"في قريتنا، من المعتاد أنه عندما تحمل المرأة، لا تُؤخذ إلى الطبيب أبداً".
هذه الكلمات قالتها أمّ لخمسة أطفال تعيش في إحدى الولايات الوسطى القريبة من العاصمة الأفغانية كابول، على بُعد نحو ساعة بالسيارة.
وأضافت: "عندما تبدأ آلام المخاض لدى النساء في بيوتنا، فإن أول ما يفعله الجميع هو اللجوء إلى الوصفات المنزلية؛ يُحضرون قطعة قماش ويسخنونها، ثم يضعونها على البطن أو أسفل الظهر، ويدهنون الظهر بالزيت".
كان صوت هذه المرأة جافاً وسريعاً، وقالت إن ما مرّت به وما شاهدته جعلها تشعر بالغضب.
وتابعت: "أثناء آلام الولادة، تُجبر المرأة على الاستلقاء في مكان دافئ، وتقضي كل فترة المخاض في المنزل".
"بدأت آلام الولادة عند الخامسة صباحاً، وبقيتُ أعاني منها في المنزل حتى السابعة مساءً".
ورغم وجود مستشفى إقليمي في ولايتها القريبة من كابول، تقول هذه الأم الشابة- التي طلبت عدم الكشف عن اسمها وسنطلق عليها اسماً مستعاراً هو "زرمينة"، إنها تعيش في إحدى المناطق الريفية البعيدة عن مركز الولاية.
تقول زرمينة: "نعيش في منزل كبير يضم أفراداً كثيرين، وفي عائلتنا لا تُنقل النساء إلى المستشفى من أجل الولادة".
وتضيف أنّ أول ولادة لها كانت تجربة رأت فيها الموت بعينيها، "في الساعة السابعة مساءً أنجبت طفلي على أرضية الحمّام الإسمنتية الباردة والقاسية".
وتتابع: "فقدتُ كمية كبيرة من الدم حتى غرقت فيه، ولم تخرج المشيمة، واستمر النزيف. بعدها نقلوني إلى مستشفى وحملوني بأیدیهم، ولم تخرج المشيمة إلا في الساعة العاشرة من صباح اليوم التالي".
تقول زرمينة إن الأوضاع في منزلها تغيرت بعد تلك الحادثة، وأصبحت النساء يُنقلن إلى المستشفى عند الولادة.
لكن أماً أخرى في كابول، سنشير إليها باسم مستعار هو "نادية"، تقول إنها عاشت ظروفاً مشابهة في بيت أهل زوجها.
تقول نادية إنها تزوجت وهي في عامها السابع عشر، ثم انتقلت مع زوجها لفترة إلى باكستان.
وتضيف: "كنت قد تلقيت بعض التعليم، لكن أهل زوجي كانوا أُميين".
وتوضّح أنها، مثل كثير من النساء، عانت من العنف الأسري، كما حُرِمت من الخدمات الصحية، "كان والد زوجي يقول إن النساء في السابق كلهن كنّ يلدن في المنازل، ولذلك لا داعي للذهاب إلى الطبيب، فهذه أمور لا قيمة لها".
وتروي أن ولادتها الأولى استغرقت 24 ساعة من الألم داخل المنزل.
"كان والد زوجي أُمياً، ولم يسمح لي بالذهاب إلى الطبيب. وعندما كانت الآلام تشتد عليّ، لم أكن أستطيع الصراخ من شدة الخجل، وكانت حماتي تنظر إليّ لكنّها لم تقدم لي حتى أبسط مساعدة إنسانية".
وتضيف: "عندما أصبحت الآلام لا تُحتمل، اضطرّت الأسرة إلى أخذي إلى المستشفى".
"كنت في حالة مخاض، لكنهم جعلوني أمشي على قدمي حتى المستشفى. تركوني عند الطبيبة حتى اقترب موعد الولادة".
لكنها لم تُترك لتلد هناك. "قالت الطبيبة لوالدة زوجي إنه يجب أن ألد في المستشفى، لكن حماتي، خوفاً من والد زوجي، أعادتني إلى المنزل. ثم أحضروا امرأة مُسنّة تُدعى "بابو" وهي التي قامت بتوليدي، وكانت ليلة مظلمة".
تقول اختصاصية أمراض النساء والتوليد في كابول، الدكتورة شينكي وردك، إن بعض الأسر قد تعتقد أن الولادة المنزلية أسهل أو أقل تكلفة، لكنها قد تؤدي إلى وفاة الأم أو الطفل.
ومن أبرز المخاطر التي ذكرتها وردك:
وأكدت وردك أن هذه الحالات تُعدّ طوارئ طبية، ولا يمكن التعامل معها بصورة آمنة إلا داخل المستشفى على يد طبيبة مع توفر الرعاية الطبية اللازمة.
وأضافت: "يمكن أن يتعرض كل من الأم والطفل لأي نوع من المخاطر أثناء الولادة المنزلية، لذلك من الضروري نقل المرأة إلى المستشفى في الوقت المناسب".
تقول الدكتورة شينكي وردك إنه ينبغي أن تجري جميع الولادات في المستشفى، لكن إذا اضطرت المرأة إلى الولادة في المنزل، فينبغي مراعاة ما يلي:
تدّعي وزارة الصحة في حكومة طالبان أن نحو 220 أُمّاً توفيت أثناء الولادة في جميع أنحاء أفغانستان خلال العام الماضي.
وقال المتحدث باسم الوزارة شرافت زمان، إن العمل يجري على توسيع الخدمات الصحية في أنحاء البلاد، لكنه أقر بأن بعض النساء ما زلن يلدن في المنازل بسبب بُعد المناطق أو بسبب قرارات العائلة.
وأضاف زمان: "في بعض المناطق توجد عوائق ثقافية، وفي مناطق أخرى ينخفض مستوى الوعي، ولذلك تستمر النساء في الولادة داخل المنازل".
لكن منظمة الصحة العالمية تقول إنه خلال عام 2025 توفيت 620 امرأة من بين كل 100 ألف ولادة في أفغانستان- سواء في أثناء الولادة أو خلال الساعات التي تليها- أي بمعدل وفاة أُمّ واحدة كل ساعتين بسبب الحمل أو الولادة.
كما تؤكد المنظمة أن أفغانستان تعاني من نقص في عدد الطبيبات.
من جهة أخرى، أدى الحظر الذي تفرضه حكومة طالبان على تعليم الفتيات والنساء بعد الصف السادس- جنباً إلى جنب مع إغلاق معاهد تعليم القبالة- إلى زيادة صعوبة وصول الأمهات إلى الطبيبات.
ويقول الأطباء إن بعض الأمهات في أفغانستان يفقدن حياتهن في حالات لا تتطلب تقنيات طبية متقدمة، بل كان يمكن إنقاذهن على يد طبيبة أو قابلة مؤهلة مهنياً.
المصدر:
بي بي سي
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة