في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بين جليد القطب الشمالي وهدير الصراعات الجيوسياسية، تقف جزيرة غرينلاند اليوم عند مفترق تاريخي بالغ الحساسية. جزيرة شاسعة، قليلة السكان، لكنها غنية بالموارد، تعود فجأة إلى واجهة الاهتمام العالمي مع إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب على ضمها إلى الولايات المتحدة.
وفي تحليل إخباري موسّع نشرته صحيفة إندبندنت البريطانية، استعرضت الكاتبة كاتي روسينسكي الفصل المظلم من علاقة الدانمارك بغرينلاند، تربط فيه بين ذاكرة الاستعمار الثقيلة والقلق المتزايد من أطماع الرئيس ترامب.
رسمت الكاتبة في تقريرها مشهدا لجزيرة تجد نفسها عالقة بين مطرقة التاريخ الاستعماري الدانماركي وسندان الطموحات الأميركية التوسعية، حيث لا يبدو أن سكان الجزيرة البالغ عددهم 57 ألف نسمة مستعدون لمقايضة نفوذ أجنبي بآخر، مهما بلغت المغريات.
وأشارت إلى أن ترامب لم يُخفِ رغبته في شراء الجزيرة أو حتى استخدام القوة العسكرية للاستحواذ عليها، رغم أن ذلك قد يوجّه ضربة خطيرة لحلف شمال الأطلسي (ناتو). فالجزيرة كانت لقرون طويلة جزءا من الدانمارك -الدولة العضو في الناتو- وذلك منذ وصول المبشّر الدانماركي النرويجي هانس إيغه عام 1721.
وأفادت بأن الجزيرة، التي تتمتع بحكم ذاتي ضمن مملكة الدانمارك، تحولت خلال الأشهر الأخيرة إلى بؤرة توتر دولي، في ظل تصاعد الصراع على الموارد والمواقع الإستراتيجية في القطب الشمالي.
ورغم محاولات ترامب تسويق خطابه على أنه يصب في مصلحة أمن الولايات المتحدة، فإن الغرينلانديين ينظرون إلى هذه التصريحات بعين الريبة، بحسب تقرير الصحيفة.
فبالنسبة لهم، لا يمكن فصل الحاضر عن الماضي. فالعلاقة مع الدانمارك، التي امتدت لأكثر من ألف عام، ليست مجرد شراكة تاريخية، بل برأيهم سجل طويل من الهيمنة والسياسات القسرية بدأ منذ وصول التبشير الاستعماري في القرن الـ18، وتطور إلى فضائح إنسانية مروعة تركت ندوبا غائرة في ذاكرتهم الجمعية لم تندمل بعد.
رغم محاولات ترامب تسويق خطابه على أنه يصب في مصلحة أمن الولايات المتحدة، فإن الغرينلانديين ينظرون إلى هذه التصريحات بعين الريبة
ومن أكثر هذه الصفحات إيلاما -طبقا لإندبندنت- البرنامج الذي نفذته الدانمارك بفرض وسائل منع الحمل قسرا على آلاف النساء والفتيات في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.
وكشفت شهادات لاحقة أن بعض الضحايا لم تتجاوز أعمارهن 12 عاما، وأن الإجراء تم دون علمهن أو موافقتهن، في محاولة للحد من النمو السكاني وتقليص العبء المالي على الدانمارك.
ونقلت الصحيفة البريطانية عن إحدى ضحايا ذلك البرنامج تُدعى نجا لايبيرث، والتي خضعت لعملية زرع لولب لمنع الحمل وهي لم تتجاوز 14 سنة من العمر، وصف تجربتها بأنها "كانت تعذيبا أشبه بالاغتصاب".
وبدوره، وصف رئيس وزراء غرينلاند السابق، موتي إيغيدي، البرنامج بأنه " إبادة جماعية واضحة نفذتها الدولة الدانماركية ضد شعب الجزيرة".
لكن رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن اضطرت إلى تقديم اعتذار رسمي قالت فيه: "أعتذر للفتيات والنساء اللواتي تعرضن للتمييز المنهجي وللأذى الجسدي والنفسي الذي لحق بهن".
على أن الإرث المظلم لا يتوقف عند هذا الحد، بل يمتد ليشمل تجربة "الدانماركيين الصغار" الذين انتُزِعوا من ذويهم لمحو هويتهم الثقافية.
وأوردت روسينسكي في تحليلها الإخباري مثالا على ذلك حيث أُرسل 22 طفلا من "الإنويت" (الإسكيمو) -وهم سكان غرينلاند الأصليين- في خمسينيات القرن الماضي للعيش مع عائلات دانماركية لتعلم اللغة والنمط المعيشي الدانماركي لإنشاء "طبقة حاكمة جديدة". وعانى هؤلاء الأطفال لاحقا من مشاكل نفسية وإدمان ومحاولات انتحار.
هذه الممارسات، بحسب أوريلين كولسون، أستاذ العلوم السياسية في كلية إدارة الأعمال في بلدة سيرجي بفرنسا، ليست مجرد أحداث عابرة، بل هي "قرارات اقتحامية فُرضت من الخارج، تعزز فكرة أن مستقبل غرينلاند يجب أن يُقرر في عاصمتها نوك، وليس في أي مكان آخر، وبالتأكيد ليس في واشنطن العاصمة".
في هذا السياق التاريخي القاسي، تبدو تصريحات ترامب بالنسبة إلى كثير من الغرينلانديين امتدادا لمنطق الهيمنة ذاته، وإن اختلفت الرايات. وتشير روسينسكي إلى أن صورة دونالد ترامب الابن وهو يقف مبتسما أمام تمثال المبشّر الاستعماري هانس إيغه في العاصمة نوك خلال زيارة سياحية قبيل تنصيب والده عام 2025، لم تُستقبل باعتبارها مجاملة دبلوماسية، بل كرمز لاستعلاء جديد.
ورغم محاولات واشنطن كسب ودّ السكان عبر زيارات رسمية ووعود اقتصادية، لفتت الصحيفة البريطانية إلى أن استطلاعات الرأي أظهرت أن 85% من الغرينلانديين يرفضون الانضمام إلى الولايات المتحدة، مقابل 6% فقط يؤيدون الفكرة.
وفي مقابل ذلك، يتزايد التأييد لفكرة الاستقلال الكامل عن الدانمارك. فقد كشف استطلاع آخر للرأي عام 2025 أن 56% من السكان سيصوتون لصالح الاستقلال إذا أُجري استفتاء اليوم.
روسينسكي تؤكد أن موقف الغرينلانديين، برغم كل الإغراءات والضغوط، يبقى واضحا وهو أن أرضهم ليست للبيع.
بيد أن إندبندنت تعتقد أن هذا الخيار لا يزال محفوفا بالتحديات الاقتصادية، إذ تعتمد الجزيرة بدرجة كبيرة على الصيد وعلى المنحة السنوية التي تقدمها كوبنهاغن.
ويختصر الأستاذ الجامعي أوريليان كولسون، المزاج العام بقوله إن الغرينلانديين يريدون "تقليص نفوذ كوبنهاغن مع الوقت، وبالتأكيد ليس تعويضه بواشنطن"، مؤكدا أن الاستقلال "ممكن، لكنه ليس وشيكا"، بحسب ما نقلت عنه الصحيفة.
وتؤكد روسينسكي أن موقف الغرينلانديين، برغم كل الإغراءات والضغوط، يبقى واضحا وهو أن أرضهم ليست للبيع.
المصدر:
الجزيرة