في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
برحيل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، تودع قطر قائدا بارزا أعاد رسم ملامح الدولة الخليجية خلال العقود الثلاثة الماضية، بعدما قاد تحولاً غير مسبوق نقل البلاد من دولة صغيرة تعتمد على مواردها الطبيعية إلى لاعب مؤثر في السياسة والاقتصاد والإعلام على المستوى العالمي.
وتجمع تقارير صحفية غربية على أن الشيخ حمد (1952-2026)، الذي تولى الحكم عام 1995، يستحق وصفاً "مؤسس قطر الحديثة"، إذ ارتبط اسمه بإطلاق مشروع شامل لتحديث الدولة، وتنويع أدوات نفوذها، وتوظيف ثروتها الغازية لبناء حضور يتجاوز كثيراً حجمها الجغرافي والديمغرافي.
وجاء في تقرير بصحيفة نيويورك تايمز أن الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أحدث منذ توليه مقاليد الحكم تحولاً جذرياً جعل قطر دولة أكثر استقلالاً ونفوذاً، قبل أن يسلم الحكم طوعاً إلى نجله الشيخ تميم بن حمد آل ثاني عام 2013.
وكان الاستثمار في الغاز الطبيعي حجر الأساس في هذا التحول. فبحسب نيويورك تايمز، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي لقطر 24 ضعفاً خلال فترة حكمه، مدفوعاً باستثمارات ضخمة في تطوير صناعة تصدير الغاز الطبيعي المسال، لتصبح البلاد واحدة من أكبر مصدريه في العالم، وأحد أعلى دول العالم دخلاً للفرد.
وفي صحيفة فايننشال تايمز، كتب سايمون كير أن الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني اتخذ في بداية حكمه قراراً جريئاً بتكثيف استغلال احتياطيات الغاز غير المستغلة، وهو رهان أثبت نجاحه لاحقاً، بعدما تحولت قطر إلى قوة كبرى في سوق الغاز العالمية، وأصبحت تمتلك واحداً من أكبر الصناديق السيادية في العالم.
ولم يقتصر المشروع على الاقتصاد، بل امتد إلى بناء أدوات جديدة للقوة الناعمة. ففي عام 1996 أطلقت قطر شبكة الجزيرة الإخبارية، التي أحدثت تحولاً في المشهد الإعلامي العربي عبر تقديم مساحة أوسع للنقاش والجدل السياسي مقارنة بما كان سائداً في المنطقة آنذاك.
كما توسعت الاستثمارات القطرية حول العالم عبر جهاز قطر للاستثمار، الذي ضخ مليارات الدولارات في قطاعات العقارات والطاقة والبنوك والرياضة، واستحوذ على أصول عالمية بارزة، من بينها متجر هارودز البريطاني ونادي باريس سان جيرمان الفرنسي، في خطوة هدفت إلى تعزيز الحضور الاقتصادي والسياسي للدولة.
وعلى الصعيد الدولي، تبنى الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني سياسة خارجية مختلفة عن معظم دول الخليج، قائمة على تنويع الشراكات وبناء قنوات تواصل مع أطراف متنافسة، وهو ما أتاح لها لاحقاً لعب أدوار وساطة في عدد من النزاعات الإقليمية والدولية.
ويرى أندرياس كريغ، الباحث في كلية كينغز بلندن، أن رؤية الشيخ حمد "جعلت من قطر دولة مستعدة لتحمل المخاطر السياسية من أجل تحقيق مصالحها"، مضيفاً أن هذه المقاربة أسهمت في ترسيخ أمن البلاد واستقرارها وازدهارها رغم الاحتكاكات التي سببتها مع بعض القوى الإقليمية.
ومن أبرز محطات مشروعه أيضا الاستثمار في التعليم والثقافة والرياضة بوصفها أدوات لتعزيز صورة قطر عالمياً. فقد توسعت المدينة التعليمية، وجرى تطوير الخطوط الجوية القطرية لتصبح إحدى أبرز شركات الطيران الدولية، كما افتتح مطار حمد الدولي ليصبح مركزاً رئيسياً لحركة السفر العالمية.
وشكل فوز قطر بحق استضافة كأس العالم لكرة القدم 2022 تتويجاً لإإستراتيجية القوة الناعمة التي بدأها الشيخ حمد قبل أكثر من عقد. وترى صحيفة الإندبندنت أن استضافة البطولة كرست مكانة قطر باعتبارها مركزاً دولياً قادراً على تنظيم أكبر الأحداث الرياضية العالمية.
وفي المجال الدبلوماسي، رسخ الشيخ حمد سياسة تقوم على الوساطة والحوار بدلا من المواجهة، إذ لعبت الدوحة أدوارا في ملفات السودان ولبنان وفلسطين وأفغانستان، وهو النهج الذي واصلت قطر اتباعه في عهد الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، لتصبح وسيطاً رئيسياً في أزمات إقليمية ودولية متعددة.
وكان الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني قد فاجأ المنطقة عام 2013 بإعلانه التخلي طوعاً عن الحكم، في سابقة نادرة في المنطقة، معلنا أن الوقت قد حان لإفساح المجال أمام جيل جديد من القيادات. ورأى مراقبون أن هذه الخطوة عكست نهجاً مؤسسياً هدفه ضمان انتقال سلس للسلطة واستمرار مشروع الدولة
وتتفق معظم التقييمات الغربية على أن إرث الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني يتمثل في تحويل دولة صغيرة محدودة السكان إلى قوة اقتصادية وإعلامية ودبلوماسية ذات تأثير يتجاوز كثيراً مساحتها وعدد سكانها.
وبذلك، يظل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، في نظر كثير من الباحثين والمراقبين، المهندس الرئيسي لنهضة قطر الحديثة، وصاحب المشروع الذي نقلها من هامش السياسة الإقليمية إلى قلب المشهد الدولي، عبر مزيج من الثروة والطموح والدبلوماسية والاستثمار في القوة الناعمة.
المصدر:
الجزيرة