تتجلى حصيلة ما وصفه محللون بالإخفاق الإسرائيلي في الحرب على إيران بعبارة من يائير غولان، رئيس حزب الديمقراطيين الإسرائيلي، الذي قال يوم الأحد إن "الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران أُبرم من فوق رأس إسرائيل"، وإن ما وصفه بالإنجازات العسكرية "مُحيت بجرة قلم" بينما وقف نتنياهو على الهامش "ضعيفا، ومعزولا، وبلا تأثير".
جاء ذلك بعد إعلان مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، إثر أكثر من 100 يوم من الحرب، وفي لحظة حاول فيها ترمب تقديم الاتفاق بوصفه "صفقة عظيمة" توقف النار، وتفتح مضيق هرمز، وتعيد الطمأنينة إلى الأسواق.
لكن ما بدا إنجازا في خطاب البيت الأبيض، ظهر في قراءات بريطانية وإسرائيلية أقرب إلى كشف حساب قاس في تل أبيب. فقد بقيت طهران حاضرة في المعادلة، بينما خرجت إسرائيل من دون أن تمسك بتلابيب نهاية الحرب التي خاضتها.
ووجد نتنياهو نفسه أمام تسوية لا تمنحه لغة النصر، ولا تتيح له إعلان الهزيمة. فالقرار الأخير كُتب بين واشنطن وطهران، ثم تُرك لتل أبيب أن تتعامل مع تبعاته، بعدما رفع رئيس وزرائها سقف الحرب إلى وعد "النصر الكامل".
تقول صحيفة تايمز البريطانية إن هدنة ترمب مع طهران قوّضت الوعد المركزي الذي ظل نتنياهو يكرره أمام الإسرائيليين.
فقد بنى رئيس الوزراء الإسرائيلي خطابه على أن الحرب لن تتوقف قبل هزيمة إيران وإسقاط قدرتها على التأثير في الجبهات المحيطة بإسرائيل. لكن هذا الهدف -كما تقول الصحيفة- لا يزال بعيدا كل البعد.
وتضيف تايمز أن ما تسرب من تفاصيل الصفقة لا يقترب من السقف الذي وضعه نتنياهو، وهو سقف قام على تحجيم برنامج إيران الصاروخي الواسع، وكسر شبكة حلفائها الإقليميين، وانتزاع مكاسب حاسمة في الملف النووي.
غير أن التقارير تشير إلى أن الاتفاق لا يقدم حلا لهذه الملفات، بل قد يسمح ببقاء اليورانيوم عالي التخصيب داخل الأراضي الإيرانية.
هنا يتشكل مأزق نتنياهو بحسب المحللين، فالرجل الذي قدّم نفسه طيلة سنوات بوصفه "صاحب الملف الإيراني بلا منازع" يجد نفسه أمام اتفاق أمريكي لا يحمل بصمته، ولا يستجيب لشروطه، ولا يمنحه صورة النصر التي يحتاجها عشية اختبار انتخابي جديد.
وحاسبت افتتاحية جيروزاليم بوست الصفقة من زاوية الشروط الإسرائيلية. فالعبرة -بحسب الصحيفة- ليست بعودة السفن إلى مضيق هرمز، بل بما إذا كانت واشنطن قد انتزعت من طهران ما تطالب به تل أبيب.
تسأل الصحيفة عما إذا كان البرنامج النووي قد فُكك، والصواريخ والطائرات المسيّرة قد عولجت، وحزب الله قد أُبعد، وما تسميه "حرية إسرائيل في العمل العسكري" قد حُفظت.
ولا تجد الافتتاحية أجوبة واضحة، معتبرة أن الغموض وحده كاف لإثارة القلق داخل إسرائيل. فخشيتها أن تتحول الهدنة إلى مكسب لطهران، لما عبرته من الحرب من دون أن تخسر أوراقها الأساسية.
وفي صحيفة يسرائيل هيوم، يذهب داني سيترينوفتش، المسؤول السابق عن ملف إيران في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، إلى أن العملية قد فشلت تماما.
فبدلا من إسقاط إيران أو إضعافها بصورة حاسمة، انتهت الحملة -كما يقول- إلى خروج طهران أكثر قوة اقتصاديا ودبلوماسيا وربما عسكريا.
ويرى سيترينوفتش أن الاتفاق يعني أن إيران فتحت مضيقا كان مفتوحا قبل الحرب، وحصلت في المقابل على انفراجة اقتصادية، من دون أن تتنازل عن صواريخها أو علاقاتها الإقليمية أو حقها في التخصيب.
وتكشف هذه القراءة حدود رهان إسرائيلي أوسع. فقد بنت تل أبيب حسابها على أن الضغط العسكري، متى استند إلى الغطاء الأمريكي، قادر على دفع طهران إلى الانكسار. لكن النتيجة جاءت أدنى بكثير من هذا الوعد.
وتكشف الصحف أن الاتفاق لم يضع إسرائيل أمام مأزق أمني فحسب، بل عرّى حدود نفوذها السياسي. إذ تصف تلغراف مزاجا إسرائيليا غاضبا من تسوية ترى تل أبيب أنها تبقي إيران حاضرة في الإقليم، وتقيد عمل الجيش الإسرائيلي ضد حزب الله في لبنان.
أما تايمز فتقول إن مسؤولين دفاعيين في إسرائيل ينظرون بريبة إلى استعداد طهران لوقف النار، متسائلين عما إذا كانت واشنطن قد قدمت للإيرانيين تعهدا بكبح نتنياهو وضمان امتناع إسرائيل عن التصعيد.
وقبل إعلان الاتفاق، حاول نتنياهو -كما تروي تلغراف- إبقاء النار مشتعلة. فقد أمر بقصف مبنى في بيروت قالت إسرائيل إنه مركز قيادة لحزب الله، رغم أن التوقيت كان يهدد المسار الأمريكي الإيراني الهش.
وبعد دقائق، أرسل تهنئة إلى ترمب بعيد ميلاده الـ80. غير أن الضربة لم تُسقط الاتفاق، بل أثارت غضب الرئيس الأمريكي الذي رأى أن نتنياهو أقدم على الهجوم من دون تقدير سليم.
وتقول تايمز إن اعتماد نتنياهو على واشنطن بات مطلقا. وتنقل عن سيترينوفتش أن إسرائيل لا تستطيع خوض حرب ضد إيران وحدها، لا هجوميا ولا دفاعيا، وأن ترمب سئم هذه الحرب بينما تدفع إسرائيل ثمن فشلها.
وفي يسرائيل هيوم، تبدو المقارنة مع إدارة باراك أوباما لافتة. فنتنياهو، الذي كان قادرا سابقا على تحدي البيت الأبيض عبر الكونغرس والرأي العام الأمريكي، لا يمتلك الأدوات نفسها أمام ترمب.
الآن، بحسب الصحيفة، لا يبدي حلفاء إسرائيل في واشنطن استعدادا لمواجهة الرئيس علنا. وأي تحرك إسرائيلي لإفشال الاتفاق قد يُقرأ كتمرد على البيت الأبيض نفسه.
وداخل الائتلاف الحاكم، يرفض حلفاء نتنياهو الإقرار بأن الاتفاق قيّد يد إسرائيل. يقول إيتمار بن غفير إن اتفاق ترمب لا يلزم تل أبيب، ويدعو بتسلئيل سموتريتش إلى مواصلة الحملة ضد إيران "بوسائل خلاقة".
وتشير تلغراف إلى أن النزوع إلى القوة لا يقتصر على اليمين الحاكم. فبعض خصوم نتنياهو يهاجمونه لأنه فشل في تحقيق الحسم، لا لأنه ذهب بعيدا في خيار الحرب.
وعندما يتحدث نفتالي بينيت عن "لحظة وجودية"، يقترح بدوره عقيدة جديدة لمواصلة الضغط على إيران وحلفائها. كأن الخلاف في إسرائيل لا يدور حول عسكرة السياسة، بل حول من يديرها بكفاءة أكبر.
وتأتي الصفقة في لحظة انتخابية حساسة. فبحسب تايمز، قد يطارد نتنياهو فشل محاولة إسقاط إيران، في وقت لا تزال تداعيات 7 أكتوبر/تشرين الأول والحرب على غزة تضغط على صورته الأمنية.
ووصف أفيغدور ليبرمان الاتفاق بأنه "نصر كامل لآية الله"، واعتبر يائير لبيد أن إسرائيل أمام أحد أخطر إخفاقات سياستها الخارجية والأمنية، محملا نتنياهو المسؤولية كاملة.
وقد يكون العبء الاقتصادي أشد إيلاما. فبحسب تايمز، سيكون على نتنياهو أن يشرح للإسرائيليين احتمال الإفراج عن أموال إيرانية مجمدة بمليارات الدولارات، بينما خرجت إسرائيل من الحرب بكلفة دفاعية ضخمة.
وتكمن أزمة نتنياهو بحسب الصحيفة في أن الصفقة نزعت عن حربه غطاءها الدعائي، فقد تبخر وعد "النصر الكامل"، وخرجت عقيدة "السلام عبر القوة" مثقلة بالأسئلة، ووجدت إسرائيل نفسها أمام واقع لم تصنعه بقدر ما فُرض عليها.
وهكذا، كتبت يسرائيل هيوم ما يشبه رثاء الاسم الذي اختارته تل أبيب لحربها: انتهت عملية " زئير الأسد" لا بزئير، بل بأنين.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة