في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تدخل إسرائيل مرحلة اقتصادية أكثر حساسية مع اتساع كلفة الحرب على إيران وتزايد أثرها على الموازنة العامة والنمو إلى جانب التضخم والائتمان السيادي. فبحسب تقديرات أولية لوزارة المالية الإسرائيلية، بلغت الكلفة المباشرة للحرب 35 مليار شيكل (نحو 11.52 مليار دولار) خصص منها 22 مليار شيكل (6.6 مليارات دولار) لقطاع الدفاع، ليضاف ضمن ميزانية 2026.
وفي موازاة ذلك، أقر الكنيست ميزانية 2026 مع رفع إنفاق الدفاع إلى أكثر من 142 مليار شيكل (42.6 مليار دولار)، بينما ارتفع هدف العجز إلى نحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي، وسط تحذيرات من أن الإنفاق الحربي قد يطيل أمد الضغوط التضخمية ويؤخر العودة إلى مسار مالي أكثر انضباطا.
ولا تقف الصورة عند الكلفة المباشرة للحرب مع إيران وحدها، إذ تظهر بيانات بنك إسرائيل أن الاقتصاد خسر 177 مليار شيكل (ما يعادل 57 مليار دولار) في عامين حتى نهاية 2025 بفعل الحروب المتتالية.
كما أظهر التقرير السنوي للبنك أن نمو الاقتصاد بلغ 2.9% في 2025، في حين خفض البنك المركزي توقعه لنمو 2026 إلى 3.8% من 5.2% سابقا، مع بقاء سعر الفائدة عند 4% بسبب التوازن الصعب بين دعم النشاط واحتواء التضخم.
في هذا السياق، يقول مدير المنتدى الاقتصادي العربي عمر فندي للجزيرة نت إن الأرقام المعلنة عن كلفة الحرب على إيران "غير شفافة"، معتبرا أن تقديرات 10 مليارات إلى 15 مليار دولار تعكس فقط الكلفة المباشرة، بينما تبقى الخسائر غير المباشرة أكبر بكثير وتشمل شلل قطاعات إنتاجية وخدمية واتساع البطالة وتعطل النشاط في مناطق واسعة، لا سيما في الشمال.
ويضيف فندي، في حديث للجزيرة نت، أن الخلل لا يقتصر على بند الحرب نفسه، بل يمتد إلى بنية الموازنة، إذ إن إسرائيل تواجه بالأساس عجزا قائما وميزانية "غير متزنة"، مما يعني أن أي إنفاق عسكري طارئ جديد يفاقم الاختلال المالي بدل أن يبقى عبئا مؤقتا.
تؤدي النفقات العسكرية الطارئة عادة إلى اتساع العجز المالي عبر مسارين متزامنين، يتمثل الأول في الزيادة المباشرة في الإنفاق الدفاعي والتعويضات المدنية، فيما يظهر الثاني في تراجع الإيرادات الضريبية نتيجة تباطؤ النشاط الاقتصادي. ويبدو أن هذا النمط بدأ يتجسد في الحالة الإسرائيلية، إذ أضافت ميزانية 2026 المعدلة أكثر من 30 مليار شيكل إلى مخصصات الدفاع، مع رفع هدف العجز إلى نحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي.
وفي هذا السياق، تتوقع وكالة فيتش اتساع العجز واستمرار الضغوط على المالية العامة، مع الإبقاء على النظرة المستقبلية السلبية للتصنيف عند مستوى "A"، محذرة من أن استمرار ارتفاع الإنفاق العسكري وتأخر ضبط المالية العامة، إلى جانب استمرار التوترات، قد يمهد الطريق لخفض إضافي في التصنيف الائتماني.
وفي السياق ذاته، يؤكد أمين سر الاتحاد العام للاقتصاديين الفلسطينيين نصر عطياني للجزيرة نت أن استمرار الحرب بهذا النمط قد يعيد النظرة السلبية من وكالات التصنيف الدولية مثل موديز وفيتش، وهو ما ينعكس مباشرة في ارتفاع تكلفة اقتراض الحكومة وتراجع شهية المستثمرين لحيازة السندات الإسرائيلية إلا مقابل عوائد أعلى.
ويشير إلى أن أثر الحرب لا يقتصر على الكلفة المباشرة المقدرة بنحو 11.5 مليار دولار، بل يمتد إلى كلفة التمويل المستقبلية، وما يترتب عليها من ضغوط إضافية على الموازنة والإنفاق المدني وآفاق النمو.
ومن زاوية الدين العام، يوضح عطياني أن الحرب تضيف عبئا جديدا إلى موازنة تعاني أساسا من عجز ليس سهلا تجاوزه، مشيرا إلى أن الدين العام الإسرائيلي يدور حول 70% من الناتج المحلي الإجمالي، مع تقديرات لحجم الدين الوطني بنحو 445 مليار دولار، وهو ما يعكس حجم الضغوط المتراكمة على المالية العامة.
ووفق هذا المنظور يرى عطياني أن تمويل العمليات العسكرية الجارية، إلى جانب نفقات الدفاع والتعويضات، لا يرفع العجز فقط، بل يفاقم أيضا أعباء الدين العام ويزيد كلفة خدمته في السنوات المقبلة، مما يضغط على مرونة السياسة المالية. وتتقاطع هذه القراءة مع تقديرات فيتش التي تشير إلى احتمال صعود نسبة الدين إلى الناتج إلى 71.4% في 2026 إذا استمرت الضغوط الحالية.
من جهته يرى فندي أن المسألة لا تتعلق فقط بارتفاع أصل الدين، بل أيضا بفاتورة الفوائد نفسها، موضحا أن إسرائيل تدفع بالفعل نحو 60 مليار شيكل (18 مليار دولار) سنويا فوائد على ديون الحكومة الخارجية، وأن أي خفض جديد في التصنيف الائتماني سيرفع تكلفة تجنيد الأموال ويزيد خدمة الدين بصورة ملموسة، ومن ثم فإن الحرب لا تضغط على الموازنة عبر باب الإنفاق العسكري وحده، بل عبر حلقة أوسع تشمل العجز والاقتراض والفوائد، بما يقلص المساحة المتاحة أمام الإنفاق التنموي والاجتماعي.
في المقابل يفرض تصاعد الإنفاق العسكري ضغوطا مباشرة على القطاعات المدنية، إذ يؤدي تحويل مزيد من الموارد للدفاع إلى تقلص الحيز المالي المتاح للإنفاق الاجتماعي والخدمي، حتى وإن لم تظهر هذه التخفيضات بشكل صريح في بنود الموازنة.
فقد أشار تعديل ميزانية 2026 إلى خفض مخصصات مدنية بنحو 3% لاستيعاب الزيادة في الإنفاق العسكري، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى تعويض الشركات والأسر وتمويل الاستجابة الصحية والاجتماعية.
كما ذكرت وزارة المالية الإسرائيلية أن 12 مليار شيكل (3.6 مليارات دولار) خصصت لخطط التعويضات عن الأضرار المباشرة ودعم الشركات التي تراجعت إيراداتها، وتعويض العاملين الذين أُجبروا على إجازات غير مدفوعة، إضافة إلى مليار شيكل (300 مليون دولار) لتغطية تكاليف مدنية أخرى تشمل تشغيل المستشفيات وخدمات الطوارئ والرعاية الاجتماعية.
ويقول عطياني إن جزءا من الأموال التي كانت مرصودة للقطاعات المدنية في موازنة 2026 سيتحول إلى الإنفاق العسكري، وهو ما ستكون له انعكاسات على الخدمات العامة والرفاه الاجتماعي والبنية التحتية.
ويشير إلى أن الأثر لا يقتصر على الموازنة المركزية، بل يمتد إلى تعويضات الأضرار، وإلى الضغوط الناتجة عن تضرر نحو 5 آلاف مبنى، وتسريح عمال أو دفعهم إلى إجازات بلا راتب، وإغلاق شركات وتراجع أنشطة اقتصادية كاملة. وبهذا المعنى فإن الحرب لا تعني فقط زيادة في بند الدفاع، بل إعادة توزيع ضمنية للموارد على حساب الاستهلاك المدني والاستثمار الاجتماعي.
أما فندي فيعتبر أن قطاعات مثل السياحة والخدمات والبناء تعرضت لضربة مزدوجة، مع تراجع الطلب من جهة وارتفاع تكلفة التمويل من جهة أخرى. ويضيف أن قطاع البناء كان يواجه أزمة بالأساس بسبب نقص العمالة قبل الحرب، وأن استمرار الفائدة المرتفعة قد يقود إلى إفلاس مزيد من المستثمرين، مما يجعل أثر الحرب على الاقتصاد الحقيقي أوسع من مجرد تراجع مؤقت في النشاط.
على المدى القصير، تخلق الحرب بيئة اقتصادية معقدة تجمع بين تباطؤ النمو وارتفاع التكاليف، إذ لا تقتصر تداعياتها على الانكماش، بل تمتد إلى ضغوط تضخمية ناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد ونقص العمالة بفعل التعبئة العسكرية، في وقت تتزايد فيه المخاطر التضخمية رغم ضعف النشاط الاقتصادي.
ويشير عطياني إلى أن الأثر سيظهر في انكماش أوضح للناتج المحلي وفي زيادة ناجمة عن الإفراط في الإنفاق الحكومي، خصوصا أن الحرب لم تتوقف بصورة نهائية وأن احتمالات عودة التصعيد لا تزال قائمة. ويرى أن صورة "الاقتصاد المتماسك" قد تخفي خلفها مشكلات داخلية ستظهر أكثر في المدى القريب والمتوسط، خاصة في قطاعات البناء والخدمات والتكنولوجيا.
وفي هذا الإطار يشير فندي إلى مفارقة لافتة داخل الاقتصاد الإسرائيلي، إذ يظل قطاع التكنولوجيا، ولا سيما التكنولوجيا العسكرية والسيبرانية، القاطرة الأقوى نسبيا، مدفوعا بزيادة الطلب الأوروبي على هذه الخدمات.
لكنه يقول في المقابل إن هذا الصعود لا يعوض كامل الضرر، بل قد يوسع الفجوة الاجتماعية بين العاملين في التكنولوجيا وبقية القطاعات، خاصة مع خروج عائلات وكفاءات من القطاع إلى الخارج في العامين الماضيين، فضلا عن تأثر الشركات المصدرة بتحركات سعر الصرف.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة