آخر الأخبار

انقطاع الإنترنت في إيران.. تصاعد المواجهة التقنية والأمنية

شارك

تشهد إيران منذ أسابيع اضطرابات واسعة النطاق في خدمات الإنترنت، أدّت إلى تأثيرات مباشرة في الاقتصاد الرقمي وقطاعات تجارية واجتماعية يعتمد ملايين الأفراد في البلاد على عملها. وترافقت هذه التطورات مع مجموعة من التصريحات الحكومية والإعلامية المتناقضة، إلى جانب تحركات أمنية مرتبطة بمحاولات استخدام خدمات الاتصال عبر الأقمار الصناعية، مما يجعل المشهد الرقمي الإيراني معقدا على المستويين الداخلي والدولي.

سوق سوداء

وفق تقرير نشرته وكالة "إیسنا" الإيرانية، أدى تصاعد القيود على الإنترنت إلى زيادة الإقبال على أدوات كسر الحجب، حيث استغل باعة غير رسميين هذا الطلب لتشكيل سوق سوداء بأسعار "من دون معايير محددة"، تراوحت بين 2 و10 ملايين تومان (سعر الدولار الواحد 1.53 تومان). وأكدت الوكالة، نقلا عن مستخدمين، أن العديد من هذه الأدوات تتوقف عن العمل بعد يوم واحد أو حتى بعد ساعة من شرائها، في حين لا يملك المشترون أي وسيلة للمطالبة بحقوقهم.

ونقلت الوكالة عن خبير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات کیوان نقره کار أن تجارة أدوات كسر حجب الإنترنت أصبحت "صناعة" قائمة بذاتها، تدور فيها مبالغ مالية ضخمة غير خاضعة لرقابة أو شفافية. وأضاف أن غياب الضوابط أوجد بيئة تُستغل فيها حاجة المستخدمين، ولا سيما العاملين في الأنشطة الاقتصادية عبر المنصات الاجتماعية.

وبرزت خلال الأسبوع الأخير سلسلة من التقديرات الرسمية والنقابية حول الخسائر الناتجة عن انقطاع الإنترنت، لكنها جاءت متناقضة إلى حدّ لافت.

إذ صرّح وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بأن عمليات القطع الأخيرة تسببت يوميا في خسائر تقدر بـ500 مليار تومان في نواة الاقتصاد الرقمي، ونحو 5 آلاف مليار تومان في الاقتصاد الكلّي.
كما شدد الوزير على أن نحو 10 ملايين شخص يرتبط دخلهم بشكل مباشر أو غير مباشر بالاقتصاد الرقمي، مما يجعل اتخاذ إجراءات عاجلة ضرورة ملحة.

لكن تصريحات أخرى سبقت هذا الإعلان وجاءت ببيانات مختلفة، حيث قدّر معاون التخطيط في قطاع التقنية والاتصالات الخسارة اليومية بما بين 400 و600 مليار تومان. و أعلن اتحاد الأعمال الافتراضية رقما يقدّر الخسائر بـ3.8 آلاف مليار تومان يوميا، بينما قدّرت منظمة النظام النقابي الخسائر المباشرة بـ2 إلى 3 آلاف مليار تومان يوميا.

إعلان

هذا التضارب دفع وكالة فارس إلى القول إنه "لا توجد جهة واضحة مسؤولة عن الإحصاءات في وزارة الاتصالات"، مما يشير إلى غياب منهج موحد لقياس حجم الخسائر أو تحديد معايير دقيقة لتقييم أضرار الانقطاع.

القرار أمني

من جهة أخرى، أكدت المتحدثة باسم الحكومة فاطمة مهاجراني أن حزما تعويضية للأعمال المتضررة قيد الإعداد. كما أوضحت أن قرار قطع أو وصل الإنترنت يخضع كليا للجهات الأمنية، مشيرة إلى أن سياسة الحكومة تقوم على "إتاحة الوصول الحر إلى المعلومات"، لكن في الظروف الأمنية الخاصة تكون "حماية أرواح المواطنين" أولوية مطلقة.

في سياق متصل، شنت صحيفة "کیهان" اليمينية هجوما على وزير الاتصالات، واتهمته بنشر "أرقام ملفقة" حول خسائر انقطاع الإنترنت. واعتبرت الصحيفة أن "دماء ٢٤٢٧ شهيدا"، على حد تعبيرها، تقع على عاتق من سمحوا بفتح المجال لـ"أعمال الشغب عبر فضاء افتراضي بلا ضوابط"، معتبرة الدعوات لإعادة الإنترنت الكامل "توفيرا لمعبر جنائي أمام عملاء سي آي إيه والموساد".

على الصعيد الأمني، أعلن رئیس شرطة الأمن الاقتصادي ضبط 108 أجهزة ستارلينك، مؤكدا بأن هذه الأجهزة تُعد "بضاعة مضادة للأمن".

من جهتها، ذكرت وكالة رويترز أن الاضطرابات الأخيرة في إيران وضعت مهندسي شركة "سبيس إكس" في مواجهة "قوة إقليمية تستخدم أجهزة تشويش فضائي وتكتيكات تزييف الإشارات". وأشارت الوكالة إلى أن الشركة قدّمت خدمات ستارلينك مجانا للإيرانيين لمواجهة قطع الإنترنت، ووصفت ما يجري بأنه "أحد أصعب الاختبارات الأمنية لستارلينك" منذ بدء استخدامه في حرب أوكرانيا.

كما أكدت رويترز أن نتيجة هذه المواجهة تهم الولايات المتحدة، حيث يستخدم الجيش الأمريكي وأجهزة الاستخبارات شبكتي ستارلينك و"ستارشيلد". وكذلك الصين، التي تطور شبكات إنترنت فضائية منافسة. وروسيا، التي تحاول منذ بداية الحرب في أوكرانيا تحييد شبكات ستارلينك وقد تراقب كفاءة عملها في إيران، وفق رويترز.

يعكس المشهد الإيراني الراهن أزمة مركبة يتداخل فيها البعد الاقتصادي مع الأمني، والتقني مع السياسي. وتبرز التقديرات المتضاربة، واعتماد الملايين على الاقتصاد الرقمي، وتوسع السوق السوداء لأدوات كسر الحجب، عوامل تزيد من حساسية إدارة هذا الملف. وفي الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة أن الأولوية للظروف الأمنية، تبقى مسألة توفير اتصال مستقر وشامل أحد المطالب الأساسية للمواطنين والقطاع الخاص، وسط سياق إقليمي ودولي يتابع بدقة تطورات المواجهة بين تكنولوجيا الاتصالات الحديثة والمنظومات التقليدية للرقابة الحكومية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا