طهران- في ظل التوتر المتصاعد بين طهران وواشنطن، عاد ممثلو البلدين إلى طاولة المفاوضات بالعاصمة العُمانية مسقط. ورغم أن الجولة الجديدة توّجت بلقاء مباشر قصير جمع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بالمبعوثَين الأمريكيَّين ستيف ويتكوف و جاريد كوشنر، بيد أن الأوساط السياسية في طهران تكاد لا تعوّل عليها.
وبعيدا عن الخطاب الإيراني الرسمي المتفائل بحذر، إذ وصف عراقجي مفاوضاته غير المباشرة مع الوفد الأميركي بأنها "انطلاقة جيدة" بعد خوضها "بعينين مفتوحتين وذاكرة حاضرة"، تبدو الأوساط السياسية في طهران غارقة في سحب التشكيك والتشاؤم، استنادا إلى سجل تاريخي مثقل بالإخفاقات وإلى معطيات الواقع الراهن الأكثر قتامة من أي وقت مضى.
وفي حين تخيّم تداعيات حرب الـ12 يوما في يونيو/حزيران الماضي على المعادلات الثنائية -بين طهران وواشنطن- والإقليمية والدولية، تتباين مواقف الإيرانيين حيال مفاوضات مسقط بين من يرى فيها "فرصة سانحة" يجب اغتنامها لحلحلة القضايا الشائكة بينهما، وآخرين يعتبرونها مجرد خطوة أفضت إلى "تأجيل حرب محتومة" لأجل ليس بعيد، وفئة ثالثة تعلن تشاؤمها المسبق، خاصة مع استمرار واشنطن في فرض العقوبات والتحشيد العسكري.
وفي الوقت الذي يحوّل فيه انعدام الثقة المتراكم أي عودة إلى الدبلوماسية إلى مسار غامض ومحفوف بالمخاطر، يسود تفاؤل حذِر الأروقةَ المقربة من الحكومة بشأن إدارة الخلافات واحتواء التصعيد واختبار إمكانية التوصل إلى اتفاقات مرحلية قد تمنع الانزلاق إلى الهاوية.
من ناحيته، يُبدي النائب أحمد بخشايش أردستاني، عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، نظرة إيجابية، لكنها حذرة تجاه الجولة الجديدة من مفاوضات مسقط، معربا عن اعتقاده بأن "هذا المسار يمكن أن يستمر"، وأنه قادر على خلق "فرص لتطوير العمل الدبلوماسي"، معتبرا تركيبة الوفد الأمريكي المشارك، مشيرا إلى أن واشنطن "اختارت طريق الدبلوماسية المنخفضة الكلفة".
ونقلت صحيفة "شرق" الإصلاحية عن أردستاني تحذيره من أن "الدور التخريبي لإسرائيل" يبقى تهديدا محتملا لنجاح المفاوضات، داعيا طهران إلى توخي "أقصى درجات الدقة" لإدارة هذا التحدي، مؤكدا أن الظروف الراهنة تختلف جوهريا عن المفاوضات السابقة، إذ إن إيران اليوم "أكثر يقظة وأقل عرضة للمباغتة"، كما أن واشنطن لن تُكرر تجربة الحرب السابقة، بل تسعى إلى "حلول منخفضة التكلفة" لتحقيق أهدافها.
ورغم تقييمه الإيجابي، يصف النائب الإيراني مسار مفاوضات مسقط بأنه "واعد لكنه هش". ويحذّر من أن إيران "يجب ألا تنخدع بالجو الإيجابي المؤقت"، بل عليها الحفاظ على "سياسة واضحة وثقة متبادلة" لتوجيه العملية نحو "اتفاق معقول ومستدام".
ولدى تأكيده أن استمرار المحادثات يمكن أن يؤدي إلى إطار لحل الملف النووي، يستدرك أن نجاحها يتطلب إدارة دقيقة لكل التهديدات الإقليمية والدولية، ويختتم تحليله بالتشديد على أن اللحظة الراهنة تمثل "فرصة" يجب اغتنامها من خلال "الاحترام المتبادل والتركيز على حقوق ومصالح إيران الوطنية".
من جهته، يشير قاسم محبعلي، المدير العام الأسبق لشؤون الشرق الأوسط في وزارة الخارجية الإيرانية، إلى أن المحادثات اقتصرت على "نقل وجهات نظر الجانبين" دون التوصل إلى أي اتفاق ملموس على الإطار التفاوضي أو جدول الأعمال أو حتى موعد الجولة المقبلة، مؤكدا أن النتيجة الرئيسية الوحيدة القابلة للرصد حتى الآن هي أن "شبح الحرب قد ابتعد موقتا عن البلاد".
وفي مقابلة مع موقع "جماران" التحليلي، يتوقف محبعلي عند "الحضور غير المعتاد" لقائد القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) الجنرال براد كوبر ضمن الوفد المفاوض، ويرى فيه دليلا إضافيا على "عدم وجود اتفاق مسبق على الإطار والشخصيات المناسبة" للمفاوضات.
ويستنتج أن الهدف الأمريكي من وراء إشراك شخصية عسكرية بهذا المستوى هو "تذكير إيران بأن الخيار العسكري لا يزال قائما" على الطاولة، في محاولة للحفاظ على ورقة ضغط متقدمة خلال عملية دبلوماسية لا تزال في خطواتها الأولى الهشة.
ورغم ذلك، يعتقد الدبلوماسي الإيراني السابق أن بلاده تمكّنت من تحقيق "مكسبين تكتيكيين" يتمثلان في حصر موضوع المفاوضات في الملف النووي، ونقل مكانها من تركيا إلى سلطنة عُمان، مما قد يعكس "ليونة أمريكية أولية"، لكنه يتساءل في الوقت ذاته عن الدوافع الحقيقية لهذه المرونة.
ويقدم محبعلي قراءة متوازنة للقوة التفاوضية، إذ يرى أن "قبول إيران بالدخول في المفاوضات" يمثل "خطوة أمريكية إلى الأمام"، كما أن موافقة واشنطن على النمط غير المباشر والتركيز الأولي على الملف النووي تُظهر "قدرة إيرانية متبادلة على التأثير" في تحديد شروط اللقاء، إلا أن هذا التقدم الهش لا ينفي إمكانية عودة المفاوضات إلى طريق مسدود بسبب الضغوط الخارجية وعلى رأسها الإسرائيلية.
من ناحيته، يُعبّر النائب المحافظ، فدا حسين مالكي، عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية، عن موقفه المشكك من مفاوضات مسقط، معتبرا أنها "جزء من برنامج الضغط الأمريكي على إيران" واستمرار لمشروع إشعال "الحرب والفوضى" في البلاد، مشيرا إلى "التعبئة العسكرية الأمريكية في المنطقة" مما يدفعه للتشاؤم بنتائج هذه الجولة.
ونقلت وكالة أنباء "خبر أونلاين" عن مالكي قوله إن بعض الشروط الأميركية المسبقة "تقع ضمن الخطوط الحمراء لإيران" ولا يمكن القبول بها، مرجحا أن تكون المحادثات "مخططا للخداع" يهدف إلى كسب الوقت "لخلق الاضطراب والفوضى" في الداخل الإيراني، أو حتى لتنفيذ "هجوم عسكري في ذروة المفاوضات" على غرار ما حدث سابقا.
ويشدد النائب الإيراني على نقطة يعتبرها "إخفاقا مهما" للطرف الأمريكي، وهي زيارة مبعوثه ويتكوف إلى إسرائيل والتشاور مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قبيل التوجه إلى مسقط، مضيفا أن هذه الخطوة تبعث "رسالة مُرّة" مفادها أن تشاور واشنطن مع الصهاينة لا يُعد بأي حال خطوة بناءة في مسار الحوار مع إيران، بل يعكس أولويات وتأثيرات معادية على العملية التفاوضية برمتها.
من ناحيته، يرى الباحث السياسي بهمن أكبري الجولة الأخيرة من مفاوضات مسقط "خطوة ضرورية، لكنها غير كافية"، موضحا أن نجاحها مرهون بـ3 شروط: تحويل الحوارات غير المباشرة إلى مباشرة، وتقديم خطط عملية من الطرفين، وإدارة التوقعات.
وفي مقال نشره بصحيفة "اعتماد" حول "مخرجات الجولة الأولى من مفاوضات مسقط"، يخلص الباحث إلى أن هناك 3 سيناريوهات محتملة قد تواجه المسار الدبلوماسي الراهن، وهي:
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة