آخر الأخبار

أطراف مبتورة وعزيمة صلبة.. أمهات غزة يصنعن فرحة العيد

شارك

غزة- ترجّلنا من السيارة، وأكملنا الطريق مشيا على الأقدام، كلما اقتربنا من الخط الأصفر المقابل لقوات الاحتلال الإسرائيلي، بدا الخوف من المكان كافيا في ظننا، إلى أن قادنا الطريق إلى مخيم تتوسطه خيمة مهترئة، لا تسترها سوى أقمشة بالية موصول بعضها ببعض بخيوط واهنة، ولم نكن نعرف أن ما ينتظرنا خلف تلك الأقمشة، أثقل من الطريق وأقسى من الخوف.

في بيوت غزة المصابة بالفقد، يصل العيد ناقصا، ومتعبا، ومحفوفا بغيابات لا تُحصى، لكن الأمهات، حتى وهنّ فاقدات الأطراف أو مثقلات بالإصابة، ما زلن يتمسّكن بدورهن الأخير بألا يُسلّمن أطفالهن للخسارة كليا، وألا يتركن الفرح يغادر البيت كله.

فقد مثقل بالوجع

وهناك بدأت شروق جمال الجرجاوي تروي كيف انحدرت حياتها من فقد إلى آخر، فمنذ استشهاد زوجها أمام عينيها في 18 ديسمبر/كانون الأول 2023، اتخذت من مجمع الشفاء الطبي ملاذا ومأوى، قبل أن تصيبها الحرب مجددا بعد 7 أشهر، حين قُصف المنزل الذي كانت فيه ليل 31 أغسطس/آب 2024، فاستشهد من فيه جميعا، ولم ينجُ سوى هي وابنها.

مصدر الصورة بما تبقى لها من قدرة، تحاول شروق أن تتمسك بكونها فتاة شابة، وألا تنتزع الإصابة منها حبها للطبخ وما يمثله لها من حياة عادية (الجزيرة)

أمضت شروق يومين في العناية المركّزة، ثم خضعت لعمليات جراحية 11 يوما، لتخرج بجسد مثقل بالإصابة وحياة أشد قسوة، أفقدتها طرفيها السفليين؛ ساقا كاملة من طرف، وقدما من الطرف الآخر.

ومنذ ذلك الحين، تعيش شروق في خيمة في حي الشجاعية ب مدينة غزة، وتعتمد على عربة كهربائية في تنقلها وقضاء احتياجاتها اليومية، بعد أن صار أبسط ما في الحياة عبئا يحتاج إلى جهد مضاعف.

مصدر الصورة لم تستسلم شروق للهزال؛ تواري وجعها خلف فرحة محسن، وتمنح تهيئته للعيد ما بقي لها من قوة (الجزيرة)

تابعنا شروق وهي تحاول أن تُلبس طفلها محسن (3 أعوام)، ما ابتاعته له من السوق، كأنها بذلك تحاول إنقاذ ما تبقى من فكرة العيد، حتى أنجزت ذلك بتعب بالغ، وهي تحاول أن تضبط حركة طفلها الصغير المشاغب، الذي لا يستقر طويلا في مكانه.

إعلان

كانت يداها ترتجفان وهي تحاول إتمام ما بدأت، ولا يبدو أن ما يبقيها متماسكة وسط هذا الخراب إلا طفلها، إذ تقول معبرة عن شدة حبها له "السلوى الوحيدة التي لا تزال تصبرني. وأريد فقط أن يشعر بأن العيد جاء".

وعلى قسوة ما أصبحت تتطلبه طقوس تجهيز طفلها للعيد من جهد مضاعف، لا تخفي شروق ما يتسلل إلى قلبها من فرح وهي تتهيأ لهذه المهمة الشاقة، فالتعب، مهما اشتد، يظل أهون عندها من أن يمر العيد على صغيرها خاليا من معناه. وقالت شروق والدموع تكاد تسقط من عينيها الذابلتين "لا أريد أن يفقد ابني كل شي فجأة".

مصدر الصورة تختصر شروق طبقات الفقد كلها: زوجٌ شهيد، وبيتٌ مهدّم، وقدمان مبتورتان؛ وما زالت تجمع بيديها ما تناثر من حياتها، وتحرس ما تبقى (الجزيرة)

ولا يمر يُتم محسن في حياة شروق كفكرة مجردة، بل مواقف تكشف حجم ما خسره طفلها مبكرا، وتستعيد باكية واحدة من أقسى تلك اللحظات، حين توقف يوما عند طفل يحمله والده على كتفيه، ثم طلب من أمه فعل الشيء ذاته، وكأن اليتيم الصغير كان يبحث عن بديل يرمم به نقصا أكبر من عمره.

لا تكف شروق عن البحث لنفسها عن موضع فاعل داخل البيت، حتى وهي مثقلة بالعجز، فلا تنكفئ تماما إلى دور المتلقية للمساعدة، بل تسعى إلى مؤازرة أمها وأختها بما تستطيع من أعمال المنزل، وكأنها بذلك ترد لهما بعض ما غمرتاها به من عون.

وتحرص على أن تكون الجزء الأدفأ في حياة محسن؛ تشاركه ألعابه المفضلة، ويتبادلان كرة القدم في ممرات المخيم بفرح غامر، ثم توازن يومه بين الترفيه والتعلّم وقراءة القصص، كأنها بذلك تحرس ما تبقى من طفولته.

ليلة لا تنسى

أما غدير رجب (30 عاما) -وهي أمّ لثلاثة أطفال- فلم تكن تروي ليلتها بوصفها حادثة عابرة، بل باعتبارها جرحا مفتوحا لا يزال يقيم في تفاصيل يومها. بعد نزوحها من خيمتها إلى منزل جيرانها في بيت لاهيا شمال مدينة غزة، باغتها القصف عند الثالثة فجرا، لتجد نفسها في لحظة واحدة أمام إصابة غيّرت مجرى حياتها كله.

مصدر الصورة تتمسك غدير بالحياة كما تتمسك بتفاصيل أطفالها؛ ترى أن فقدها لن يوقفها، وأن أمومتها ستبقى أقوى من الإصابة ومن كل ما يحاول أن ينتزعها من يومها العادي (الجزيرة)

وخلال حديثها، قاطعنا طفلها الصغير بعينين مسمّرتين في المشهد، قبل أن يختصر الليلة كلها بجملة واحدة "هذه الليلة لا أنساها طوال حياتي"، كان هو نفسه مصابا بالحروق، وتصارع أمه إصابة كان يمكن، في ظروف علاجية مختلفة، أن تُبقي على قدمها. لكن نقص العلاج، إلى جانب النزوح القسري للمستشفى، دفع الأطباء إلى بترها.

ولا تنتهي خسارة غدير عند حد الإصابة، فعبد الرحمن حمدونة، الذي تولى نقلها ومحاولة إيصالها إلى مجمع الشفاء الطبي، وأصرّ على خروجها للعلاج، استشهد الأسبوع الماضي، هكذا، بدا لها أن الوجع لم يكن واحدا؛ فحتى اليد التي امتدت لإنقاذها، طالتها الحرب كذلك.

وحين بلغت هذه النقطة من الحكاية، غلبها البكاء، فقطعنا الحديث مخافة أن نثقل عليها أكثر، وانتقلنا إلى مواضيع أخرى، لكن ما كانت تقوله قبل دموعها كان كافيا ليكشف مقدار ما انكسر في حياتها، فهي تتمنى أن يعادُ الزمن وتقيم طقوس العيد وتجهز لأطفالها ملابسهم وألعابهم، وأن تلاحق تفاصيلهم الصغيرة كما اعتادت.

مصدر الصورة تواصل غدير العناية بدراسة أبنائها رغم الإصابة (الجزيرة)

ومع ذلك، لا تستسلم غدير تماما لهذا العجز، فبرغم ضعفها لا تزال تحاول أن تقدم لأطفالها كل ما تستطيع، لأن شعورها بعدم قدرتها على تلبية طلباتهم يؤلمها بشدة. وفي لحظة تختصر الفقد كله، تقاطعها ابنتها زينة ببراءة موجعة "أتمنى أن تأتي أمي للمدرسة مثل قبل، لكن أعرف أنها مريضة ولا تقدر".

إعلان

هؤلاء أطفال لا يزالون في أمسّ الحاجة إلى رعاية أمهم، لكنهم حُرموا منها في وقت كانت فيه هي نفسها في أوج شبابها. وكانت غدير، قبل أن تصيبها الحرب، شغوفة بالتميُّز والنجاح، حريصة على متابعة دراسة أبنائها والاهتمام بمستقبلهم، ولا تنسى، وسط كل هذا، أن تذكر دور أمها في مساندتها وحمل شيء من هذا العبء عنها.

ثم أخذت تقلب صور الذكريات في هاتفها، واحدة بعد أخرى، كأنها تنبش ما تبقى من حياة سابقة، ومستقبل نُسف، ومنزل صار ركاما، وصحة واهنة، وعطاء لم يعد كاملا كما كان.

تمضي أمّ شروق كجبلٍ شامخ؛ معيلة لابنتها، وأمًّا ثانية لمحسن (الجزيرة)

شعور العجز والقهر

وبالنسبة لسماح، لا يطل العيد من باب الملابس والتفاصيل الصغيرة بقدر ما تراه في العجز اليومي في رعاية رضيعها محمد كما تتمنى، منذ ولادته، لأنها تعيش بجسد مبتور ورضيع وُلد بعد إصابتها بهجوم إسرائيلي قرب منزلها في مخيم الشاطئ بأسابيع قليلة، مما أدى إلى بتر يدها اليمنى وإصابة بالغة في قدمها تهدد ببترها.

ومنذ ذلك الحين، لم تعد سماح قادرة على إرضاعه أو رعايته بمفردها، فصار زوجها إيهاب سندها اليومي في العناية به وبإخوته. ومع ذلك، لا تتوقف عن محاولة انتزاع دورها في الأمومة بما تبقى لها من قدرة؛ تحاول حمل صغيرها، وإشعاره بقربها، وتثبيت زجاجة الحليب عند فمه بما استطاعت، كأنها تحاول ألا يتحول عجزها الجسدي إلى غياب كامل عن طفولته الأولى.

وتبكي سماح كلما شعرت بأنها لا تستطيع احتضان فرحة أطفالها كما ينبغي، أو أن تُسدي لهم ما كانت تتخيله من عطاء. وأهم ما تسعى إليه الآن هو تلبية احتياجاتهم الأساسية، ولو كان ذلك أقل مما تتمنى، وهي تحاول ألا يمر العيد على بيتها خاليا تماما من معناه.

في غزة، لا يصل العيد إلى بيوت كهذه كاملا؛ بل محمولا على أجساد منهكة، وغيابات لا تلتئم، وأمهات يحاولن، بما تبقى من قوة، حماية أطفالهن من أن يرثوا الخسارة كليا. وبين شروق وغدير وسماح، تتكشف حكاية أوسع من 3 حالات فردية، قصص أمهات فقدن كثيرا، لكنهن ما زلن يتمسكن بدورهن الأخير، بألا يتركن الفرح يغادر قلوب أطفالهن تماما.

لا تكف شروق عن البحث لنفسها عن موضع فاعل داخل البيت، حتى وهي مثقلة بالعجز (الجزيرة)

رصدت الجزيرة نت مسار شروق في تحضيرات العيد؛ خروجًا مثقلًا، وانتظارًا مرهقًا، وكلفة جسدية مضاعفة (الجزيرة)

تحرص شروق على أن تكون الجزء الأدفأ في حياة محسن؛ تشاركه ألعابه المفضلة، وتقرأ له القصص (الجزيرة)

وسط العناء التقطت الجزيرة نت أخيرًا ابتسامة شروق لاقتنائها ما سيسعد طفلها في العيد (الجزيرة)

يبقى حضن غدير ملاذ أبنائها الأول (الجزيرة)
لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا