آخر الأخبار

"ابن خلدون" يفسر لنا ما يجري في الساحل الآن

شارك

كان المنظور العام الساري حول منطقة الساحل أنه قد تمت "تهدئتها" و"تطهيرها" من الجماعات الجهادية وبؤر الإرهاب، وأنه يكفي انتهاج سياسات روتينية تدخل فيما يسمى في أدبيات التصدي للإرهاب بـ"جز العشب".

وكانت التحالفات التي أجرتها حكومة مالي الجديدة مع فيلق أفريقيا الروسي، تسعف في بسط السيطرة على أقاليم شمال مالي، بؤرة التمرد، حيث الطوارق ذوو خصوصية هوياتية متجذرة.

كان ينظر إلى منطقة الساحل كخاصرة في شمال غرب أفريقيا، يرتع فيها التطرف، وكان الهدوء الذي فرض فرضا، بعد سلسلة من التدخلات العسكرية الأجنبية، منها فرنسا، ثم روسيا لاحقا عبر فيالق أفريقيا، يوحي بأنه تم إطفاء فتيل التمرد وقطع شأفة الشغب.

ولذلك أتى الهجوم الذي استهدف باماكو من قبل كل من "جبهة تحرير أزواد"، و " جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"، يوم 25 أبريل/نيسان- وتم الاستيلاء بمقتضاه على إقليم أزواد ومدينته ذات الرمزية كيدال- ليعصف بتلك المقاربة.

لم تخطئ القراءات حول طبيعة الحدث، على مستوى القوى الدولية والإقليمية والمختصين، من الأمنيين والمحللين والصحفيين المتابعين، إذ رأوا فيه، جميعا، منعطفا، وتحولا له تداعيات إقليمية، على مستوى منطقة الساحل خاصة، وشمال أفريقيا عموما.

ولم يكن من قبيل المصادفة أن يحل نائب وزير الخارجية الأمريكي كريستوفر لاندو في كل من الجزائر، والرباط، في أعقاب الهجوم، غير أنه لم يرشح شيء مما تمخضت عنه اللقاءات، إلا ما ورد في بيانات عامة لا تسفر عن جوهر هذه الاجتماعات، التي تم تجاوزها بالتركيز على النقاط الهامشية، أو بالوقوف على العموميات.

اللافت أن كلا من واشنطن، وموسكو، وباريس، أدانت الهجوم، رغم تضارب مصالح هؤلاء، ليس فقط لأنه يهدد وحدة مالي، ولكن لما ينطوي عليه من إمكانية زعزعة المنطقة، أو ما يختزل في الشرَّين المستَطيرَين: "الإرهاب"، و"الانفصال"، وتلازمهما أحيانا.

إعلان

كانت نظرة بعض الخبراء، ومنهم الباحث أوليفي روا، تميز بين الاتجاهات الراديكالية في الشرق الأوسط تلك التي ترتبط بأممية جهادية وتم دحرها، وبين الاتجاهات الراديكالية في منطقة الساحل والتي توظف التوجه الراديكالي كفرانشيز (علامة تجارية)، وتنطلق بالأساس من اعتبارات محلية، وتحظى بنسيج اجتماعي مترابط.

الانتماءات الأيديولوجية هنا متحول، والثابت هو علاقاتها العضوية ذات الطابع القبلي، أو المحلي، وأوضاعها السياسية والاجتماعية والثقافية، فهي تنطلق بهاجس الدفاع عن هويتها، أو مجالها، أو ثرواتها، وهي لذلك تستند إلى شبكة مجتمعية، وتقوم على ذاكرة منهكة تعرضت للعسف، بل للإبادة، في محطات عدة من تاريخها الحديث.

هذه الوضعية، والذاكرة الموحدة أتاحتا التقارب ما بين " جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" الجهادية، ذات البعد ما فوق الوطني، مع "جبهة تحرير أزواد" المحلية، رغم اختلاف المرجعية، وهو ما بدا لكثير من المحللين أمرا غير طبيعي، (أو مناف للطبيعة، كما جاء في بعض التحليلات في ترجمة من الفرنسية).

إن "جبهة تحرير أزواد"، تغلب عليها الاعتبارات المحلية والثقافية، وهي واحدة من المكون التاركي (الطوارق) في مالي، أما " جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"، فذات طبيعة جهادية، وترتبط مبدئيا بمشروع الخلافة.

بيد أن الاتجاهين يلتقيان بالانطلاق من واقع موضوعي، وهو استلاب الهوية الثقافية لجماعات من الطوارق، موزعين على خمس دول، تجمعهم وشائج ثقافية وهوياتية، منها اللغة، ونظام العيش، وتنظيم الحياة، وذاكرة مشتركة، ومآسٍ. لا تنفصل الهوية عن ندوب القهر والقمع والسعي في الطمس.

ليست حالة الطوارق بمنفردة عن شعوب أخرى تم تمزيقها في أفريقيا وغيرها، وكثيرا ما يقارن بعض الباحثين وضع الطوارق بالأكراد في الشرق الأوسط، ولا أدري مدى وجاهة المقارنة، ولكن الثابت أن للطوارق هوية خاصة، متفرعة عن المجموعة البشرية الزناكية المعروفة في اللغة العربية بصنهاجة.

ارتأى الممهدون للدول المستقلة في ترتيبات ما بعد الدول الوطنية، احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار، وقد يكون ذلك خيارا صائبا إن أتيح للمعنيين تدبير شؤونهم؛ أي الحصول على نوع من الحكم الذاتي، واحترام خصوصياتهم.

ولكن الأمور لم تسر بهذا الشكل في مالي، وعانى الطوارق الأمَرين، تحت حكم الدولة المالية الناشئة، وتشهد الذاكرة الجمعية بمآسٍ متواترة في محطات عدة منذ 1964، حيث تعرضت كيدال إلى ما يشبه أعمال إبادة، فضلا عن سنوات من الجفاف دفعت الكثيرين إلى الهجرة إلى بلدان الجوار، وبعض النخب إلى دول الخليج.

ظلت العلاقات متوترة بين حكومات مالي المتعاقبة وإقليم أزواد، حتى عام 2012 في أعقاب "الربيع العربي"، وانتقال السلاح من ليبيا إلى منطقة الساحل، وانتهزتها "جبهة تحرير أزواد" فرصة لتعلن تمردها عن السلطة المركزية، مما استدعى تدخل السلطات الفرنسية، كما هو معلوم في عملية برخان، ثم سرفان.

لم يكن هاجس السلطات الفرنسية حماية المنظومة ما بعد الاستعمارية فحسب، بل ضمان وصايتها، في منطقة تزخر بموارد طبيعية، منها الذهب، حيث يوجد الطوارق بمالي، واليورانيوم في إقليم ناير بالنيجر، وأصبحت منطقة الساحل مجالا لصراع القوى، ظاهره محاربة الإرهاب، وباطنه وضع اليد على الثروات.

إعلان

تعيد الأحداث الأخيرة العقرب إلى نقطة الصفر، أي تجعل من الساحل، بؤرة ثورية. لم تندثر فكرة "البؤرة الثورية"، وسبق أن تبنتها تنظيمات من منطلق قومي ويساري، وكانت تتهدد التنظيمات المرتبطة بالسلطة الحمائية الفرنسية.

ولكن الخيارات السياسية التي أجرتها تلك الحركات، ونأيها عن خيار ثوري لفائدة الانفصال في حيز محدود، وأدَا التوجه الثوري، وتأثرت بالانحسار الذي عرفته القومية العربية والاشتراكية عموما، وضعف الغطاءات التي كانت تحظى بها، من أنظمة قومية، منها ليبيا القذافي الذي كان أول من احتضن "البؤرة الثورية".

في شمال أفريقيا، اصطدمت دوما الاتجاهات الإسلامية بالاتجاهات المحلية، وحتى نكون أكثر وضوحا بالاتجاهات الأمازيغية.

كانت الأخيرة تصطف فيما يسمى الاتجاهات الحداثية، وكان تُرى على طرفي نقيض من الاتجاهات الإسلامية، وهو ما نعتته بعض التحليلات بتحالف ضد الطبيعة، أو غير طبيعي، أما في منطقة الساحل، فقد عرف الاتجاهان تقاربا ولو ظرفيا، وهو ما يمنحهما زخما حين يلتقيان، وتراجعا حين يصطدمان.

ويسعفنا تحليل ابن خلدون في فهم هذه الدينامية، أي التقاء عصبية ودعوة، أو توجه محلي، برافعة أيديولوجية من مرجعية دينية. وما يبدو غير طبيعي لمحللين غربيين، هو ما اعتبره ابن خلدون بالدينامية التي كانت محركا لشمال أفريقيا، أو بلاد المغرب.

هذا التلازم بين العصبية والدعوة هو الذي يجعل منهما محركا للتاريخ، على شرط أن تكون البنية الحاكمة (أو الدولة حسب تعبير ابن خلدون ويعني بها الأسرة الحاكمة، وليس ما نفهمه نحن اليوم من الدولة)، قد اعتراها الوهن، وبلغت مرحلة الاضمحلال.

ينبغي طبعا أن ننسّب الأمور، ذلك أن تحليل ابن خلدون كان يندرج في سياق لم تكن فيه قوى أجنبية متدخلة، وقد سبق لديناميات عدة، في بلاد المغرب، أن أُجهضت بسبب تدخل قوى أجنبية، من الدول الصليبية قديما، ثم الاستعمار حديثا، والأشكال العدة لتدخلات أجنبية، في سياق ما بعد الاستعمار، إلى التدخلات الأخيرة التي عرفتها المنطقة، سواء من قبل فرنسا، أو روسيا.

وبالمقابل، يصبح التلازم ما بين العصبية والدعوة، في سياق منطقة الساحل، محركا إن حظي بغطاء دولي، وغدا رافعة لقوة أجنبية وإحدى أدواتها.

التحول الذي عرفته منطقة الساحل لا يمكن أن يختزل في "جز العشب"، وينبئ عن إعادة تشكيل جيوسياسي لمنطقة شمال أفريقيا، انطلاقا من منطقة الساحل.

طبعا لا يمكن التصدي للوضع في منطقة الساحل بمنطق "جز العشب".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا