحمل إرثا حاخاميا ضاربا في العمق يمتد إلى الحاخام موسى تيتلباوم الذي تولى زعامة حركة الحسيديم (Hasidism) اليهودية التي ظهرت في أوروبا الشرقية خلال القرن الثامن عشر. وقد ترك الجد كتابا بعنوان "يسمح موشيه" (ابتهاج موسى) وهو تفسير لأسفار التوراة، وكذلك شغل والد جويل منصب الحاخام الأكبر لمدينة سيغيت وترأس المعهد الديني الحاخامي هناك، وقاد الحركة الحسيدية في المنطقة كما فعل أسلافه من قبله.

"أسرة تيتلباوم كانت تحمل إرثا حاخاميا ضاربا في العمق يمتد إلى الحاخام موسى تيتلباوم الذي تولى زعامة حركة الحسيديم"

كشف الصغير منذ سنواته الأولى عن قدرة لافتة في استيعاب العلوم الدينية اليهودية وحفظها وتحليلها، وحين بلغ سن الثالثة عشرة وأُقيم له حفل البارميتزفا (وهو تقليد يهودي أرثوذكسي يُعلن فيه دخول الفتى شد الرشد الديني والمسؤولية الروحية) ألقى جويل خطابا دينيا مطولا استمر لفترة طويلة أعجبت الحاضرين.

وبجانب رسوخه في الأدبيات اليهودية كان جويل متشددا في التزامه الديني بصورة لافتة حتى في بيئة متشددة أصلا، وكان معظم أبناء طائفته يرون فيه الأجدر بخلافة والده في الزعامة الروحية، لولا أنه كان الأصغر بين إخوته وكانت الأعراف تقضي بأن تؤول الزعامة إلى الأكبر سنا.

وحين وافت المنية والده في عام 1904 وجويل يومئذ في السابعة عشرة من عمره آلت زعامة الطائفة في سيغيت إلى أخيه الأكبر، فآثر جويل أن يبتعد عن المدينة حتى لا يجد نفسه منافسا لأخيه، فتوجّه إلى قرية ساتمار القريبة (وتُعرف اليوم بساتو ماري وتقع ضمن الحدود الرومانية)، بحسب ما أشارت إليه دراسة للباحث مناحيم كرين كراتس بعنوان "الحاخام جويل تيتلباوم- حاخام ساتمار وصعود معاداة الصهيونية في الأرثوذكسية الأمريكية".

مصدر الصورة حين وصل تيتلباوم إلى نيويورك عام 1946 أسس حركة ساتمار من العدم مستفيدا من قوانين الحريات الدينية الأمريكية (الفرنسية)

في ساتمار التف اليهود حول هذا الشاب ذي الكاريزما الطاغية، وصار المرجع الديني الذي يُقصد للاستفتاء في كل شؤون الحياة، وفي عام 1934 جرى اختياره رسميا كبيرا لحاخامات ساتمار، بعد سنوات من المقاومة الداخلية كان عليه خلالها أن يُثبت نفسه في مواجهة متشككين ومعارضين لتعيينه. وقد أشار كراتس في دراسته السابقة إلى أن هذه السنوات الأولى في ساتمار أسهمت في صياغة شخصيته المقاتلة التي لا تهادن ولا تساوم.

وكان تيتلباوم منذ البداية صارما في رفض أي تهاون مع الحداثة العلمانية، أو حتى مع الحركات الدينية التي رأى أنها تذوب في قيمها، وكانت حركة "أغودات يسرائيل" في مقدمة ما يرفضه، إذ رأى أنها انزلقت من موقف ديني أصيل رافض للصهيونية نحو التعايش والتكيّف معها، أما الصهيونية الدينية فكانت في نظره أسوأ أشكال الانحراف، لأنها تُلبس الضلالة في رأيه زي التقوى.

"في نظر تيتلباوم، كانت الصهيونية الدينية أسوأ أشكال الانحراف، لأنها تُلبس الضلالة زي التقوى"

وقبل أن نتابع مسيرة حياته، لا بد من الوقوف عند جذر الفكر اللاهوتي الذي جعل تيتلباوم قوة مؤثرة في تاريخ اليهودية المعاصرة، فقد بنى حجته المركزية على نص تلمودي يتحدث عن ثلاثة أيمان أقسمها الله: الأول والثاني على بني إسرائيل بألا يهاجروا إلى أرض فلسطين بصورة جماعية قسرا قبل مجيء المسيح المخلص (ألا يصعدوا كالسور)، وألا يتمردوا على الأمم التي يعيشون في ظلها أثناء شتاتهم. في المقابل تذكر هذه النصوص أن الله ألزم أمم العالم بألا يبالغوا في اضطهاد بني إسرائيل أو يتجاوزوا الحد في معاملتهم بالقسوة والظلم.

إعلان

وقد اكتسبت النصوص الواردة في التلمود وسفر نشيد الإنشاد بشأن "الأيمان الثلاثة" شهرة واسعة داخل الأوساط اليهودية بفضل الحاخام تيتلباوم، الذي رأى فيها إنذارا ربانيا يمنع اليهود من السعي إلى إقامة دولة لهم في فلسطين. وقد بسط هذه الفكرة في عدد من مؤلفاته، وفي مقدمتها كتابه "مقدمة في سفر فاجويل موشيه" حيث أفرد فصلا كاملا بعنوان "مقال في الأيمان الثلاثة" تناول فيه شرح العهود التي فرضها الله على بني إسرائيل وعلى الأمم الأخرى وفق اعتقاده.

مصدر الصورة في كتابه "مقدمة في سفر فاجويل موشيه" أفرد تيتلباوم فصلا كاملا تناول فيه شرح العهود التي فرضها الله على بني إسرائيل وعلى الأمم الأخرى (الجزيرة)

ويذهب تيتلباوم إلى أن الحركة الصهيونية خالفت هذه الأوامر الإلهية حين تحركت جماعيا نحو القدس وتمردت على الإرادة الربانية، معتبرا أن هذا العصيان كان سببا في نزول العقاب على اليهود، والذي تجسد -بحسب رأيه- في المحرقة النازية. ولا يتعارض هذا الفهم، في نظره، مع ما ورد في سفر التكوين بشأن أرض الميعاد؛ إذ يعتقد أن تلك النصوص تتصل بأحداث آخر الزمان، حين يأتي المسيح بوصفه تحقيقا لوعد إلهي، فيقيم العدل والسلام في العالم ويؤسس مملكته الروحية انطلاقا من أرض الميعاد.

وتُعدّ الحجة المركزية للكتاب أن الصهيونية انتهكت القسم الأول بـ"الصعود الجماعي" إلى فلسطين، فأُعفيت أمم العالم تبعا لذلك من قسمها بعدم أذى اليهود؛ وهكذا يكون الصهاينة قد جنوا الذلة والحرب على أنفسهم وعلى سائر اليهود الأبرياء بهذا التمرد على الأوامر الربانية.

"يرى تيتلباوم المحرقة عقوبة إلهية، وأن الصهاينة جنوا الذلة والحرب على أنفسهم وعلى سائر اليهود الأبرياء بتمردهم على الأوامر الربانية"

وقد استدل تيتلباوم أيضا بنص الحبر اليهودي موسى بن ميمون الذي حذر من أن بعض أبناء الشعب اليهودي سيندفعون في الأزمنة المتأخرة إلى إنهاء المنفى قبل موعده فيواجهون الكارثة، مفسرا هذا النص باعتباره وصفا دقيقا لما صنعه الصهاينة. وذهب إلى أبعد من ذلك حين شكّك في انتسابهم أصلا إلى بني إسرائيل الأصليين، فرأى أنهم من سلالة "إيريف راف"، وهم غير الإسرائيليين الذين خرجوا مع موسى عليه السلام من مصر والذين يُنسب إليهم تاريخيا عبادة العجل الذهبي والتسبب في إضلال بني إسرائيل.

كما شبههم بـ"شبتاي تسفي" وهو متصوف يهودي عاش في العصر العثماني كان قد ادعى في القرن السابع عشر أنه المسيح المنتظر لليهود، قبل أن يرتد عن اليهودية ويعتنق الإسلام بحسب وصفه. والجدير بالذكر أن تيتلباوم لا ينفي بالكلية حق اليهود في السكن في القدس وأرض فلسطين؛ إذ كان يرى أن وجود اليهود في القدس مقبول بالصفة الفردية تحت سلطة غير يهودية، أما ما يحرّمه فهو الدولة القومية اليهودية ذاتها باعتبارها إعلانا للسيادة السياسية قبل قدوم المسيح، وبمعزل عن المشيئة الإلهية.

مصدر الصورة شبتاي تسفي متصوف يهودي عاش في العصر العثماني ادّعى أنه المسيح المنتظر، قبل أن يعتنق الإسلام (مواقع التواصل)

الحرب والنجاة وقطار الموت

مع اشتداد الضغط النازي على يهود أوروبا في أواخر الثلاثينيات، لم يُليّن تيتلباوم من مواقفه قيد أنملة، فكان يرى في هذا الضيق تجليا لما حذر منه وأن ما يحدث عقوبة إلهية جاءت جراء الانحراف الصهيوني. وظل طوال تلك السنوات الحرجة يرفض أي تعاون مع المنظمات الصهيونية التي كانت تُنظّم شبكات تهريب اليهود إلى فلسطين، وحين عرضت الوكالة اليهودية الدولية تعاونا مشروطا بتوقيع اتفاقية رسمية رفض رفضا باتا.

وفي عام 1944 احتل الجيش النازي المجر وانطلقت عمليات ترحيل اليهود المجريين إلى معسكرات الاعتقال الألمانية، وفي 30 يونيو/حزيران 1944 أقلّت 35 عربة ماشية 1684 يهوديا من بودابست في القطار الذي صار يُعرف بـ"قطار كاستنر"، وكان من بين ركابه 126 يهوديا ضموا نحو 40 حاخاما، وكان جويل تيتلباوم أحد هؤلاء الناجين، حيث توجّه القطار أولا إلى بيرغن بيلسن شمال ألمانيا حيث أُودع الركاب في قسم خاص بظروف أفضل نسبيا، ريثما تنتهي مفاوضات الفدية حيث كان المحامي الصهيوني رودولف كاستنر يجري مفاوضات مضنية مع القائد النازي أدولف إيخمان للإفراج عن دفعة من اليهود مقابل فدية ضخمة.

"الرجل الذي رفض بشدة أي تعاون مع الصهاينة نجا بفضل قطار نظمه أحدهم"

وقد وصف الكاتب والطبيب اليهودي المجري فرنتس كينيدي أول مشاهداته للحاخام جويل تيتلباوم أثناء رحلة قطار كاستنر، وذلك في شهادته المنشورة في صحيفة دوس فورت (Das Wort) اليهودية الصادرة باليديشية (اللغة التاريخية ليهود أوروبا الشرقية) عام 1959، حيث ذكر أنه رآه عند الحدود المجرية السلوفاكية يسير جيئة وذهابا بمحاذاة القضبان، ويتمتم بصلوات أو ألحان دينية، ويبدو -على حد تعبيره- مثل "أسد جريح". وأضاف كينيدي أنه لم يكن يعرف هوية ذلك الرجل حينذاك، ثم علم لاحقا أنه الحاخام الساتماري جويل تيتلباوم، كما ذكر أنهما أقاما معا عدة أشهر في القسم الرجالي (E) بمعسكر بيرغن بيلسن.

إعلان

بعد الانتقال إلى سويسرا آثر تيتلباوم ومجموعة مقربة منه الانتقال إلى القدس في البداية حيث كانت ابنته تقيم هناك، قبل أن يستقر نهائيا في نيويورك عام 1946، وهنا تبدو المفارقة في حياته؛ فالرجل الذي رفض بشدة أي تعاون مع الصهاينة نجا بفضل قطار نظّمه ودخل في مفاوضاته واحد منهم، وإن ظل تيتلباوم وأتباعه يجادلون بأن نجاته تمت بفضل الحاخامات الحريديم الذين جمعوا المال ودفعوه للضباط الألمان، بل إنه خلال تنقلاته كان يرفض أن يأكل من طعام الصهاينة قبيل اعتقاله من قبل الألمان.

مصدر الصورة كان جويل تيتلباوم من بين ركاب قطار كاستنر (المتحف التذكاري للمحرقة)

ويليامزبرغ.. بناء المملكة في المنفى

حين وصل تيتلباوم إلى مدينة نيويورك عام 1946، كان يبدأ حياته مجددا من الصفر في مدينة غريبة تعجّ بالمهاجرين اليهود الذين كانت الصهيونية تجد في مآسيهم تربة خصبة للنمو، ومع ذلك بدأ يؤسس حركة ساتمار من العدم، مستفيدا من نظام الفصل بين الكنيسة (المؤسسات الدينية عموما) والدولة في الولايات المتحدة الذي أتاح له بناء مجتمع مستقل بمؤسساته وقوانينه الداخلية المتفردة.

في 1 أكتوبر/تشرين الأول 1948 حين كانت الحرب العربية الإسرائيلية على أشدها، دُعي تيتلباوم إلى اجتماع جمع قادة المنظمات اليهودية الأمريكية للتضامن مع الدولة الوليدة، حينها خالف تيتلباوم الإجماع، وأعلن بصورة قاطعة رفضه الاعتراف بأي كيان سياسي للصهاينة فضلا عن الوقوف إلى جانبه في مواجهة العرب، مستندا إلى موقفه اللاهوتي الثابت وكان هذا التصريح بمثابة إعلان حرب مدوٍ على المؤسسة اليهودية الأمريكية التي هيمن عليها الصهاينة.

"قاد تيتلباوم مظاهرة تاريخية أمام القنصلية الإسرائيلية في نيويورك لإعلان البراءة من إسرائيل"

وسرعان ما أكد تيتلباوم كلامه بأفعال، حين قاد مظاهرة تاريخية أمام القنصلية الإسرائيلية في نيويورك، شارك فيها آلاف اليهود الأرثوذكس بلحاهم الطويلة وعباءاتهم التقليدية السوداء، مرددين الهتاف ضد "إسرائيل" ومعلنين البراءة منها. وكان الحدث سابقة استثنائية رصدتها كبريات الصحف الأمريكية والإسرائيلية بدهشة، ونظمت حركته في الحقبة ذاتها اجتماعات احتجاجية عدة، ووزعت منشورات بالإنجليزية على الناس في الشوارع، بل أقامت مظاهرات أمام البيت الأبيض ذاته.

وحين حاول مندوب الكنيست الإسرائيلي بنيامين مينتز إلقاء خطاب في كنيس "بريسكر شول" في ويليامزبرغ احتجاجا على مواقف تيتلباوم، اضطرت الشرطة إلى التدخل لتفريق المؤيدين لتيتلباوم الذين حاصروا المنصة. وحينها، أدركت تل أبيب الخطر الداهم من هذا الرجل المتنفّذ، فأوفدت وزير داخليتها حاييم موشيه شابيرا إلى نيويورك للقاء تيتلباوم، لكن اللقاء لم يُفضِ إلى شيء. وبحلول في عام 1953 تقلّد تيتلباوم رئاسة حركة "إيداه هريديت" الكيان اليهودي الأصولي الأرفع الرافض للصهيونية داخل "إسرائيل" ذاتها، ثم أسس في عام 1954 المؤتمر الحاخامي المركزي لأمريكا الشمالية الذي صار منصة دورية لتفكيك خطاب الصهيونية ونقض شرعيتها.

وفي عام 1959 في زيارة أريد منها ظاهرا استرضاؤه، قدم تيتلباوم إلى "إسرائيل" فكان استقباله من أتباعه أسطورياً؛ فقد التقاه الآلاف منهم في ميناء حيفا بلباسهم التقليدي واستأجروا قطارا كاملا لنقله إلى القدس، وعلقوا لافتات ترحيبية ملأت الشوارع، لكنه فاجأ الجميع بأن طلب من أتباعه تسليمه بطاقات هويتهم لضمان مقاطعتهم الانتخابات الإسرائيلية رفضا لشرعيتها، وفي العام ذاته صدر كتابه "مقدمة في سفر فاجويل موشيه" في طبعته الأولى، الذي كان بمثابة بيانه العقدي المنظم، فأثار موجة من الجدل الواسع في الأوساط الدينية اليهودية.

الحاخام تيتلباوم (الثاني يمين) لدى وصوله إلى الرصيف 92 في مدينة نيويورك عام 1965 (غيتي)

المقاومة حتى النهاية

حين هزمت "إسرائيل" العرب في حرب يونيو/حزيران 1967 واحتلت الضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء والجولان، بدت تلك لكثيرين من اليهود معجزة إلهية لا تقبل الشك، حينئذ وجد تيتلباوم نفسه أمام اختبار وجودي لفكره؛ إذ كيف يُفسر هذا النصر الصاخب؟

بيد أنه لم يتردد في التدخل؛ فبعد أيام قليلة من انتهاء الحرب، أصدر كتابه باللغة اليديشية بعنوان "عل هغئولا فيعل هتموراه" (عن الخلاص وعن التغيير)، مؤكدا أن هذا النصر لا يمثل بأي وجه مباركة ربانية للصهيونية. وقال -كما نقل عنه بعض الباحثين- إن انتصار عام 1967 لم يكن معجزة إلهية بل كان فتنة شيطانية وعملا من قوى الشر يستهدف إيهام اليهود المتدينين بأن الصهيونية تسير على طريق الحق لإيقاعهم في الضلالة والردة ودعا أتباعه صراحة إلى عدم الانخداع بهذا النصر العابر الذي لن يلبث أن يكشف عن وجهه الحقيقي.

"رأى تيتلباوم أن انتصار عام 1967 لم يكن معجزة إلهية بل كان فتنة شيطانية تستهدف إيهام اليهود المتدينين بأن الصهيونية تسير على طريق الحق"

وقد أشارت بعض الدراسات المتخصصة في فكر تيتلباوم إلى أن كتابه "فاجويل موشيه" الصادر في عام 1959 وضع الأساس النظري المتكامل للعقيدة الساتمارية المناهضة للصهيونية، إلا أن تأثيره كان في البداية محصورا نسبيا داخل الدوائر الحريدية الراديكالية. أما بعد حرب يونيو/حزيران 1967 وما نتج عنها من سيطرة إسرائيل على القدس الشرقية وحائط البراق، فقد دخل الجدل الديني حول معنى هذه الأحداث إلى قلب المجتمع الحريدي، وهنا نشر تيتلباوم كتابه "عن الخلاص وعن التغيير"، الذي مثّل ردا مباشرا على من اعتبروا انتصار إسرائيل علامة على بداية الخلاص اليهودي. وقد ساعد هذا الكتاب على نشر أفكاره خارج الإطار الساتماري الضيق وإدخالها إلى سجالات أوسع داخل العالم الحريدي.

إعلان

في هذه المرحلة باتت الحركة التي أسسها تيتلباوم القوة اليهودية الأصولية "الأرثوذكسية" الأكبر والأسرع نموا في الولايات المتحدة، ومن ضمن الأكبر في العالم، وكانت قد أسست نواة مجتمعها في حي ويليامزبرغ في بروكلين حيث صمد أتباعه حين فرّ منه الجميع إبان أزمة السكن والعنف في الستينيات والسبعينيات.

مجموعة من اليهود الحسيديين في حي ويليامزبرغ بمنطقة بروكلين (الفرنسية – أرشيف)

وفي عام 1974 بدأ مشروع بلدة "كيرياس جويل" (Kiryas Joel) حين استقرت أولى العائلات الساتمارية في منطقة مونرو بولاية نيويورك. كان المشروع مبادرة من تيتلباوم لتكوين مجتمع حسيدي محافظ على نمط الحياة الساتماري التقليدي بعيدا عن التأثيرات الخارجية. وقد بلغ عدد سكان البلدة أكثر من 33 ألف نسمة وفق تعداد عام 2020، بينما تشير تقديرات أحدث إلى تجاوزهم 43 ألفا.

وقد وصفته مجلة "تايم" بـ"ملك كل الحاخامات"، وهو لقب لم يمنحه إياه أتباعه فحسب بل منحه إياه خصومه أيضا بطريقة ما، إذ كان تأثيره في المجتمع اليهودي الأصولي الأمريكي يفوق أي صوت ديني آخر في عصره.

"معاداة الصهيونية احتلت موقعا مركزيا في مشروع تيتلباوم الفكري والديني"

في الحقيقة، يرى الكثير من الباحثين أن جويل تيتلباوم نجح في إحداث تحول عميق في طبيعة العداء اليهودي للصهيونية، إذ نقل هذا العداء من كونه موقفا تتبناه بعض الأوساط الأرثوذكسية إلى منظومة دينية متكاملة ذات أسس واضحة. فقد بيّن مناحيم كرين -كراتس في دراسته "الحاخام جويل تيتلباوم، وصعود العداء للصهيونية في الأرثوذكسية الأمريكية" أن تيتلباوم أسهم في ترسيخ معاداة الصهيونية بوصفها عقيدة دينية ملزمة داخل قطاعات واسعة من الأرثوذكسية اليهودية. كما أوضح زافي جوناثان كابلان في دراسته "جذور العداء الساتماري للصهيونية: الحاخام جويل تيتلباوم والصهيونية والأرثوذكسية المجرية المتشددة" أن معاداة الصهيونية احتلت موقعا مركزيا في مشروع تيتلباوم الفكري والديني.

وذهب موتي إنباري في دراسته "حياة وأعمال الحاخام جويل تيتلباوم" إلى أن أفكاره أصبحت حجر الزاوية في الهوية الساتمارية المعاصرة. وبناء على ذلك تحولت معاداة الصهيونية على يديه من رأي ديني محدود التأثير إلى عقيدة راسخة ذات أسانيد شرعية يهودية، تُدرَّس في المؤسسات التعليمية الساتمارية (نسبة إلى مدينة ساتمار الرومانية) وتُعد من أبرز ركائز الهوية الفكرية للحركة.

تيتلباوم أسهم في ترسيخ معاداة الصهيونية بوصفها عقيدة دينية ملزمة داخل قطاعات واسعة من الأرثوذكسية اليهودية (الفرنسية)

الوفاة والاستمرارية

في عام 1968 أُصيب تيتلباوم بسكتة دماغية شلت حركته جزئيا، ولم يَقوَ جسده على العودة الكاملة إلى نشاطه المعتاد، ومع ذلك ظل يُصدر آراءه ويُشرف على حركته حتى فارق الحياة في 19 أغسطس/آب 1979 عن عمر ناهز 92 عاما، وقد خلّف وراءه حركة ضخمة بيد زوجته فايغي تيتلباوم التي أدارت شؤونها بالتعاون مع كبار الحاخامات، إلى أن تسلّم ابن أخيه موشيه تيتلباوم زعامتها في أغسطس/آب 1980.

وتوفي موشيه تيتلباوم في عام 2006 دون أن ينجح في إنهاء النزاع حول خلافته، فانقسمت الحركة الساتمارية إلى جناحين رئيسيين: أحدهما بقيادة هارون تيتلباوم في كيرياس جويل، والآخر بقيادة زالمان لايب تيتلباوم في ويليامزبرغ.

ورغم هذا الانقسام التنظيمي، ظل الجناحان متمسكين بالموقف العقائدي الذي أرساه جويل تيتلباوم في رفض الصهيونية والدولة الإسرائيلية، وتُعد ساتمار اليوم من أكبر الجماعات الحسيدية في العالم، ويُقدَّر عدد أتباعها بمئات الآلاف موزعين بين الولايات المتحدة وإسرائيل وأوروبا وكندا، مع تركز رئيسي في منطقتي كيرياس جويل وويليامزبرغ بولاية نيويورك الأمريكية، كما تُعرف بمعدلات نمو سكاني مرتفعة جعلتها من أسرع الجماعات الحريدية توسعا في العقود الأخيرة.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا