مع انزلاق إيران إلى واحدة من أكثر اللحظات سواداً في تاريخها ما بعد الثورة، باتت الشهادات الحية من داخل البلاد نادرة جدا. فقد أدّت عمليات قطع الإنترنت، وتعطيل الاتصالات الهاتفية، والخوف الدائم من المراقبة، إلى شلّ قنوات التواصل الاعتيادية. ومع ذلك، لا تزال روايات مجتزأة عن الواقع تتسرّب إلى الخارج — سواء عبر أقارب في المهجر، أو همسات خلال مكالمات قصيرة، أو من خلال شبكات بدائية تعتمد على الاتصال بشبكة “ستارلينك”، وخوادم بديلة على “تلغرام”، وأفراد من الجاليات الإيرانية في الخارج.
هذه الشهادات، التي حصلت عليها “الحرة” في ظل شروط صارمة من عدم الكشف عن الهوية، ترسم صورة متطابقة ومقلقة بعمق: بلد يرزح تحت وطأة الخوف، حيث يبدو العنف عشوائيا جدا.
تنقل “أ”، وهي من أفراد الجالية الإيرانية في أوروبا، رسائل من أقاربها في محافظة مازندران شمالي إيران. وفي مدينة يبلغ عدد سكانها نحو 100 ألف نسمة، تقول إن قوات الأمن منتشرة في كل مكان. لا يستطيع السكان السير مسافة قصيرة من دون مواجهة عناصر مسلحة. الشوارع التي كانت تعج بالحياة اليومية تحولت إلى مساحات للترهيب وبات حتى المشي السريع محفوفًا بالمخاطر.
ومن كندا، تروي “كيانا” شهادات وصلتها عبر والدتها وجدتها في مدينة شيراز. ما يتبدّى من هذه الروايات ليس حملة قمع تستهدف المتظاهرين فحسب، بل عنفًا يبدو اعتباطيًا. فقد قالت العائلة إن امرأة أُصيبت بالرصاص أثناء تسوقها — لم تكن تتظاهر، ولم تُبدِ أي مقاومة. وتوضح “كيانا”: “خلال احتجاجات مهسا أميني، كان هناك على الأقل قدر من القيود على استخدام القوة. الآن، يبدو أن هذه القيود قد اختفت”.
شهادة أخرى من طهران أشد فظاعة. خرج أب وابنه إلى الشارع لمعرفة ما يحدث. أشار الصبي إلى شيء مشتعل في مكان قريب. وبعد لحظات، أُصيب برصاصة في رأسه. وتقول “كيانا” إن السمة الأبرز في هذه الأحداث ليست الوحشية وحدها، بل العبثية — عنف منفلت من أي منطق سوى بثّ الخوف.
ولا يتوقف هذا الخوف عند حدود إيران. من أستراليا، يصف “جمشيد” أيامًا من الصمت بعد أن أدت حملة جديدة من قطع الاتصالات إلى فقدانه تواصله مع أقاربه، ومن بينهم جدته وعمه. والده، الذي كان قد غادر إيران مؤخرًا، أمضى ثلاث ليالٍ بلا نوم في انتظار أي خبر. وفي نهاية المطاف، أُعيد الاتصال عبر سلسلة ضعيفة من وصلات «ستارلينك» وأرقام هواتف نُقلت بين وسطاء. وعندما تمكّن “جمشيد” أخيرًا من التحدث إلى عمه، كان الرد مقتضبًا: “أنا بخير”. لا شيء أكثر من ذلك.
وبرزت روايات مجتزأة أخرى عبر قنوات غير اعتيادية. فضمن مجموعة غير نشطة على “تلغرام”، ظهر لفترة وجيزة مستخدم من داخل إيران، تمكن من الاتصال بالمجموعة عبر خادم بديل متقطع وغير مستقر. عندما سُئل عمّا إذا كانت الاحتجاجات قد انتهت، أجاب بأن عدد القتلى في منطقته كان كبيرًا إلى حدّ أن السكان باتوا يخشون مغادرة منازلهم. ووصف آخر أوضاعًا تشبه الأحكام العرفية: انقطاعات يومية في الاتصالات ورجال مسلحون في كل مكان. وأضاف في ملاحظة مروعة “إذا نظرت في عيونهم، لا ترى أي إنسانية”.
أما الرواية الأكثر رعبا، فجاءت عبر جمشيد نقلًا عن عائلة أحد أصدقائه. فقد اتصل شقيقها من داخل إيران، وأُعطى الهاتف لوالدته. كانت تكرر الكلمات نفسها مرارًا: “إنهم يقتلون الجميع”. وكان ابنها يتوسل إليها أن تتوقف عن الكلام، محذرًا من أن المكالمة على الأرجح خاضعة للمراقبة.
المصدر:
الحرة