أعاد إعلان فرنسا عودة سفيرها للجزائر إلى الواجهة أزمة دبلوماسية عاصفة يحاول البلدان تلمس طريق الخروج منها عبر خطوات محسوبة، فبينما تفتح الأبواب تدريجيا لعودة القنوات الرسمية إلى مجراها الطبيعي، تظل الملفات المشتركة ألغاما تفرض مزيدا من الحذر والتأني في التعامل معها.
وتطرح التطورات الأخيرة تساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة، وكيف يمكن للتحركات الدبلوماسية أن تتعامل مع تراكمات تمتد من عمق التاريخ إلى تحديات الواقع الإقليمي المتغير.
في هذا التقرير، نستعرض ملامح المشهد بين البلدين والملفات التي تشكل جوهر النقاش بين ضفتي البحر المتوسط.
أعلنت فرنسا، اليوم الجمعة، استئناف سفيرها لدى الجزائر ستيفان روماتيه لمهامه بعد أكثر من عام على استدعائه للتشاور على خلفية أزمة دبلوماسية ممتدة.
وتزامنت عودة روماتيه إلى الجزائر العاصمة مع زيارة وزيرة الجيوش الفرنسية أليس روفو في خطوة اعتبرها مراقبون مؤشرا إلى أولوية التنسيق الأمني والعسكري في مسار التقارب الحالي.
وأفادت الرئاسة الفرنسية في بيان رسمي بأن عودة السفير روماتيه تأتي تعبيرا عن رغبة الرئيس إيمانويل ماكرون في بناء "حوار فعال" والتعامل مع الملفات المشتركة بـ"صراحة وبصيرة".
وتمثل زيارة روفو ثاني تحرك رفيع المستوى خلال 3 أشهر، عقب الزيارة التي قام بها وزير الداخلية لوران نونيز في فبراير/شباط الماضي.
وتؤشر الزيارات الوزارية إلى رغبة متبادلة في طي صفحة الأزمة التي بلغت ذروتها خلال مرحلة وزير الداخلية السابق برونو روتايو، والتوجه نحو "حل لا مفر منه" بحكم تشابك العلاقات والمصالح بين البلدين.
وبدلا من خطاب الصدام والمواقف المتصلبة، تبدو باريس اليوم وكأنها تنتهج "دبلوماسية الوجوه الجديدة" لتهيئة الأرضية لتجاوز الأزمات المتراكمة، والبحث عن صيغة تفاهم مرنة تنهي حالة الجمود التي طبعت المرحلة الماضية.
ورغم عودة السفير الفرنسي، لا تبدو الطريق نحو استعادة العلاقات الطبيعية بين البلدين مفروشة بالورود، فخلف المجاملات الدبلوماسية في صالونات الاستقبال، تصطدم الرغبة في التقارب بجدار صلب من الملفات الخلافية.
وتتمثل أبرز العقد التي لا تزال تعترض طريق التقارب في:
شكل تاريخ 30 يوليو/تموز 2024 بداية التوترات الأحدث بين فرنسا والجزائر، ففي رسالة وجهها إلى ملك المغرب محمد السادس، صرح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن "حاضر ومستقبل الصحراء الغربية يندرجان في إطار السيادة المغربية"، وأن "الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يُعد الإطار الذي يجب من خلاله حل هذه القضية".
وأثار القرار غضب الجزائر التي أعلنت سحب سفيرها "بشكل فوري".
وتشكل الصحراء الغربية -المستعمرة الإسبانية السابقة- محور نزاع بين المغرب و جبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر منذ نحو نصف قرن.
وكان المغرب قد قدم في عام 2007 مقترحا للحكم الذاتي للأقاليم الصحراوية في إطار السيادة المغربية، لحل النزاع، وهو ما ترفضه كل من جبهة البوليساريو وكذلك الجزائر، وتتبنى في المقابل خيار تقرير المصير.
تعمق الخلاف بين الجزائر وباريس ليصل إلى ذروته في مارس/آذار 2025 إثر نزاع حول طلب فرنسي بترحيل جزائريين، وهو الملف الذي فجر موجة جديدة من التصعيد الدبلوماسي والقانوني.
ورفضت الخارجية الجزائرية قائمة أعدتها وزارة الداخلية الفرنسية لجزائريين تطالب بترحيلهم، واعتبرت أن القائمة تجاوزت القنوات الدبلوماسية التقليدية وحرمت المعنيين من محاكماتهم القانونية، معلنة رفضها لـ"لغة التهديد والإنذارات".
وردا على ذلك، لوّح وزير الداخلية الفرنسي -حينها- اليميني برونو روتايو بالرد عبر إنهاء اتفاقية 1968 المتعلقة بتنظيم الهجرة والتأشيرات بين البلدين، متهما الجزائر بمحاولة "إذلال" فرنسا، وسط دعوات من سياسيين فرنسيين لاستدعاء السفير من الجزائر وإنهاء تأشيرات الدبلوماسيين الجزائريين.
وفي 15 أبريل/نيسان 2025، أعلنت الجزائر 12 دبلوماسيا فرنسيا "أشخاصا غير مرغوب فيهم" وطلبت مغادرتهم البلاد خلال 48 ساعة، متوعدة بـ"رد حازم ومناسب" على أي تطاول على سيادتها.
وقالت الخارجية الجزائرية حينها إن القرار جاء ردا على ما وصفته بـ"الاعتقال الاستعراضي والتشهيري" الذي نفذته مصالح تابعة لوزارة الداخلية الفرنسية، بتاريخ 8 أبريل/نيسان 2025 بحق موظف قنصلي جزائري معتمد في فرنسا، معتبرة أن هذا التصرف يشكل "انتهاكا صارخا للأعراف والمواثيق الدبلوماسية".
وعلى إثر ذلك، أعلن وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو في 14 مايو/أيار 2025 أن باريس استدعت القائم بالأعمال الجزائري احتجاجا على قرار الجزائر "غير المبرر" بطرد دبلوماسيين فرنسيين، مشيرا إلى أن فرنسا سترد بخطوة مماثلة.
في الوقت الذي بدأت تظهر فيه ملامح تراجع التوتر الدبلوماسي، عاد ملف "الموظف القنصلي الجزائري" ليفرض لغة التصعيد؛ حيث استدعت الجزائر، الخميس 26 مارس/آذار 2026، القائم بأعمال السفارة الفرنسية للاحتجاج "بأشد العبارات" على قرار تجديد الحبس المؤقت للموظف لمدة سنة إضافية، محذرة من أن لهذا القرار "عواقب حتمية" على مسار العلاقات.
تعود القضية إلى مطلع أبريل/نيسان 2025، حين اعتُقل الموظف للاشتباه بتورطه في "اختطاف مدون جزائري" يصنفه القضاء الجزائري إرهابيا، بناءً على رصد إشارة هاتفه النقال في محيط العملية المزعومة، وهو ما أدانته الجزائر حينها.
شددت الخارجية الجزائرية على أن الموظف يخضع للحبس منذ عام، رغم تمتعه بحماية قانونية بموجب "اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية لسنة 1963″، معتبرة القرار الفرنسي "يصعب تبريره أو قبوله".
بعد اعتقاله في الجزائر في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، حُكم على الكاتب الفرانكو-جزائري بوعلام صنصال في 27 مارس/آذار 2025 بالسجن لمدة 5 سنوات وغرامة قدرها 500 ألف دينار (نحو 3470 يورو) بتهم تتعلق بالمساس بأمن الدولة والوحدة الترابية والاستقرار المؤسسي.
كما تمت متابعته بتهم أخرى تتعلق بـ"القذف والإهانة" الموجهة ضد الجيش الجزائري، و"الترويج عمدا لأخبار كاذبة من شأنها المساس بالنظام العمومي والأمن العام"، وكذلك "حيازة وعرض منشورات وأوراق وفيديوهات على أنظار الجمهور، من شأنها المساس بالوحدة الوطنية".
ومنحت فرنسا بوعلام صنصال جنسيتها بعد سجنه في الجزائر، وتسبب اعتقاله في تصاعد جديد للأزمة بين البلدين، قبل أن تقرر الجزائر الإفراج عنه في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 بموجب عفو أصدره الرئيس عبد المجيد تبون لأسباب إنسانية.
ختاما، ورغم مؤشرات التهدئة الأخيرة، يرى مراقبون أن إعادة العلاقات الجزائرية الفرنسية إلى مستوى الشراكة التقليدية ستظل رهينة بقدرة الطرفين على إدارة ملفات شديدة الحساسية، تتداخل فيها اعتبارات الأمن والهجرة والذاكرة والتوازنات الإقليمية.
فإضافة إلى القضايا المذكورة سابقا، تحصي الجزائر وفرنسا عددا آخر من القضايا التي تشكل ألغاما أخرى في مسار التسوية، من بينها ملف الذاكرة واعتراف فرنسا بجرائمها خلال الفترة الاستعمارية، و ملف التجارب النووية الفرنسية في الجزائر.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة