أعلن الرئيس دونالد ترمب وإيران اتفاقهما على مذكرة تفاهم لإنهاء حرب استمرت قرابة أربعة أشهر، على أن توقع في سويسرا يوم الجمعة. وترسي هذه الاتفاقية المبدئية دعائم تمديد فوري لوقف إطلاق النار القائم، إلى جانب إعادة فتح مضيق هرمز تدريجيا، مرجئة البت في ملف البرنامج النووي الإيراني إلى مفاوضات لاحقة. وبحسب الرواية الإيرانية، سينشر الاتفاق للعلن فور الانتهاء من مراسم التوقيع.
وتنشئ مذكرة التفاهم، استنادا إلى الأطراف المفاوضة، نافذة دبلوماسية تمتد لستين يوما بغية وقف العمليات العسكرية العنيفة والمتعددة الجبهات، والتي ألقت بظلالها الثقيلة على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة. وتبرز في طيات هذا الاتفاق ملامح رئيسية تتمثل في تمديد وقف إطلاق النار، وإعادة فتح مضيق هرمز، وإنهاء الحصار الأمريكي المفروض على الموانئ الإيرانية، فضلا عن إرساء إطار للمحادثات المستقبلية.
وأعلن الجانبان إنهاء فوريا للعمليات العسكرية. ويسري هذا الإعلان، وفقا للتصريحات الإيرانية، على جميع الجبهات النشطة، وهو شرط حاسم لطهران التي أصرت على أن يشمل وقف الأعمال العدائية دولة لبنان. وفي سياق متصل، دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بإعادة فتح مضيق هرمز "بلا رسوم"، وهو المسار العالمي الحيوي للطاقة الذي كان خاضعا لحصار إيراني.
ويتوقع أن تنطلق عملية رفع الحظر التدريجي فورا عقب التوقيع، بمساعدة القوات البحرية الإيرانية في تطهير الألغام. كما صرح ترمب برفع الحصار الأمريكي، مما يسمح باستئناف حركة الملاحة البحرية المنطلقة من إيران. وتمهد الوثيقة الطريق لستين يوما من المفاوضات الفنية؛ حيث ينتظر من إيران خلال هذه الفترة الانتقالية تجميد تقدمها النووي وتجديد التزامها بمعاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية.
وترجئ الوثيقة- لكونها تمثل "إطارا" مبدئيا وليست معاهدة سلام نهائية- البت في عدة قضايا جوهرية عن قصد. وعليه، فلا توجد تسوية نووية، ولا اتفاق ينهي العقوبات بشكل دائم، كما يغيب أي تفاهم بشأن الأمن الإقليمي المتعلق بالصواريخ الباليستية والأذرع الوكيلة وتحقيق السلام المستدام.
ولا تقيد مذكرة التفاهم القدرات النووية الإيرانية بصفة دائمة، كما أنها لا تقضي بتفكيك ترسانتها من اليورانيوم المخصب. ورغم موافقة طهران على تجميد نشاطها النووي ريثما تتبلور تسوية نهائية وتعهدها بعدم السعي لامتلاك سلاح نووي، فقد أرجئ تقرير المصير النهائي لبرنامجها إلى الجولة القادمة من المحادثات.
ولا تشمل المذكرة كذلك أي رفع واسع وشامل للعقوبات الأمريكية؛ إذ تقتصر الوثيقة على رسم إطار عمل للنظر في إعفاءات مؤقتة أو الإفراج الجزئي عن أصول مجمدة تقدر بنحو 24 مليار دولار، شريطة الامتثال للاتفاق مستقبلا. وفي غضون ذلك، تظل النزاعات المزمنة المتعلقة ببرنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، والتحالفات الإقليمية، والاستقرار الجيوسياسي الشامل غائبة عن النص.
وتبلور هذا الاختراق الدبلوماسي عقب أسابيع من الدبلوماسية المكوكية المكثفة والمحادثات عبر القنوات الخلفية التي يسرها وسطاء دوليون رئيسيون. ولعبت حكومتا باكستان وقطر أدوارا حاسمة، حيث نقلتا المقترحات بين واشنطن وطهران، بمساندة حيوية وداعمة من قبل ميسّرين آخرين للمفاوضات. وانخرط مسؤولون أمريكيون وإيرانيون رفيعو المستوى في مناقشات غير مباشرة بلغت ذروتها بصياغة اتفاق إطاري يتكون من 14 نقطة.
وقد جادل كلا الجانبين عبر وسائل الإعلام بأن التلويح بردود عسكرية تصعيدية أدى في النهاية إلى الضغط على الطرف الآخر لإبرام النص المؤقت، في حين توجد مؤشرات قوية على أن الضغوط الدولية، والاقتصادية العالمية، والسياسية المحلية قد لعبت دورا في التوصل إلى الاتفاق يفوق دور التهديدات العسكرية.
وأعلن الرئيس ترمب عن هذا الاختراق الدبلوماسي عبر منصة "تروث سوشيال"، وذلك قبل وقت قصير من كشف رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف عن اتفاق الجانبين على وقف فوري لإطلاق النار.
أعلن الجانبان إنهاء فوريا للعمليات العسكرية. ويسري هذا الإعلان، وفقا للتصريحات الإيرانية، على جميع الجبهات النشطة، وهو شرط حاسم لطهران التي أصرت على أن يشمل وقف الأعمال العدائية دولة لبنان
وستعالج الأيام الستون المقبلة من المفاوضات- التي يرجح انعقادها في سويسرا- أعقد النقاط الخلافية والفنية، ألا وهي: الملف النووي، والعقوبات، والوضع المستقبلي طويل الأمد للمضيق. وسيتجسد التحدي الأكبر في حسم التفاوض النهائي حول مصير منشآت التخصيب النووي الإيرانية، ومخزونات اليورانيوم عالي التخصيب، والقرارات المتداولة في مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وقد يتضمن ذلك تخفيفا مراقبا للوقود النووي، نزولا من نسبة تخصيب 60% إلى أقل من 4%، وهي النسبة الملائمة للأغراض المدنية.
وتجدر الإشارة إلى أن الاتفاق النووي الإيراني السابق قد انقضى أجله في أكتوبر/تشرين الأول 2025، وذلك في أعقاب تفعيل آلية "العودة التلقائية للعقوبات" (سناب باك) في أغسطس/آب، وتأكيدها في الأمم المتحدة أواخر سبتمبر/أيلول. وسيتعين على الدبلوماسيين كذلك بلورة آليات دقيقة لرفع العقوبات، وتحديد جداول زمنية للإفراج عن الأصول المالية، وإقرار بروتوكولات تفتيش صارمة تكفل التزام إيران. وتلوح في الأفق أيضا خطط للتفاوض حول مشروع للنهوض بإيران وتنميتها وإعادة إعمارها.
وستمهد الشروط الأولية لمذكرة التفاهم الطريق لإعادة فتح مضيق هرمز، رغم أن هذه العملية ستتخذ مسارا تدريجيا على مراحل. وبموجب هذا الاتفاق، سيرفع الحصار البحري الأمريكي أولا، لتنطلق بعدها عملية إزالة الألغام. ورغم إعلان الرئيس ترمب منحه الإذن الكامل لاستخدام المضيق فورا وبلا رسوم، إلا أن وتيرة عودة الشحن التجاري العالمي إلى معدلاته الطبيعية تظل مرهونة بشدة بنجاح إزالة الألغام البحرية، وبدقة الترتيبات اللوجيستية والتشغيلية الجاري التفاوض بشأنها مع إيران.
وفي المقابل، لا يزال الإطار التشغيلي والإداري المستقبلي لمضيق هرمز يكتنفه الغموض؛ فبينما يطالب ترمب بجعل المضيق ممرا مائيا حرا بصفة دائمة، أعلنت إيران أن حركة الملاحة البحرية "ستنظم من قبل إيران بالتنسيق مع عمان" عبر تحصيل رسوم، بدعوى أسباب ظاهرية تتعلق بالسلامة، أو البيئة، أو متطلبات التأمين.
وتلزم مذكرة التفاهم كلا من الولايات المتحدة وإيران بـ"إنهاء فوري ودائم للعمليات العسكرية على كافة الجبهات"، مما يضع حدا للأعمال العدائية المباشرة بين البلدين. وفي هذا السياق، أكدت طهران أن إطار وقف إطلاق النار يشمل لبنان، الأمر الذي يوقف التوترات الإقليمية الأوسع نطاقا المرتبطة بهذا الصراع. ويرتكز السلام طويل الأمد برمته على مدى نجاح الأيام الستين المخصصة للمفاوضات النووية والدبلوماسية اللاحقة؛ فإذا ما تعثرت هذه المفاوضات أو أخل أي من الطرفين بالاتفاق المبدئي، فقد تشتعل شرارة الأعمال العدائية من جديد وبكل سهولة.
ويضع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عراقيل أمام هذه المذكرة، نظرا لأن إسرائيل لم تكن طرفا مباشرا فيها ولن تكون ضمن الموقعين عليها في المفاوضات. ورغم إدراج إيران والولايات المتحدة بندا ينهي الأعمال العدائية في لبنان ضمن إطار المذكرة، فقد صرحت حكومة نتنياهو بلهجة حازمة أن إسرائيل في حل من هذا الجزء من الاتفاق ولن تلتزم به.
وفي سياق متصل، أوضح مسؤولون إسرائيليون اعتزامهم عدم سحب القوات من جنوب لبنان أو سوريا أو غزة، مؤكدين مواصلة قتالهم ضد حزب الله والقوى الأخرى، انطلاقا من اعتبار ذلك ركيزة أساسية لأمنهم.
وأفادت تقارير بأن الرفض الإسرائيلي للبنود المتعلقة بلبنان قد أثار حفيظة الرئيس ترمب، الذي وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي علانية بأنه شخص "صعب المراس"، معربا عن إحباطه إزاء إحجام إسرائيل عن الترحيب بالاتفاق. ويتوقع أن يبقي نتنياهو على موقف عسكري مستقل، لا سيما فيما يخص الحدود الشمالية، رغم المساعي الأمريكية الحثيثة لإرساء وقف إطلاق نار إقليمي شامل.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة