دبي، الإمارات العربية المتحدة ( CNN )-- عندما كان الدكتور كريس نولز يبلغ الـ18 عامًا من عمره، قامت مجموعة من الباحثين بزيارة جامعته في إنجلترا، لإجراء تجربة، حيث سعى هؤلاء لمعرفة أيّ من المبتدئين في شرب الكحول استجابوا للمشروبات بشكلٍ أفضل، ومن سيعاني من إدمان الكحول لاحقًا.
يتذكر نولز أنّهم وضعوا كأسين من الفودكا أمام كل الطلبة لقياس ردّ فعلهم. شرب نولز مشروبه دفعةً واحدة، ومن ثم مدّ يده لالتقاط كأسين أمام فتاة تجلس بجانبه، بدت غير مهتمة بالمشروبات الكحولية.
وقال نولز، وهو الآن أستاذ جراحة في جامعة "كوين ماري" بلندن، ومؤلف كتاب جديد عن العِلم وراء الإفراط في شرب الكحول، إنّه خضع للعلاج لاحقًا في حياته بسبب اضطراب تعاطي الكحول.
يُذكر أن الأبحاث أظهرت أنّ استهلاك أي كمية من الكحول يضرّ بالقلب أو الدماغ.
رُغم هذه النتائج، والعواقب الشخصية التي غالبًا ما يُعاني منها بعض شاربي الكحول، إلا أنّ الإفراط في شرب الكحول شائع نسبيًا، حيث أفاد 17% من البالغين في الولايات المتحدة عن استهلاكهم الكحول بشراهة، وفقًا للمراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والسيطرة عليها " CDC ".
ويستكشف نولز جاذبية الكحول في كتابه الجديد: "لماذا نشرب بكثرة: تأثير الكحول على أجسامنا وثقافتنا".
وقال نولز إن الإجابة المختصرة لهذا السؤال تتمثل بأن شرب الكحول "ممتع"، بينما تقدّم الإجابة المطولة فهمًا أعمق لأسباب معاناة بعض الأشخاص أكثر من غيرهم، والسبب وراء استمرارهم بشرب الكحول.
أوضح نولز أنّه لا يوجد ارتباط مباشر دائمًا بين الأشخاص الذين يشربون الكحول بكثرة، والأشخاص الذين سيواجهون مشكلة مستقبلاً، مضيفًا أنّ كمية الكحول التي يشربها الشخص وعلاقته بها تعتمد على عوامل عديدة، منها البيئة، والبيولوجيا، وعلم النفس.
يحفز الكحول بعض مراكز المتعة في الدماغ المسؤولة عن منح الشعور بالرضا عند البحث عن الضروريات، كالطعام، والعلاقات.
لكن، يؤثر شرب الكحول على الدماغ بطريقة سلبية أيضًا، إذ شَرَح مدير المعهد الوطني لتعاطي الكحول وإدمانه ، الدكتور جورج كوب أنه "كلما زاد استهلاك الشخص للكحول، زاد تنشيط النواقل العصبية المسؤولة عن التوتر، وبالتالي شعوره باليأس عندما لا يشرب".
عند الحديث عن العوامل البيولوجية الكامنة وراء الإفراط في استهلاك الكحول، من السهل افتراض أنّ بعض الأشخاص مبرمجون بيولوجيًا لاستهلاك هذه المشروبات ، فضلًا عن رغبتهم في شرب المزيد.
ثمّة بعض الحقيقة في طريقة التفكير هذه، بحسب ما ذكرته مديرة مركز روتجرز لأبحاث الإدمان وأستاذة الطب النفسي في كلية روتجرز روبرت وود جونسون الطبية، الدكتورة دانييل ديك، خاصة أنّ فسيولوجيا بعض الناس ستتوافق بشكلٍ أكبر مع الكحول.
لكنها أضافت أنّ العامل الفسيولوجي لا يشرح القصة بأكملها، إذ قالت إنّ جزءًا كبيرًا من العوامل البيولوجية وراء تطور مشكلة تعاطي الكحول يرتبط بكيفية معالجة دماغ الفرد للمكافآت والمخاطر.
يحفِّز تعاطي الكحول الدماغ، وعندما يكون الدماغ مبَرمجًا للبحث عن الكثير من المكافآت، يُصبح التفكير بتقييم المخاطر أقل، ما يجعل الأشخاص أكثر عرضة للوقوع بنمط الرغبة في شرب المزيد.
قال نولز إنّ الأشخاص الذين يعانون من حالات مثل اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط، والاضطراب ثنائي القطب، والفصام، واضطراب ما بعد الصدمة، يتعرضون بشكلٍ خاص لخطر تعاطي المواد المُخدِّرة. لكن تزيد السمات النفسية مثل العصابية، وتدني احترام الذات، والقلق، والاكتئاب من هذا الخطر أيضًا.
وأضاف أنّه إذا كنت تعاني من صعوبات، وشعرت أنّ الكحول يُتيح لك الهرب من تلك المعاناة، فسيكون من الصعب عليك التوقف عن الشرب، حتّى لو بدأت تدرك أنّه لا يُساعدك كما كنت تأمل.
أما ما يُفاقم المشكلة فيتمثل بتطور قدرة التحمل.
وأوضح كوب أنّ قدرة التحمل لا تقتصر على عدد المشروبات التي يمكنك استهلاكها مع الحفاظ على قدرتك على إجراء محادثة أو المشي بخطٍ مستقيم، بل تشمل أيضًا كمية المشروبات التي تحتاجها قبل أن ينتابك شعور جيّد أو تشعر بالراحة من المشاعر السلبية.
وأكّدت ديك أنّه لا يوجد نوعين من شاربي الكحول فقط، أي الأشخاص الذين يعانون من مشكلة الإدمان، وأولئك الذين لا يعانون منها، حيث يشكل جميع هؤلاء "سلسلة متواصلة".
وتشمل معايير تشخيص اضطراب تعاطي الكحول عوامل مثل الاستمرار في الشرب رُغم تأثيره على العمل أو الأسرة، والوقوع في مواقف خطيرة، والمعاناة من أعراض الانسحاب، بحسب المعهد الوطني لتعاطي الكحول وإدمانه .
وأشارت ديك إلى أنّ "التقليل من شرب الكحول، مهما كان مستواه، يعود بفوائد صحية".
من جهته، لفت نولز إلى أنه من المهم أيضًا تثقيف نفسك حول إيجابيات وسلبيات شرب الكحول، والبحث عن سُبُل للتواصل مع المجتمع بطرقٍ لا تتمحور حول الكحول، وتعلّم كيفية معالجة المشاكل النفسية التي ربما يخفيها الكحول.
المصدر:
سي ان ان