في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تتسارع ملامح المأساة في جنوب لبنان تحت وقع غارات إسرائيلية متواصلة منذ أكثر من شهر، وسط تهديدات بإخلاء مناطق واسعة جنوبي نهر الزهراني، مما دفع مئات الآلاف إلى النزوح وترك مدن بأكملها تواجه مصيرها بين الدمار والغياب.
وفي هذا السياق، رصد مدير مكتب الجزيرة في لبنان مازن إبراهيم من مدينة صور تفاصيل المشهد الإنساني المتفاقم، حيث تختلط صور الحياة اليومية بمشاهد الموت، وتتداخل الحكايات الفردية مع سردية جماعية تختصر حجم الكارثة التي يعيشها الجنوب اللبناني.
تبدو صور من بعيد مدينة هادئة، تستلقي على شاطئها تحت سماء مثقلة بالغيوم، لكن هذه السكينة سرعان ما تنكسر على وقع انفجارات عنيفة تعيد رسم ملامحها بالدخان والركام، وتحوّل مشهدها الساحلي إلى واجهة مفتوحة على الخطر.
وفي قلب المدينة، تتكثف الحكاية الإنسانية في مشاهد الفقد، حيث تودّع فاطمة والدها أحمد المسعف الذي قضى جراء القصف، في لحظة تختصر قسوة الحرب وتكشف كيف تتحول حياة كاملة إلى ذكرى في لحظة واحدة.
يُكفّن أحمد على عجل، ويُكتب اسمه على كفنه كأنها آخر محاولة لتثبيت هويته في مواجهة محوٍ متسارع، في حين يشيّعه المسعفون بهتافات وداع تختلط فيها مشاعر الحزن بالعجز، قبل أن يُنقل إلى مثواه المؤقت.
لا تجد الجثامين طريقها إلى مدافنها الأصلية، بل تُوارى في قبور مؤقتة مرقمة، تنتظر عودة مؤجلة إلى بلداتها، في مشهد يعكس قسوة النزوح حتى بعد الموت، حيث تتحول الأرض إلى مستودع مؤقت للذكريات.
ويصف أحد الأهالي هذه القبور بأنها "أمانة"، مؤكدا أن الشهداء سيُعاد دفنهم في مسقط رؤوسهم، في تعبير عن تمسك عميق بالأرض والانتماء رغم قسوة الظروف التي فرضت هذا الواقع المؤقت.
في الأحياء السكنية، يروي الركام قصصا صامتة عن حياة كانت عامرة قبل أن تتحول إلى أكوام من الحجارة، حيث تحاول ميرفت استعادة ما تبقى من منزلها، بعد أن دمره القصف رغم تلقيهم إنذارا بالإخلاء.
وتستعيد ميرفت لحظة الضربة التي وقعت بعد نزوحها بساعات، بينما تكشف ملامحها عن صدمة لا تزال حاضرة، وهي تبحث بين الأنقاض عن مقتنيات لم تعد موجودة، في محاولة يائسة لترميم ذاكرة مهدمة.
داخل منزل متضرر جزئيا، تجلس ميرفت إلى جانب شقيقتها ناديا التي فقدت جزءا من قدمها، ورغم ذلك ترفضان مغادرة المدينة متمسكتين بما تبقى من حياتهما، في مواجهة واقع يزداد قسوة يوما بعد يوم.
وفي مرفأ صور، يخيم صمت ثقيل على القوارب الراسية، حيث توقف البحر عن كونه مصدر رزق وتحول إلى مساحة قلق مع عجز الصيادين عن الإبحار وتراكم شباكهم في مشهد يعكس شللا اقتصاديا كاملا.
يقول الصياد علي إنه غير قادر على العمل أو الإبحار مما يهدد مصدر رزقه الوحيد، مضيفا أن ارتباطه بالبحر يجبره على البقاء رغم المخاطر في ظل غياب أي بدائل معيشية في زمن الحرب.
وسط هذه المشاهد، تحلق الطائرات المسيّرة في السماء بينما ترفرف أعلام ممزقة فوق القوارب، في دلالة على واقع هش تتقاطع فيه مؤشرات التصعيد مع مخاوف من تغييرات أعمق قد تطال الجغرافيا والديموغرافيا.
ومنذ 2 مارس/ آذار الجاري، تشن إسرائيل عدوانا جويا واسعا على لبنان، مما أسفر عن نحو 1400 قتيل وأكثر من 4 آلاف جريح، وبالتوازي تنفذ قواتها توغلات برية. ويخوض حزب الله مواجهات ضارية مع القوات المتوغلة في جنوب لبنان، وقد كبدها حتى الآن ما لا يقل عن 11 قتيلا وعشرات الجرحى.
المصدر:
الجزيرة