في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في مشهد إقليمي يتأرجح بين احتمالات الحرب وفرص التسوية، تتقاطع الحسابات الدبلوماسية مع احتمالات التصعيد العسكري، لتجعل الملف الإيراني في قلب المشهد السياسي والأمني العالمي.
وبينما يتم الإعلان عن مؤشرات تقدم في المفاوضات بين الولايات المتحدة الأمريكية و إيران ووصولها إلى مرحلة شديدة الحساسية والحسم، تتداخل التصريحات المتفائلة بإمكانية التوصل إلى تفاهم مع تحذيرات متبادلة من انهيار المسار التفاوضي والعودة إلى المواجهة المباشرة، في مشهد سياسي يتسم بقدر كبير من الغموض وعدم اليقين.
وفي ظل هذه الضبابية، يبرز اجتماع مرتقب في منتجع كامب ديفيد بوصفه محطة مفصلية قد تحدد ملامح المرحلة المقبلة واتجاهاتها.
في هذا السياق، يعقد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب اجتماعا نادرا لمجلس الوزراء في منتجع كامب ديفيد الرئاسي، وفق ما أفاد به مصدر مسؤول في البيت الأبيض الأمريكي لوكالة الصحافة الفرنسية، ويعكس اختيار هذا المنتجع المعزول في جبال ماريلاند، والذي نادرا ما يستخدمه ترمب مقارنة بالرؤساء السابقين، مستوى حساسية النقاشات المرتقبة وطبيعة الملفات المطروحة على طاولة البحث.
وبحسب صحيفة "نيويورك بوست"، فإن اجتماع كامب ديفيد سيشهد حضور أعضاء الحكومة الأمريكية بالكامل، مع تركيز أساسي على تطورات الملف الإيراني، إلى جانب مناقشة ملفات اقتصادية داخلية.
وكان ترمب قد صرح في وقت سابق بأن التوصل إلى اتفاق مع إيران لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط بات وشيكا، لكنه في الوقت ذاته أبقى الباب مفتوحا أمام خيار التصعيد العسكري.
كما حذّر من احتمال استئناف الضربات ضد أهداف إيرانية إذا تعثرت المفاوضات، ليعكس هذا التباين في الخطاب، وفق مراقبين، إستراتيجية تقوم على الجمع بين الضغط العسكري والدبلوماسي في آن واحد.
وشهد كامب ديفيد في السابق محطات دبلوماسية بارزة قادتها الولايات المتحدة، من بينها اتفاقيات عام 1978 بين مصر و إسرائيل في عهد الرئيس جيمي كارتر، إضافة إلى القمة الإسرائيلية الفلسطينية غير المكتملة عام 2000 في عهد الرئيس بيل كلينتون .
ورغم ذلك، لم يزر ترمب هذا المنتجع إلا نادرا، إذ تُعد هذه الزيارة الثانية فقط له إلى كامب ديفيد خلال ولايته الثانية، وكانت الأولى قد سبقت بأيام تنفيذ ضربات أمريكية استهدفت منشآت نووية إيرانية في يونيو/حزيران 2025.
التحركات الأمريكية الأخيرة، تأتي في الوقت الذي تتواصل فيه الجهود الإقليمية والدولية لاحتواء التوتر المتصاعد في المنطقة، حيث بحث أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في اتصال هاتفي مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان تطورات الأوضاع الإقليمية وسبل خفض التصعيد، مؤكدا أهمية صون أمن واستقرار المنطقة وضرورة تجنيبها تداعيات المواجهة.
كما أعلنت وزارة الخارجية القطرية أن رئيس الوزراء وزير الخارجية بحث مع نظيره السعودي مستجدات الوساطة بين واشنطن و طهران، مؤكدا أهمية التوصل إلى اتفاق مستدام يمنع تجدد التصعيد.
كما شملت المشاورات لقاءات مع مستشار الأمن الوطني الإماراتي، إلى جانب مناقشة جهود وساطة تقودها باكستان، في إطار دعم مسار دبلوماسي يهدف إلى التهدئة والتوصل إلى تسوية شاملة.
وتؤكد الدوحة في تحركاتها المتواصلة على ضرورة دعم قنوات الوساطة الإقليمية والدولية، بما يضمن التوصل إلى اتفاق يحد من التوتر ويحول دون انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة.
في المقابل، تتعامل طهران مع مسار التفاوض بحذر شديد، فقد أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أنه تم التوصل إلى تفاهمات حول عدد من بنود مسودة اتفاق من 14 بندا، لكنه شدد على أن ذلك لا يعني اقتراب التوصل إلى اتفاق نهائي.
وأوضح أن الإطار المطروح يتضمن ترتيبات لوقف الحرب ورفع الحصار البحري الأمريكي، مقابل خطوات إيرانية لضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز، ويبرز في هذا السياق ملف مضيق هرمز باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية في المفاوضات، نظرا لكونه ممرا إستراتيجيا للطاقة العالمية.
وفي سياق متصل، نفى مسؤول أمريكي ما تم تداوله بشأن استئناف القوات الأمريكية مرافقة السفن التجارية في مضيق هرمز، موضحا أن تلك التقارير غير دقيقة، وأن القوات الأمريكية لا تقوم حاليا بمرافقة الشحن البحري التجاري في الممر الإستراتيجي.
وبينما تؤكد طهران أنها لا تفرض رسوما على عبور السفن، فإنها تربط أي إجراءات تنظيمية بتكاليف الخدمات الأمنية، في حين تبدي أطراف دولية قلقا متزايدا من انعكاسات أي تغيير في قواعد الملاحة في المنطقة.
وعلى الأرض، لا تزال التطورات العسكرية تلقي بظلالها على المسار الدبلوماسي، فقد تضاربت الروايات بشأن اشتباكات أو ضربات قرب جنوب الخليج، بين إعلان أمريكي عن استهداف منصات صواريخ إيرانية في بندر عباس، وتقارير إعلامية إيرانية تحدثت عن استهداف زوارق عسكرية قرب جزيرة لارك.
وفي الجانب السياسي، يرى محللون أن العقوبات الاقتصادية الأمريكية شكّلت العامل الأكثر تأثيرا في دفع طهران نحو إبداء قدر من المرونة، مقارنة بالضغط العسكري المباشر، فإيران التي تعيش تحت وطأة عقوبات ممتدة منذ سنوات، تواجه ضغوطا اقتصادية متزايدة انعكست على قدرتها التجارية والمالية، رغم استمرار تمسكها بخياراتها الإستراتيجية.
وفي الداخل الإيراني، شدد الرئيس الإيراني على أن التماسك الداخلي يمثل العنصر الحاسم في مواجهة الضغوط الخارجية، مؤكدا أن أي ضعف في الجبهة الداخلية سيؤثر مباشرة على قدرة البلاد على تحقيق أهدافها الوطنية.
ورغم الزخم السياسي والإعلامي الذي يتحدث عن اقتراب التوصل إلى تفاهم مؤقت، لا يزال الغموض يحيط بموعد الإعلان الرسمي عن أي اتفاق محتمل.
فيما يؤكد أكاديميون ومحللون سياسيون، في تصريحات للجزيرة نت، أن انعدام الثقة والتوقعات المفرطة من الجانبين الأمريكي والإيراني والاختلاف حول بعض القضايا مثل الأموال الإيرانية المجمدة وسيادة طهران على مضيق هرمز، فضلا عن أصابع إسرائيل التي تحاول إفشال الاتفاق، كلها من العوامل التي تؤخر الإعلان عن الاتفاق المؤقت.
إذ تربط واشنطن أي رفع للعقوبات بتحقيق تقدم ملموس في الملف النووي الإيراني، بينما تصر طهران على الفصل بين المسارين السياسي والاقتصادي، خصوصا فيما يتعلق بالأموال المجمدة وحرية تصدير النفط.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة