أنقرة/بغداد- لوَّح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بإمكانية التحرك مجددا في شمال العراق، منتقدا استمرار تمركز حزب العمال الكردستاني هناك، وقال إن وجود عنصر مسلح آخر يفرض سيطرته على أراضٍ عراقية يضع مسألة السيادة على المحك، ويثير تساؤلات بشأن قدرة الدولة على بسط سلطتها.
وجاءت تصريحات فيدان في أنقرة، خلال مقابلة تلفزيونية مساء الاثنين، خُصص جزء مهم منها للملف العراقي وتداعيات الامتداد الإقليمي للقضية الكردية.
وقال إن الحزب الكردستاني "يحتل مساحات شاسعة من الأراضي العراقية"، متسائلا "كيف يمكن لدولة ذات سيادة أن تسمح بحدوث ذلك؟".
وفي إشارة بدت أقرب إلى إنذار سياسي مدعوم بخيارات ميدانية، توقَّع فيدان "تغييرات قريبة" في مناطق سنجار ومخمور و قنديل، مشددا على ضرورة أن تُظهر بغداد "إرادة واضحة" في التعامل مع التنظيم. وأضاف أن التنظيم لا يمكنه البقاء في قضاء سنجار، ولا ينبغي له.
كما عرض تصورا لآلية تحرك محتملة في سنجار، موضحا أن القضاء محاط بعناصر الحشد الشعبي، وأنه عقد نحو عشرين اجتماعا مع رئيس هيئة الحشد فالح الفياض. وقال إن تقدُّم الحشد برا بالتوازي مع تنفيذ تركيا عمليات جوية "قد يحسم الأمر خلال يومين أو ثلاثة"، واصفا العملية بأنها "بسيطة إلى هذا الحد".
في السياق، قال المنسق العام لـ"مركز الدراسات الأمنية التركي" جهاد إسلام يلماز إن أنقرة أنهت إلى حد كبير مسار دمج "قوات سوريا الديمقراطية" ( قسد) ضمن الترتيبات القائمة في شمال سوريا، وهو ما أتاح لها هامش حركة أوسع لإعادة ترتيب أولوياتها الأمنية الخارجية، وفي مقدمتها الوجود التابع لحزب العمال الكردستاني في العراق.
وأوضح يلماز، للجزيرة نت، أن التطورات الميدانية في سوريا خففت نسبيا من الضغط المباشر على تركيا في تلك الساحة، الأمر الذي دفع صانع القرار في أنقرة إلى تحويل تركيزه نحو العراق، مع توقع اتخاذ بغداد خطوات عملية وسريعة وملموسة لمعالجة هذا الملف.
وأشار المحلل إلى أن الحكومة العراقية، رغم إعلانها حزب العمال الكردستاني "تنظيما محظورا"، لم تتحرك بالوتيرة التي تطالب بها أنقرة في منطقتي سنجار وقنديل، مُرجعا ذلك إلى اعتبارات مؤسسية وسياسية متداخلة.
وبيَّن أن سنجار تُعَد منطقة ذات وضع جدلي وفق الدستور العراقي، إذ تقع ضمن المناطق المتنازع عليها بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان، مما يجعل أي تحرك أمني أحادي الجانب من بغداد محفوفا بحساسيات قانونية وسياسية.
ومن زاوية النظر التركية، قال يلماز إن بطء الاستجابة العراقية يعزز الانطباع داخل أنقرة بأن أولوياتها الأمنية لا تؤخذ بالجدية الكافية. وأكد أن تركيا أعلنت مرارا أنها لن تسمح بتحول سنجار إلى ما تصفها بـ"قنديل ثانية".
وفي حال استمرار بغداد في التحرك بوتيرة لا تلبّي التوقعات التركية، أشار يلماز إلى أن أنقرة تمتلك جملة من الخيارات، تبدأ بتكثيف الضغط الدبلوماسي، والعمل على إحياء الآليات الثنائية القائمة، ومنها الاتفاقات المتعلقة بترتيبات سنجار، عبر تنسيق أوسع مع أطراف دولية معنية.
كما تحدث عن إمكانية تعميق التنسيق الأمني مع حكومة إقليم كردستان في المجالات العملياتية، وصولا إلى إبقاء خيار العمليات عبر الحدود ضمن إطار ما تصفه تركيا بحقها المشروع في الدفاع عن أمنها.
من الجانب الآخر، رأى الخبير الأمني والإستراتيجي فاضل أبو رغيف التصريح التركي "تدخلا جديدا في الشأن الداخلي العراقي، كما أنه يُعَد خرقا للسيادة العراقية".
وكان حزب العمال الكردستاني قد وجد موطأ قدم له في منطقة سنجار -شمال غرب العراق- عقب سيطرة مقاتلي "تنظيم الدولة" على محافظة نينوى صيف عام 2014 ومحاولة مقاتلي التنظيم بسط سيطرتهم الكاملة على جبل سنجار الذي يقطنه الأيزيديون، مما حدا بعناصر حزب العمال الانتقال من الجانب السوري وتحديدا من أقصى مناطق شمال شرق سوريا في محافظة الحسكة نحو سنجار مستغلين عدم وجود قوات عراقية في ذلك الوقت.
وتابع أبو رغيف -المقرَّب من دوائر صنع القرار الأمني في بغداد- أن العراق كان قد بذل جهودا متقدمة في نزع سلاح حزب العمال بالتعاون مع الأمم المتحدة العام الماضي، وباتت قواته "خاملة" وغير فاعلة.
وقال إن كانت تركيا تريد استخدام "ذرائع سابقة" للتدخل في العراق وإعادة الأوضاع لما قبل اتفاقية لوزان لعام 1923، فإن ذلك يُعَد ضربا من الخيال، بحسب وصفه، لا سيما أن العراق يخضع لمعادلات دولية وإقليمية، فضلا عن ارتباط بغداد ب التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن.
وفي حديثه للجزيرة نت، أكد أبو رغيف أن تركيا لن تجرؤ على القيام بأي مغامرة كبيرة، وفي حال قيامها بتحرك محدود فإن ذلك لن يستمر طويلا على اعتبار أن الحدود العراقية التركية لا تفضي إلى منطقة سنجار بشكل مباشر، بما يتطلب من أنقرة اقتحام حدود دولة أخرى مثل سوريا، أو القيام بإنزال فرق عسكرية محمولة جوا في سنجار، وهو ما قد يؤدي إلى مجزرة في صفوف القوات التركية، على حد قوله.
وتابع أبو رغيف أن الوضع داخل العراق وسوريا محتقن ولا يتحمل أي ضغط، وأن على تركيا التحول إلى العمل الدبلوماسي المرن بدل التهديدات، لافتا إلى أن بغداد ماضية في تفعيل الدور الأممي لكبح جماح أي فعل تركي مستقبلا.
أما الباحث السياسي والإستراتيجي العراقي رعد هاشم، فأوضح أن لإيران دورا في ديمومة وجود حزب العمال في العراق، لا سيما أنه يُعَد ورقة استخدمتها نتيجة ضعف الموقف العراقي للضغط تجاه تركيا وإقليم كردستان في الوقت ذاته.
وفي حديثه للجزيرة نت، بيَّن هاشم أن العراق قد لا يمتلك حاليا أي هامش للتحرك ضد حزب العمال، لا سيما أن وجود مقاتلي الحزب في سنجار جاء ضمن معادلة توازن القوى الإقليمية، وأن هناك فصائل مسلحة عراقية محسوبة على إيران تدعم العمال الكردستاني لوجستيا وعسكريا وماديا لاتخاذ مواقف ضد تركيا، على حد قوله.
وعن إمكان تحرك العراق عسكريا ضد حزب العمال، يرى هاشم أن قرار الجيش العراقي يتبع القرار السياسي لبغداد، بانتظار ما ستؤول إليه الأوضاع الإقليمية والدولية في منطقة الشرق الأوسط.
أما عن احتمال ذهاب المنطقة نحو تصعيد عسكري، فلا يستبعد هاشم إمكان تحرك تركيا فعليا، لا سيما أن لديها إرادة قوية لذلك، وأن الوقت يمضي في مصلحة أنقرة لتطويق الجماعات الكردية المسلحة بعد التطورات في سوريا، وتوافق ذلك مع المزاج الأمريكي الحالي الذي يميل نحو تقليص وتحجيم الدور الكردي المسلح في المنطقة، وفق تعبيره.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة