قد تبدو الفقرة الرابعة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة مجرد جملة قصيرة، لكنها تعتبر "ركيزة القانون الدولي الحديث" - وخطه الأحمر. وذلك لأنَّها تُلزم جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بـ"الامتناع في علاقاتها الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة". وهذه المادة تم وضعها بعد الحرب العالمية الثانية بهدف الحفاظ على السلام والاعتماد على المفاوضات كإجراء معياري لحل النزاعات، بدلًا من النزاعات المسلحة.
ومنذ ذلك الحين تم الاستناد إلى الفقرة الرابعة من المادة الثانية في أزمات جيوسياسية كبرى - من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط ، بينما كانت الأطراف المتنازعة تفسرها بحسب رؤيتها الخاصة.
برّرت الولايات المتحدة الأمريكية و إسرائيل " ضرباتهما الاستباقية " الأخيرة ضد إيران في 28 شباط/فبراير 2026 بأسباب من بينها ضرورة "تقييد برنامج إيران الصاروخي" و"إنهاء دعمها للجماعات الإرهابية". وفي المقابل يرى النقاد أنَّ هذه الأسباب لا تندرج تحت استثناءات ميثاق الأمم المتحدة، ويشيرون إلى أنَّ هناك هيئات معينة فقط في الأمم المتحدة - وخاصة مجلس الأمن - يمكنها اتخاذ قرارات ملزمة تحدّد متى يكون استخدام القوة قانونيًا.
أنصار الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو يحتجون على اختطافه من قبل الولايات المتحدة الأمريكيةصورة من: Humberto Matheus/Sipa USA/picture alliance
وقد دفع هذا التدخل أيضًا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى التحذير من أنَّ سيادة القانون في أنحاء العالم باتت "تُستبدل بشريعة الغاب".
لم تكن توجد قبل عام 1945 أية قواعد عامة تمنع الدول من استخدام القوة. وكانت الحروب تندلع مرارًا وتكرارًا، ولم تكن توجد سوى مؤسسات قليلة فقط قادرة على منع النزاعات.
وأدى الفشل المتكرر في احتواء الاعتداءات في بداية القرن العشرين - والتي بلغت ذروتها في حربين عالميتين - إلى إقناع الدول بأنَّ السلام يتطلب قواعد قانونية ملزمة يمكن تطبيقها ضد استخدام القوة من طرف واحدة.
وهكذا تم توقيع ميثاق الأمم المتحدة في 26 حزيران/يونيو 1945 في سان فرانسيسكو. وكانت في الوقت نفسه معاهدة التأسيس التي أنشأت الأمم المتحدة وألزمت أعضاءها بإطار قانوني جديد من أجل الحفاظ على السلام العالمي.
ميثاق الأمم المتحدة تم وضعه بهدف المساعدة في منع الحروبصورة من: akg-images/picture allianceوتصدَّرت الميثاق الفقرة الرابعة من مادته الثانية: "يمتنع أعضاء الهيئة جميعًا في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة أو على أي وجه لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة".
يوجد في ميثاق الأمم المتحدة استثناءان فقط لاستخدام القوة: "الدفاع عن النفس إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء الأمم المتحدة" (المادة 51)، وكذلك استخدام القوة بموافقة مجلس الأمن الدولي. وهذا المبدأ أصبح آلية الميثاق المركزية من أجل منع الدول القوية من استخدام القوة بحسب رأيها الخاص.
ومع ذلك فإنَّ الميثاق لم يضع تعريفًا واضحًا يعتبر الضربات الاستباقية أو التدخلات الإنسانية أو تغيير الأنظمة "استخدامًا للقوة". وهذا الإهمال أدى في وقت لاحق إلى العديد من النزاعات.
استخدمت الفقرة الرابعة من المادة الثانية في ميثاق الأمم المتحدة مصطلحات شاملة مثل "التهديد باستعمال القوة" و"استخدامها"، استنادًا إلى تكنولوجيا الحرب التي كانت معروفة في عام 1945. واليوم يمكن للهجمات السيبرانية أن تؤدي إلى شلل البنى التحتية، ويمكن للمسيّرات تنفيذ هجمات دقيقة تتجاوز الحدود من دون تعريض المعتدين للخطر. وإذا كانت هذه العمليات تسبب دمارًا أو اضطرابات تشبه التي يسببها هجوم تقليدي، فعندئذ تندرج تحت الفقرة 4 من المادة 2. ولكن إذا لم تتسبب هذه العمليات بأضرار مادية واسعة النطاق، مثلًا من خلال سرقة البيانات أو التجسس، فعندئذ لا تنطبق هذه الفقرة من ميثاق الأمم المتحدة.
الهجمات بالمسيّرات التي تسبب أضرارًا كالأضرار الناجمة عن الحرب التقليدية يمكن اعتبارها انتهاكًا للقفرة الرتابعة من للمادة الثانية في ميثاق الأمم المتحدةصورة من: Isa Harsin/SIPA/picture allianceويكتنف الغموض أيضًا منطقة رمادية ثانية تتعلق بالسؤال: متى يجوز لدولة استخدام القوة للدفاع عن النفس. المادة 51 تسمح بذلك فقط بعد "اعتداء مسلح" - وهو مصطلح يستخدمه الميثاق لوصف "هجوم عنيف" وكبير، على غرار الحروب في منتصف القرن العشرين.
وبناءً على ذلك فإنَّ الكثير من العمليات الحديثة - مثل الهجمات العابرة للحدود وعمليات القتل المستهدف والهجمات السيبرانية وغارات المسيّرات ذات الآثار المادية المحدود - ربما لا تشكل "اعتداءً مسلحًا" بمعنى الدفاع عن النفس.
ومفهوم الدفاع عن النفس يثير أيضًا أسئلة حول الضرورة والتناسب، كما تظهر ردود الفعل على رد إسرائيل على هجمات حماس الإرهابية في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023: كان من الواضح أنَّ لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها، لكن حجم عملياتها العسكرية الانتقامية أثار جدلًا حادًا. وحتى الآن لا تزال محكمة العدل الدولية تنظر في قضية تتعلق بالسؤال ما إذا كانت إسرائيل قد ارتكبت أو ترتكب إبادة جماعية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة.
وأخيرًا يوجد أيضًا مجلس الأمن. الفقرة الرابعة من المادة الثانية تعد بساواة سيادية، ولكن مجلس الأمن يمنح أعضائه الخمسة الدائمين المتمتعين بحق النقض (الفيتو) - الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وروسيا والصين و فرنسا - صلاحيات استثنائية لتحديد متى يكون استخدام القوة قانونيًا. وعند ما تتم عرقلة المجلس من خلال استخدام أحد أعضائه الدائمين حق الفيتو، فعندئذ تعمل الدول ببساطة وتبرّر أفعالها في وقت لاحق.
منحوتة برونزية للفنان السويدي كارل فريدريك رويترزوارد، تعرف باسم تمثال "اللاعنف" وتصوّر مسدسًا بسبطانة معقودة أمام مقر الأمم المتحدة في نيويوركصورة من: Daniel Kalker/picture allianceوالفقرة الرابعة من المادة الثانية في ميثاق الأمم المتحدة تصدّرت الكثير من النزاعات العسكرية المثيرة للجدل، والتي نذكر بعضها فيما يلي:
أدان مجلس الأمن الدولي بعد ساعات قليلة احتلال الكويت ومحاولة ضمها من قبل العراق في آب/أغسطس 1990، وطالب بانسحاب العراق من الكويت. ووافق المجلس أيضًا على استخدام القوة لمواجهة الغزو العراقي - من دون الاستناد بوضوح إلى الفقرة الرابعة من مادة الميثاق الثانية.
وبدورها أصرّت بغداد على أنَّ الكويت تعدّ تاريخيًا جزءًا من العراق، واتهمتها بتخريب الاقتصاد العراقي. ولكن لم توفّر أية حجة من هاتين الحجّتين أساسًا قانونيًا لتجاوز العراق حدوده الدولية مع الكويت باستخدام القوة العسكرية.
على الرغم من أنَّ الغارات الجوية التي قام بها حلف الناتو في كوسوفو عام 1999 مثيرة للجدل بموجب القانون الدولي، لكن غالبًا ما ينظر إليها باعتبارها تدخّلًا إنسانيًا. وكان الهدف من هذه الهجمات هو وقف ارتكاب الفظائع الواسعة النطاق ضدّ ألبان كوسوفو. ولتبرير الهجمات قال مؤيدوها إنَّ عدم القيام بأي شيء كان سيسمح باستمرار التطهير العرقي.
بيد أنَّ هذه العملية تم تنفيذها من دون تفويض من الأمم المتحدة ومن دون الاستنااد إلى الدفاع عن النفس، وقد انتهكت بذلك "من الناحية التقنية" الفقرة الرابعة من المادة الثانية.
وفي وقت لاحق وصفتها اللجنة الدولية المستقلة لكوسوفو بأنَّها "غير قانونية ولكنها مشروعة"، وأكدت بذلك على التباين بين الضرورة الإنسانية والحظر التام في الميثاق لاستخدام القوة.
العراق لم يكن يمتلك أية أسلحة دمار شامل - ومع ذلك فقد كان هذا الادعاء هو المبرر لغزو العراق بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2003صورة من: Laura Rauch/AP Photo/picture allianceقامت الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وشركاؤهما في التحالف بغزو العراق في آذار/مارس 2003 من دون موافقة مجلس الأمن. ومن أجل تبرير الغزو ادعت واشنطن ولندن أنَّ العراق لديه أسلحة دمار شامل تشكّل تهديدًا مباشرًا، وأنَّ القرارات السابقة بشأن حرب الخليج تسمح ضمنيًا باستخدام القوة من جديد.
وهذا الادعاء لم يحصل على دعم دولي واسع، كما أنَّ مفتشي الأمم المتحدة لم يؤكدوا وجود أسلحة دمار شامل في العراق. وبعد الغزو، تبيّن أنَّ هذه الفرضية الأساسية للهجوم على العراق كانت غير مبررة، مما قوّض مبررات الغزو أكثر.
وفي وقت لاحق أوضح الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك كوفي عنان أنَّ الغزو الأمريكي للعراق "لا يتوافق مع ميثاق الأمم المتحدة".
روسيا تخوض حربًا ضد جارتها أوكرانيا منذ عام 2022صورة من: Marek Ladzinski/ZUMA/picture allianceتثير حرب روسيا ضد أوكرانيا انتقادات عالمية. وأقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا يدين الغزو الروسي ويطالب بانسحاب روسيا ، وتوصلت محكمة العدل الدولية إلى عدم وجود أي دليل معقول يدعم "تبرير روسيا الحرب بمنع إبادة جماعية".
وكانت موسكو قد ادعت من دون أدلة موثوقة أنَّ أوكرانيا ترتكب إبادة جماعية بحق الأشخاص الناطقين بالروسية في منطقتي دونيتسك ولوهانسك، وأنَّ سبب غزو روسيا لأوكرانيا إنساني هدفه منع هذه الإبادة. ورفضت هيئات الأمم المتحدة جميع هذه الحجج، وكذلك لم تقبل معظم الدول بهذا التبرير الروسي.
أعده للعربية: رائد الباش
تحرير: عبده جميل المخلافي
المصدر:
DW