تكتنف “الخطة الشاملة لإنهاء الصراع في غزة” ثغرات تثير قلق الخبراء والمراقبين، لاسيما في ملفاتها الأمنية المعقدة التي تبدو منفصلة عن الواقع الميداني.
وتبرز في صدارة هذه الهواجس، المتعلقة بالخطة التي يقودها “مجلس السلام” الذي شكله الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، معضلة نزع سلاح الفصائل، وخصوصا “حماس” والجهاد الإسلامي، والاعتماد على قوة دولية لم يتبلور بعد دورها ولا “قواعد اشتباكها”، فضلا عن السعي لتشكيل قوة شرطة جديدة (غير ذات خبرة) في بيئة مشبعة بالسلاح، ما يهدد بتحويل القطاع إلى ساحة للفوضى المستدامة بدلا من الاستقرار المنشود.
ويبدو أن الملف الأمني هو الأكثر هشاشة في بنود الخطة. ويرى سمير حليلة، الاقتصادي الفلسطيني والوزير السابق، أن المسار الحالي يستنسخ “النموذج العراقي” لعام 2003 الذي أدى إلى انهيار الدولة. ويعتبر حليلة أن الإعلان عن تجنيد حوالي 2,000 شرطي من الشباب وتدريبهم سيحتاج وقتا لا يقل عن ستة أشهر، في حين يظل مستقبل حوالي 16,800 من شرطة السلطة الفلسطينية في غزة (بالإضافة إلى قوة الشرطة المدنية السابقة التابعة لحماس) غامضا وغير واضح.
يقول حليلة إن الخطة تذكّر بقرار الولايات المتحدة في عام 2003 حل الجيش العراقي وفق قانون “اجتثاث البعث”، على حد تعبير حليلة. ويحذر من تداعيات هذا التهميش المتعمد للقوى القائمة. يقول: “عمليا، عندما يكون هناك 30 ألف أو 40 ألف شخص في شوارع غزة مدربون على السلاح، ولا يملكون طعاما ولا عملاً، ولم يستخدمهموا في الخطة… فلمن تتركهم؟ سيتحولون إلى التطرف، وإذا حصلوا على أسلحة، فسينفذون عمليات. وهذا بالضبط ما حدث في العراق”.
أما على الصعيد الميداني الحالي، فقد بدأت المرحلة الأولى بالفعل بتسجيل 2,000 فلسطيني للخدمة في الشرطة الجديدة تحت إشراف وتدريب في مصر والأردن، بهدف الوصول إلى قوة قوامها 12,000 عنصر على المدى الطويل. وفي الوقت نفسه، لا تزال “اللجنة الوطنية لإدارة غزة” تعمل من العاصمة المصرية القاهرة، عاجزة عن ممارسة مهامها داخل القطاع بسبب التعقيدات الأمنية والقيود الإسرائيلية المستمرة، بما في ذلك الحظر المفروض على المواد “مزدوجة الاستخدام” الذي يعطل أي محاولة جدية لإعادة الإعمار.
يقتح حليلة هنا فك الحصار عن غزة وفتح المعابر لتطبيق الخطة. أما قوة الاستقرار الدولية، فبالرغم من التزام دول مثل إندونيسيا بتقديم 8,000 جندي، فدورها لايزال مبهما، وكذلك ما إذا كانت ستنفذ مهام رقابية أم ستقوم بفرض الأمن داخل أحياء غزة.
وتتعقد هذه الجهود بمطلب “نزع السلاح الكامل” الذي يفرضه “مجلس السلام”، والذي لن تقبل إسرائيل بأقل منه، فيما تتحدث حماس عن “جمع السلاح” وليس سحبه، وهو أمر يراه سمير حليلة غير قابل للتحقيق عبر التدخل العسكري الخارجي أو القوة الدولية المقترحة.
ويؤكد في تحليله للواقع الميداني أن “أي جهة إسلامية أو عربية لن تخاطر بخوض معركة من أي نوع – صغيرة كانت أم كبيرة- مع حماس”، مرجحا أن تلجأ الحركة إلى استراتيجية بديلة، وهي أن “تؤدي حماس هذا الدور (جمع أسلحتها) بمفردها، وستقوم بذلك بطريقة دبلوماسية” إذا ما توفرت الحوافز السياسية الكافية.
هذه الهشاشة في البناء الأمني والسياسي تعكس في جوهرها شروخا إقليمية وتجاذبات خلف الكواليس حول من يملك زمام المبادرة في “اليوم التالي”.
ويرى خبراء تحدثت إليهم “الحرة” أن الحساسية بين الإمارات والسعودية انعكست على تنفيذ الخطة، وأن الدور المحوري لأبو ظبي عبر، القيادي السابق في منظمة فتح، محمد دحلان والمقربين منه في اللجنة الوطنية، أدى إلى موقف سعودي يتسم بالكثير من الحذر. وقد تجلى هذا التحفظ في اقتصار مساهمة الرياض المالية على مليار دولار واحد فقط، وهو ما يفسره مراقبون برفض المملكة لسياسات “الترتيبات الخاصة” التي تتجاوز المؤسسات الرسمية للدولة، وتخوفها من أن تتحول إعادة الإعمار إلى ساحة لنفوذ الوكلاء بدلاً من ترسيخ استقرار مؤسسي دائم.
يرد حليلة الثغرات في الخطة أيضاً إلى تشتّت جهود وزارة الخارجية الأميركية والإدارة الحالية. فالمسؤولون في واشنطن، بحسب وصفه، “يتعاملون مع بوتين وأوكرانيا، ثم يهرعون إلى إيران، ثم يعودون إلى غزة”، مما يجعل الكادر المشرف على الملف “مشتتاً” وغير مدرك للتفاصيل الدقيقة والخطيرة التي تحكم استقرار غزة.
المصدر:
الحرة