بعد أيام قليلة من وداعه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، استقبل الرئيس الصيني شي جين بينغ أمس الثلاثاء نظيره الروسي فلاديمير بوتين، وسط أزمات متشابكة تمتد من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، بينما تبدو موسكو أكثر اعتمادا على بكين من أي وقت مضى.
وقد حظيت الزيارة التي تنتهي الأربعاء باهتمام لافت، لكن الصحافة الأمريكية فهمتها بطريقتها، حيث رأت مجلة نيوزويك أن بوتين وصل الصين ساعيا إلى تحقيق 3 أهداف رئيسية تتمثل في تعزيز التعاون التجاري، ودفع مشروع الطاقة العملاق المعروف باسم "قوة سيبيريا 2″، والحصول على دعم دبلوماسي وسياسي يخفف من عزلة روسيا الدولية.
ونقلت الصحيفة في تقريرها عن الرئيس بوتين قوله قبيل مغادرته إلى بكين إن العلاقات بين البلدين "بلغت مستوى غير مسبوق حقا"، مضيفا أنه يقدّر "التزام الرئيس شي بالتعاون طويل الأمد مع روسيا".
ويُعد مشروع "قوة سيبيريا 2" أحد أهم الملفات المطروحة على طاولة المباحثات، لأن خط الأنابيب المقترح الذي يمتد نحو 2560 كيلومترا عبر منغوليا إلى الصين، يُفترض -طبقا لنيوزويك- أن ينقل ما يصل إلى 50 مليار متر مكعب من الغاز الروسي سنويا.
وأشارت المجلة الأمريكية إلى أن موسكو، بعد أن فقدت الجزء الأكبر من سوقها الأوروبية بسبب الحرب في أوكرانيا والعقوبات الغربية، باتت تعوِّل أكثر على الأسواق الآسيوية لإنقاذ صادراتها من الطاقة.
لكن الصين -التي يبلغ حجم اقتصادها نحو 6 أضعاف حجم اقتصاد روسيا- تمتلك أوراق ضغط لا يمكن إنكارها على بوتين -كما تقول المجلة- حيث ملأت البضائع الصينية الفراغ الذي خلّفته الشركات الغربية عقب انسحابها من روسيا بموجب العقوبات.
وفي الوقت نفسه، فإن الدعم الذي تقدمه بكين في القطاع المالي، وزيادة المعاملات عبر الحدود بعملتها (اليوان)، "يُظهر علاقة غير متكافئة تمنح الصين سيطرة متزايدة على المفاوضات الاقتصادية، وتؤمّن لها سلسلة إمداد مفيدة، وتحافظ على النفوذ الصيني طويل الأمد"، بحسب ما صرح به للمجلة كالوم فريزر، محلل الأبحاث في الأمن الدولي لدى المعهد الملكي للخدمات المتحدة ومقره لندن.
ويواجه بوتين ضغوطا اقتصادية داخل روسيا، فبعد مرور 5 سنوات على الحرب، تم خفض توقعات النمو في روسيا لعام 2026 إلى 0.4% بعد أن كانت 1.3%.
تبدو موسكو الطرف الأضعف والأكثر اعتمادا على بكين نتيجة التحديات الاقتصادية المتراكمة الناجمة عن حربها المستمرة في أوكرانيا وتبعات النزاعات المتصاعدة في الشرق الأوسط
بواسطة الصحفية ألكسندرا شارب
غير أن الصين، رغم حاجتها المتزايدة للطاقة، لا تبدو مستعدة لتقديم تنازلات مجانية، ففي تحليل إخباري بمجلة فورين بوليسي ، تؤكد الكاتبة ألكسندرا شارب أن الواقع الاقتصادي على الأرض يكشف عن تحول عميق في طبيعة هذه الشراكة، التي تحولت من تحالف متكافئ بين قوتين عظميين إلى علاقة غير متوازنة.
وفي هذه الشراكة تبدو موسكو -وفقا للكاتبة- الطرف الأضعف والأكثر اعتمادا على بكين نتيجة التحديات الاقتصادية المتراكمة الناجمة عن حربها المستمرة في أوكرانيا وتبعات النزاعات المتصاعدة في الشرق الأوسط.
وتعد الصين اليوم المشتري الأكبر للنفط الخام الروسي، إذ تشير البيانات الجيوسياسية التي أوردتها فورين بوليسي إلى أن بكين ضخت أكثر من 367 مليار دولار لشراء الوقود الأحفوري الروسي منذ اندلاع الحرب الأوكرانية في فبراير/شباط 2022، متجاوزة بذلك حزم العقوبات الغربية الصارمة.
كما ارتفعت صادرات النفط الروسي إلى الصين خلال الربع الأول من عام 2026 بنسبة 35%، وفق ما نقلته المجلة عن يوري أوشاكوف مساعد الرئيس بوتين.
غير أن هذا الاعتماد المتبادل لا يخلو من التوترات والشكوك، ففي تقرير إخباري، أفادت صحيفة واشنطن بوست أن العلاقة الروسية الصينية تبدو أقل انسجاما مما تحاول عاصمتا البلدين إظهاره، واصفة إياها بأنها لا تعدو أن تكون "تحالفا مناهضا للولايات المتحدة تختمر في ثناياها مشاعر عدم الثقة".
وأشارت الصحيفة إلى أن زيارة ترمب ثم بوتين المتعاقبتين لبكين أبرزتا حقيقة جديدة في السياسة الدولية، وهي أن "شي جين بينغ أصبح الزعيم العالمي الذي يتعين على الجميع مغازلته واستمالته".
أما بوتين، الذي كان يطمح إلى بناء نظام عالمي متعدد الأقطاب يواجه الهيمنة الأمريكية، فيبدو اليوم "الشريك الأصغر" داخل العلاقة مع الصين.
هذا التحول -حسب رأي واشنطن بوست- لا يرتبط فقط بالاقتصاد، بل أيضا بالحرب في أوكرانيا، فبعد أكثر من 4 سنوات على الغزو الروسي الشامل، تواجه موسكو تباطؤا اقتصاديا متزايدا، وتراجعا في معدلات النمو، وتناميا في الإرهاق الشعبي من الحرب، كما أن الهجمات الأوكرانية بالطائرات المسيّرة باتت تصل إلى العمق الروسي، بما في ذلك العاصمة موسكو.
وفي هذا السياق، نقلت واشنطن بوست عن ألكسندر غابوييف، مدير مركز كارنيغي أوراسيا، قوله إن بكين تمتلك كافة الأوراق القوية في هذه المفاوضات، ولديها خيارات متعددة لتنويع مصادر طاقتها، مما يمنحها القدرة على فرض شروطها وخفض أسعار الغاز الروسي بشكل كبير، مستغلة انعدام هامش المناورة لدى الكرملين.
كما تتجلى الفجوة الهيكلية والتكنولوجية بين البلدين بشكل واضح حتى في المعارض التجارية المشتركة؛ إذ تنقل واشنطن بوست عن نائب رئيس الوزراء الروسي يوري تروتنيف امتعاضه وأسفه للفارق التقني في معرض هاربين التجاري، حيث أشار إلى أن روسيا لا تشارك بسوى العسل وسرطان البحر، في حين يعرض الشركاء الصينيون الطائرات المسيرة والروبوتات.
ومن المفارقات التي تكشف طبيعة العلاقة المعقدة بين الطرفين، أن الصين -حسب التقرير نفسه- باتت المورد الرئيسي للمكونات الحيوية التي تغذي صناعة الطائرات المسيرة في أوكرانيا وروسيا على حد سواء، مما يعني عمليا أنها تستفيد اقتصاديا من استمرار الصراع.
وفي الوقت الذي تضغط فيه موسكو لزيادة المبيعات العسكرية لها وتقليصها عن كييف، تتمسك وزارة الخارجية الصينية بموقفها الرسمي القائم على الحياد والموضوعية والسعي لإرساء السلام، نافية تقديم أي أسلحة فتاكة لأي طرف.
وفي حين تنفي بكين تقديم دعم عسكري مباشر لموسكو، كشف تقرير استخباراتي أوروبي نشرته مجلة فورين بوليسي عن جانب آخر أكثر تعقيدا، حيث أشار إلى أن بكين قامت سرا بتدريب نحو 200 جندي روسي أواخر العام الماضي على تقنيات الحروب الإلكترونية واستخدام المسيرات.
وتحاول بكين في الوقت نفسه الحفاظ على صورة الوسيط الدولي، فوفق تقرير فورين بوليسي، يسعى الرئيس شي إلى "الموازنة بين دعم صديقه القديم وتقديم الصين كوسيط سلام".
كما نقلت التقارير عن مصادر أن شي أبلغ ترمب خلال زيارته الأخيرة لبكين بأن بوتين قد "يندم" في نهاية المطاف على غزو أوكرانيا.
لكن رغم ذلك، تبقى بكين الطرف الأكثر قدرة على المناورة، فالصين تحتاج إلى روسيا كمصدر طاقة وكشريك إستراتيجي في مواجهة واشنطن، لكنها في المقابل لا تريد أن تُربط بالكامل بمغامرات الكرملين العسكرية أو أن تخسر أسواقها الغربية الكبرى.
وتختصر عبارة نقلتها واشنطن بوست عن المحامي الروسي السابق إيليا ريميسلو جوهر المعضلة الروسية الحالية، إذ قال إن "الصين ليست صديقة ولا حليفة، بل هي الشريك الأكبر لبوتين"، مضيفا أن الرئيس الروسي "لا يملك مساحة للمناورة. وستزداد هذه التبعية طالما استمرت الحرب" على أوكرانيا.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة