آخر الأخبار

بلومبيرغ: بوتين يستفز الناتو بأشباح تحت الجليد

شارك

على عمق 400 متر داخل تجويف جبلي شمال المحيط الأطلسي، تقع منشأة عسكرية مصممة لتحمُّل ضربة نووية، ويجلس بداخلها مشغّلون في غرفة مظلمة أمام شاشات عملاقة تمتد من الأرض إلى السقف، تعرض خريطة شمال النرويج ومنطقة القطب الشمالي.

هناك، حيث لا ضجيج ولا ضوء، تتحرك غواصات نووية بصمت قاتل، ترسم ملامح صراع لا يُرى بالعين المجردة لكنه يحمل في طياته أخطر رهانات القوة في العالم.

تبرز غواصات أسطول الشمال الروسي كأكثر أدوات الرئيس فلاديمير بوتين كفاءة وقدرة على استفزاز حلف شمال الأطلسي (الناتو)

أسطول ظل

في قلب هذا الصراع، تبرز غواصات أسطول الشمال الروسي كأكثر أدوات الرئيس فلاديمير بوتين كفاءة وقدرة على استفزاز حلف شمال الأطلسي (الناتو)، الذي اضطر لاستنفار إمكاناته العسكرية والتكنولوجية في مطاردة لا تتوقف على مدار الساعة، حسب تقرير صحفي لوكالة بلومبيرغ الأمريكية للأنباء.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 كاتب روسي: حرب إيران الهزيمة الأكثر خزيا في تاريخ أمريكا
* list 2 of 2 جامعات بريطانية دفعت لشركة أمنية "للتجسس" على طلاب مؤيدين لفلسطين end of list

وفي تلك المنشأة العسكرية -كما يفيد التقرير المطول- تُجمع البيانات من أجهزة استشعار عبر أقصى الشمال، تراقب كل شيء بدءا من قاع البحر وصولا إلى الفضاء، حيث تُفحص بحثا عن أي ظواهر غير طبيعية، وتُحلل لرصد التهديدات المحدقة كتلك التي تأتي من سفن مثل "أسطول الظل" والطائرات غير المحددة.

مصدر الصورة بعض قطع الأسطول الروسي في شبه جزيرة القرم (الجزيرة)

وحسب التقرير، أصبحت النرويج نقطة ارتكاز أساسية في هذه المواجهة، حيث يقود مقر القيادة المشتركة في ريتان، على بعد 30 دقيقة من بلدة بودو القطبية، عمليات مراقبة دقيقة لكل حركة تحت سطح الماء في محاولة لرصد الغواصات الروسية التي تعمل بالطاقة النووية قبل أن تتسلل إلى المياه العميقة للمحيط الأطلسي.

وتعمل هذه المنشأة المتطورة، المصممة لتحمّل الضربات النووية، على جمع وتحليل بيانات ضخمة من شبكة حساسات تمتد من أعماق البحار إلى الفضاء، لرصد أي تحركات غير اعتيادية، بما في ذلك نشاط الغواصات الروسية.

إعلان

وتتركز المخاوف الغربية بشكل خاص على غواصات الأسطول الشمالي الروسي، التي تنطلق من شبه جزيرة كولا، والتي تُعد إحدى أهم مناطق تمركز القوة النووية الروسية.

الحرب في أوكرانيا منذ 2022 كشفت عن أوجه ضعف في بعض القدرات التقليدية للجيش الروسي

روسيا تطور قدراتها

وأشارت بلومبيرغ إلى أن الكرملين استثمر مبالغ طائلة لإحياء مجد البحرية الروسية، مع تركيز خاص على الغواصات من طرازي "بوري-أ" و"ياسن-إم"، اللتين تمثلان عنصرا محوريا في الاستراتيجية العسكرية للرئيس بوتين، إذ تشكل جزءا من الثالوث النووي الروسي، إلى جانب الصواريخ الباليستية العابرة للقارات والقاذفات الاستراتيجية.

ورغم أن الحرب في أوكرانيا منذ 2022 كشفت عن أوجه ضعف في بعض القدرات التقليدية للجيش الروسي، فإن مسؤولين عسكريين في الناتو يؤكدون أن سلاح الغواصات ظل بمنأى عن هذا التراجع، بل على العكس، حظي بأولوية قصوى في برامج التحديث والتطوير، ما جعله من أكثر فروع الجيش الروسي كفاءة وخطورة.

الغواصات الروسية ظلت محتفظة بكفاءتها العالية وبأولويتها في التمويل والتطوير، بعكس التوقعات التي سادت بعد غزو أوكرانيا حول تراجع كفاءة القوات التقليدية الروسية

بواسطة نائب الأميرال رون أندرسن

لعبة القط والفأر

وفي مؤشر على تصاعد التوتر، أعلن وزير الدفاع البريطاني جون هيلي في وقت سابق من الشهر الجاري عن إحباط عملية روسية سرية استهدفت بنية تحتية بحرية حساسة قرب السواحل البريطانية.

ووفقا للمعلومات، بدأت العملية برصد غواصة هجومية روسية في المياه الدولية في أقصى الشمال، قبل أن يتم تعقبها بشكل متواصل لأسابيع بالتنسيق مع النرويج.

مصدر الصورة حلف الناتو نشر طائرات دورية متقدمة من طراز بي-8 بوسيدون لرصد التحركات البحرية الروسية (غيتي)

ويعكس هذا الحادث نمطا متكررا من "ألعاب القط والفأر" بين روسيا والناتو، حيث تسعى موسكو إلى دفع غواصاتها نحو المحيط الأطلسي دون اكتشاف، بينما يبذل الحلف جهودا مكثفة لرصدها في مراحل مبكرة، سواء عند خروجها من بحر بارنتس أو أثناء عبورها نقاطا استراتيجية مثل فجوة (غويك GIUK)، وهي ممر بحري استراتيجي في شمال المحيط الأطلسي بين غرينلاند وآيسلندا والمملكة المتحدة.

وتشير البيانات إلى أن نشاط الغواصات الروسية في المياه القريبة من المملكة المتحدة شهد ارتفاعا بنسبة 30% خلال العامين الماضيين، مما دفع الناتو إلى تعزيز قدراته في مجال الحرب المضادة للغواصات، عبر نشر طائرات دورية متقدمة من طراز (بي-8 بوسيدون)، والتي تُعد من أبرز أدوات الرصد والتتبع البحري في العالم.

يرى خبراء عسكريون أن القطب الشمالي بات يمثل محورا رئيسيا في هذه المنافسة بين روسيا والناتو

عيون الناتو وآذانه

في المقابل، تواصل روسيا الاستثمار بكثافة في تحديث أسطولها البحري، حيث أعلن بوتين في أبريل/نيسان من العام الماضي عن إدخال غواصات جديدة للخدمة، ضمن خطة أوسع لبناء 7 غواصات استراتيجية بحلول 2030، مع تخصيص ميزانية تصل إلى 100 مليار دولار للتمويل الفيدرالي للبحرية على مدى 10 سنوات.

هذا إلى جانب تطوير غواصات متعددة المهام ذات قدرات هجومية متقدمة، تشمل إطلاق صواريخ بعيدة المدى ضد أهداف بحرية وبرية.

إعلان

ويرى خبراء عسكريون أن القطب الشمالي بات يمثل محورا رئيسيا في هذه المنافسة، ليس فقط لأهميته العسكرية، بل أيضا لاحتوائه على احتياطيات ضخمة من الموارد الطبيعية، فضلا عن دوره المتنامي كممر ملاحي استراتيجي مع تسارع وتيرة ذوبان الجليد بسبب تغير المناخ.

وفي هذا السياق، تعمل روسيا على ترسيخ وجودها في المنطقة من خلال بناء قواعد عسكرية جديدة وتطوير بنية تحتية متقدمة، بهدف فرض سيطرتها على الممر البحري الشمالي وتأمين مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، كما تشير بلومبيرغ.

تراجع القدرات التقليدية الروسية في أوكرانيا قد يدفع موسكو إلى الاعتماد بشكل أكبر على قوتها النووية، وخاصة الغواصات، كوسيلة لتعزيز الردع

القطب الشمالي

وبدورها، تسعى دول الناتو إلى تعزيز حضورها في القطب الشمالي، من خلال توسيع التعاون الدفاعي مع النرويج، التي تُوصف بأنها "عيون وآذان الحلف في الشمال"، إضافة إلى إطلاق مشاريع مشتركة لتطوير الغواصات والأنظمة الصاروخية، كما تدرس دول مثل كندا صفقات لشراء غواصات حديثة لتعزيز قدراتها البحرية.

وفي موازاة ذلك، يشهد المجال التكنولوجي سباقا متسارعا لتطوير أدوات جديدة لرصد التهديدات تحت سطح البحر، بما في ذلك أنظمة استشعار تعتمد على الذكاء الاصطناعي، قادرة على تحليل الإشارات الصوتية والبيئية بدقة عالية، مما قد يغير قواعد اللعبة في هذا النوع من الحروب.

ويحذر محللون، نقلت عنهم بلومبيرغ، من أن تراجع القدرات التقليدية الروسية في أوكرانيا قد يدفع موسكو إلى الاعتماد بشكل أكبر على قوتها النووية، وخاصة الغواصات، كوسيلة لتعزيز الردع وإظهار القوة على الساحة الدولية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا