شكل إسقاط طائرة مقاتلة أميركية فوق إيران، مع إعلان إنقاذ أحد الطيارين واستمرار البحث عن الآخر المفقود، تطورا لافتا في مسار التصعيد بين واشنطن وطهران.
وبينما تتحرك القوات الأميركية على وجه السرعة للوصول إلى الملاح الذي لا يزال مصيره مجهولا ، يبرز سؤال أساسي يتجاوز الحدث العسكري نفسه: ماذا يفعل الطيار عندما يجد نفسه فجأة على أرض معادية؟ وكيف يمكنه أن يبقى على قيد الحياة إلى حين وصول فرق الإنقاذ؟
في هذا السياق، يوضح الجنرال الأميركي المتقاعد هيوستن كانتويل، الذي يعمل حاليا في معهد ميتشل لدراسات الفضاء الجوي، أن أول ما يواجهه الطيار هو صدمة التحول المفاجئ. فخلال لحظات، ينتقل من التحليق بسرعة تقارب 800 كيلومتر في الساعة إلى مواجهة خطر مباشر، بعد انفجار صاروخ على مسافة قريبة جدا منه.
ويشرح كانتويل في حديث لوكالة "فرانس برس" أن رد الفعل الاول يكون أشبه بصدمة ذهنية، إذ يستوعب الطيار فجأة أنه لم يعد داخل الطائرة، بل في وضع بقاء كامل، ما يفرض عليه الانتقال سريعا إلى تطبيق ما تدرب عليه.
ويشرح كانتويل أن الطيار، عند تعرض طائرته لإصابة لا تؤدي إلى تدميرها فورا أو لخلل تقني يجعل سقوطها محتما، يقوم بتفعيل نظام القذف الذي يدفع المقعد إلى خارج قمرة القيادة بسرعة هائلة، ما يمنحه فرصة النجاة.
ويشير إلى أن الطيار، وبمجرد خروجه من الطائرة، يبدأ مباشرة بتطبيق ما تدرب عليه ضمن برنامج البقاء والتخفي والمقاومة والفرار، المعروف اختصارا باسم "سيري" (SERE).
ويضيف أن هذا التدريب لا يبدأ بعد الهبوط فقط، بل ينطلق فعليا منذ لحظة النزول بالمظلة ، حيث يبدأ الطيار باتخاذ قرارات مبكرة تساعده على تجنب العدو وزيادة فرص نجاته.
يشير كانتويل إلى أن مرحلة الهبوط بالمظلة ليست مجرد انتظار للوصول إلى الأرض، بل هي لحظة حاسمة لجمع المعلومات. فمن خلال الارتفاع، يمتلك الطيار أفضل زاوية رؤية لتحديد المكان الذي قد يتجه إليه أو يتجنبه.
هذه الثواني تسمح له بتقييم طبيعة المنطقة، سواء كانت مأهولة أو مفتوحة أو خطرة، واختيار مسار أولي يساعده بعد الهبوط.
رغم أن المظلة تؤمن النزول، إلا أن الهبوط بحد ذاته قد يكون عنيفا. ويحذر كانتويل من أن الطيار قد يتعرض لإصابات في القدم أو الكاحل أو الساق، وهو ما حدث في حالات كثيرة، خصوصا خلال حرب فيتنام.
ولهذا، فإن أول خطوة بعد الوصول إلى الأرض هي تقييم الحالة الجسدية بشكل فوري، عبر طرح سؤال بسيط: هل يمكنني التحرك؟، معتبرًا أن "الإجابة على هذا السؤال تحدد كل ما يليها من قرارات|.
إذا كان الطيار قادرا على الحركة، يبدأ مباشرة بمحاولة تحديد موقعه، ومعرفة ما إذا كان خلف خطوط العدو، ثم البحث عن مكان مناسب للاختباء.
في هذه المرحلة، يؤكد كانتويل أن الهدف الاول هو تجنب الوقوع في الأسر لأطول فترة ممكنة، عبر تقليل الظهور والابتعاد عن المناطق المكشوفة، واختيار مسارات تقلل احتمالات رصده.
وفي البيئات الصحراوية، تبرز مشكلة إضافية تتمثل في الحاجة إلى الماء، ما يجعل البقاء لفترة طويلة أكثر صعوبة.
يحمل الطيار معه حقيبة صغيرة تكون مثبتة في المقعد القاذف أو على بدلة الطيران، تحتوي على مواد غذائية أساسية، مياه، معدات للبقاء، وأجهزة اتصال.
هذه الادوات لا توفر الراحة، لكنها تمنح الطيار الحد الادنى من القدرة على الصمود، ومحاولة تسهيل عملية العثور عليه.
كما أشار كانتويل إلى أنه كان يحمل أيضا مسدسا خلال قيادته لطائرة أف-16.
بالتوازي مع محاولة الطيار البقاء، تبدأ القوات التابعة له بتنفيذ عمليات بحث وإنقاذ قتالي، عبر فرق متخصصة تكون في حالة جهوزية دائمة.
ويؤكد الرقيب الأول المتقاعد سكوت فالز، الذي شارك في عملية "بلاك هوك داون" في مقديشو عام 1993، أن أي مهمة عسكرية تتضمن دائما خطة مسبقة للبحث والإنقاذ.
وتعتمد عمليات البحث على جمع وتحليل كمية كبيرة من المعلومات الاستخباراتية، تشمل مصادر بشرية، صورا جوية، طائرات مسيرة، وإشارات مختلفة، بهدف تحديد موقع الطيار بدقة، فكل هذه الوسائل تعمل معا لمحاولة الوصول إليه بأسرع وقت ممكن.
عند تحديد الموقع، تتحرك فرق الإنقاذ عبر المروحيات، وخلال الرحلة يتم وضع خطة آنية للتعامل مع الوضع.
ويوضح فالز أن الرماة يراقبون التهديدات، والطيارين يبحثون عن مكان مناسب للهبوط، بينما يتم التواصل مع الطيار للتأكد من موقعه.
ويشير إلى أنه عند الوصول إليه، يتم التحقق من هويته، وتقييم حالته الطبية، ثم تقدير مستوى الخطر المحيط.
ويضيف أن الفريق يتخذ بعد ذلك قرارا سريعا بشأن الخطوة التالية: هل يمكن تقديم علاج في المكان، أم يجب الانسحاب فورا بسبب التهديد؟
ويؤكد أن هذا القرار يعتمد على الوقت المتاح، طبيعة الاصابات، ومستوى الخطر في المنطقة.
رغم كل الجهود، يبقى للطيار دور أساسي في نجاح العملية. فهو مطالب بالوصول إلى مكان يمكن إخراجه منه بسهولة.
في المدن، قد يكون ذلك سطح مبنى، وفي المناطق الريفية قد يكون حقلا مفتوحا يسمح بهبوط المروحيات، مع تفضيل تنفيذ عملية الإنقاذ ليلا لتأمين غطاء إضافي.
وفي النهاية، لا تعتمد النجاة فقط على سرعة وصول فرق الإنقاذ، بل على ما يقوم به الطيار منذ اللحظة الاولى، من قراءة محيطه، إلى التخفي، إلى اتخاذ قرارات دقيقة تساعد على بقائه حيا حتى الوصول إليه.
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة