مع كل تحول سياسي تشهده الساحة اليمنية، تلتفت الأنظار إلى مجلس النواب، ليس باعتباره المؤسسة التشريعية فحسب، بل لكونه الجهة التي يمكن التعويل عليها لمنع أي مساسٍ بثوابت الوطن وسيادته.
ومنذ سبتمبر/أيلول 2014، شهد اليمن تحولات ارتبطت بالمشهد العسكري، انعكست مباشرة على البرلمان الذي انقسم بين نسبة بقيت في صنعاء -التي تسيطر عليها جماعة الحوثيين– وأغلبية (بتباينها) أيدت الحكومة الشرعية.
ودعما لتوجهات المؤسسة الرئاسية منذ ولاية الرئيس عبد ربه منصور هادي الذي تنحى عن الرئاسة في أبريل/نيسان 2022، ومن بعده رئيس مجلس القيادة الحالي رشاد العليمي، حضر البرلمان كمؤسسة وطنية تصبغ الشرعية على قرارات الرئاسة وتحولاتها.
وفي ظل حالة الاستقطاب بما فيه الخارجي، انقسم البرلمان بأعضائه من خلال تكتلات انحازت لبعض المكونات السياسية وفق حسابات المصلحة، كما يرى مراقبون.
وتتعدد كتل مجلس النواب اليمني وفي مقدمتها كتلتا المؤتمر الشعبي العام و التجمع اليمني للإصلاح إضافة إلى كتل الأحزاب الأخرى.
وترى تقارير يمنية أن حالة الاستقطاب أثرت سلبا على الثقة الشعبية في البرلمان كجهة ضامنة تحرس ثوابت الوطن، حيث تحوّل دوره التشريعي إلى تحليل وتمرير صفقات سياسية تمس مبادئ الدولة والوطنية في بعض الأحيان، حسب قول بعضهم.
وفي ظل المتغيرات السياسية اليوم واستعادة الدولة السيطرة السيادية على العاصمة المؤقتة عدن، والعودة للقرار الرئاسي متجسدا في رئيس مجلس القيادة رشاد العليمي، يتطلع اليمنيون إلى دور إيجابي مؤثر للبرلمان.
لذلك يبرز التساؤل الموضوعي عن الدور المطلوب من البرلمان بمختلف مكوناته تجاه الوطن واستحقاقات المرحلة الراهنة.
وحول هذا، يقول النائب سلطان العتواني، وهو رئيس كتلة الحزب الناصري بمجلس النواب، إن "من الطبيعي وفي ضوء المتغيرات الجديدة أن يعود المجلس لممارسة دوره الطبيعي وواجبه الوطني، وذلك بعد أن أعيق لسنوات لأسباب وظروف يعرفها الجميع".
ويضيف العتواني في حديث للجزيرة نت: "لا أرى أن هناك تحديات قد تعيق انعقاد المجلس ولدينا ثقة في أن التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية سيدعم عودة المجلس ليستأنف نشاطه الطبيعي من العاصمة المؤقتة عدن".
أما بالنسبة للأولويات، فقال إنها "تنقسم إلى تشريعية ورقابية وأهمها التركيز على حث الحكومة على تقديم برنامجها ومحاسبة الفاسدين وتفعيل إجراءات جهاز الرقابة والتفتيش والجانب الإيرادي وحركتها".
واختتم العتواني حديثه بدعوة زملائه في مجلس النواب لحث هيئة رئاسة المجلس بالعمل على استئناف نشاط البرلمان في أقرب فرصة ممكنة بعد أن أصبحت الظروف مهيأة في العاصمة عدن.
كما يقول عضو مجلس النواب عن حزب المؤتمر عبد الكريم الأسلمي إن "الخطوة القادمة المفترضة إن شاء الله هي عودة جميع مؤسسات الدولة إلى عدن، بما فيها مجلس النواب وممارسة جميع صلاحياته الرقابية والتشريعية، وأعتقد أن الفرصة مواتية لذلك، خصوصا وأن البلد في أمس الحاجة إلى تفعيل مؤسساتها الرقابية وفي مقدمتها مجلس النواب والجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة".
ويرى الأسلمي ذلك توجها طبيعيا تستدعيه "الأحداث الأخيرة وتراجع الانتقالي وانهيار مشروعه الانفصالي، فتغيرت الموازين وبرز أمل كبير بعودة البرلمان للانعقاد في عدن من أجل القيام بواجباته الدستورية من تشريع ورقابة تحتاجها البلاد بشدة في ظل الانفلات والفوضى التي سادت في الفترة الماضية وذلك من أجل ترشيد عمل الحكومة وتصويب مسارها".
ويتفق مع الأسلمي زميله النائب عن حزب الإصلاح شوقي القاضي بالقول "نرجو ونأمل بل ونطالب أن يعود البرلمان للانعقاد في عدن، لأن انعقاده هو المؤشر الحقيقي لمسار عودة الشرعية لدورها الطبيعي في هذه المرحلة".
وعن مدى الثقة في إمكانية عودة العمل التشريعي ودوره الرقابي، يقول القاضي للجزيرة نت "إذا كان المسار سليما والنوايا سليمة والاتجاه سليما فإن البرلمان سيعود لعدن وسينعقد، أما إن كان وراء الأكمة ما وراءها، وهناك أشياء مريبة وخطرة فسنعود لحرمان البرلمان ومنعه من الانعقاد لأنه السلطة الوحيدة التي لا يمكن الضغط عليها أبدا"، حسب قوله.
أما عن طبيعة الانقسام البرلماني وظروفه، فيقول الأسلمي في تصريحه "نعرف جميعا أنه بعد الانقلاب الحوثي المشؤوم في صنعاء واجهت مجلس النواب تحديات كبيرة في أداء عمله مثله مثل بقية مؤسسات الدولة الأخرى حيث كانت أول مشكلة واجهها هي حالة الانقسام التي فرضت عليه".
ويضيف: "ومع ذلك كان من المؤمل أن يقوم المجلس بدور كبير في معركة استعادة الدولة من خلال دوره الرقابي والتشريعي".
ولطالما دارت نقاشات عن حالة الانقسام البرلماني بين صنعاء وعدن، غير أن جلسة سيئون بحضرموت 2019 حسمت الجدل حول ذلك، بحسب النائب شوقي القاضي.
وعن ذلك يقول أيضا "في 2017 بدأنا كبرلمانيين نتجمع في جدة، وحين قُتل الرئيس الأسبق علي صالح تواصلنا مع زملائنا النواب الذين كانوا معه، والتم شمل البرلمان في 2019 في سيئون وتم انتخاب قيادة للمجلس، واعترف بها المجتمع الدولي، وانتهى تشطير البرلمان، لأن ما قبل 2019، كان البرلمان يشارك في الفعاليات الدولية التشريعية والبرلمانية بممثلين عن صنعاء التي هي تحت سيطرة الحوثيين وممثلين عن الشرعية".
ويضيف القاضي "لكن من بعد تلك الجلسة في سيئون 2019 اعترف المجتمع الدولي فقط ببرلمان الشرعية لأنه استوفى النصاب ولأن هذه الجلسة تمت بحضور دولي مثّل تأييدا واعترافا بالمجلس، بعد ذلك حاولنا أن يلتم لكن للأسف حالت ظروف وتحديات دون ذلك".
ظروف النزوح والهجرة والانقسام التي انعكست على واقع أعضاء مجلس النواب سواء في الداخل اليمني وخارجه، إضافة للضعف الذي أصاب مؤسسات القرار اليمني، مثّلت تحديا إضافيا للبرلمانيين.
وبشأن ذلك، يقول النائب الأسلمي "للأسف الشديد واجه البرلمان صعوبة كبيرة في أن يقوم بدوره الطبيعي بسبب عدم رغبة السلطة الشرعية سواء في الرئاسة أو الحكومة وحتى التحالف حيث كان الجميع يرغب في العمل بدون أي رقابة أو محاسبة، لذلك تم تهميش المجلس وإعاقة كل محاولاته في أداء دوره الدستوري".
ويضيف "وقد زاد الأمر سوءا مع سيطرة الانتقالي على عدن حيث رفض رفضا قاطعا جميع المحاولات لانعقاد المجلس في العاصمة المؤقتة أو أي محافظة أخرى، لأن ذلك كان من وجهة نظره يكرس الوحدة واستمرارها، بينما كان يعمل بكل قوة على فرض الانفصال".
ويقول البرلماني القاضي إن "البرلمان جُمع في أبريل/نيسان 2022 في عدن من أجل إعطاء المشروعية لمجلس القيادة الرئاسي ثم بعدها للأسف مُنعنا من الانعقاد ومُنعنا حتى من أن نتسلم الأمانة العامة للبرلمان في عدن، وهي التي لا يمكن لنا أن نمارس عملنا بدونها كجهاز إداري مسؤول عن لوجيستيات الجلسات ونحوها، لذلك غابت السلطة التشريعية والرقابية عن أداء الحكومة وعن أداء الشرعية والتحالف".
وعن حقيقة دعم الرئاسة للبرلمان وعودته لنشاطه، يضيف: "حدث أن اتفق أعضاء مجلس القيادة على أن يستأنف البرلمان نشاطه من عدن، وتم فعلا حجز تذاكر السفر للتجمع في القاهرة ومنها ننطلق جميعا إلى عدن، إلا أن رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي (حينها) وبشكل مفاجئ منع ذلك، وتواصلت بنا سكرتارية المجلس أن الاجتماع تأجل، وخسر البرلمان حينها ملايين، كانت قيمة التذاكر والترتيبات، وأُصبنا بخيبة أمل كبيرة".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة