كابل – بين هياكل إسمنتية ترتفع طابقا بعد آخر، وآلات لا تتوقف عن العمل، بدأت ملامح مشروع مكروريان الخامس السكني في العاصمة الأفغانية كابل تتغير بعد سنوات عديدة من التعثر. فالمشروع الذي بدأ عام 2014 وتوقف لاحقا، عاد إلى واجهة المشاريع العمرانية الكبرى، وتقول السلطات إن المرحلة الأولى منه وصلت إلى نحو 70% من الإنجاز.
وفي 2 سبتمبر/أيلول الجاري، وضعت السلطات الأفغانية حجر الأساس لمبنى جديد ضمن المشروع، في وقت تتواصل فيه أعمال البناء في مبانٍ أخرى، في محاولة لإخراج واحد من أكبر المشاريع السكنية في العاصمة كابل من دائرة الانتظار الطويل.
ويقع المشروع في الناحية التاسعة من كابل، ويمتد على مساحة تقارب 1300 جريب، أي نحو 260 هكتارا، ويضم مباني سكنية ومرافق يفترض أن تجعل منه مجمعا متكاملا، بينها مدارس ومساجد ومرافق ترفيهية ومساحات خضراء ومواقف للسيارات.
وتقول وزارة التنمية الحضرية والإسكان الأفغانية إن 6 مبانٍ أُنجزت ضمن المرحلة الأولى، التي تضم وحدات سكنية بمساحات وتصاميم مختلفة، بينما تستمر الأعمال في بقية أجزاء المرحلة.
بدأ مشروع مكروريان الخامس عام 2014، وكان مخططا أن يكتمل خلال عامين، لكن ذلك لم يحدث. وتقول وزارة التنمية الحضرية والإسكان إن المشروع واجه خلال السنوات الماضية مشكلات فنية ومالية وقانونية أدت إلى توقف أعماله، ثم عُولِج عدد من هذه المشكلات فاستُئنف البناء.
واليوم، تبدو آثار سنوات التوقف واضحة في قصة المشروع، لكن ورش البناء تعطيه شكلا مختلفا؛ فالأبراج ترتفع، والعمال يتحركون بين الطوابق، وتعمل فرق هندسية على استكمال المباني التي يفترض أن تستقبل سكانا جددا.
ويقول المهندس عبد الخالق وفا، أحد المسؤولين في الشركة المنفذة للجزيرة نت، إن مكروريان الخامس من المشاريع السكنية الكبيرة في كابل، وإن مخططه لا يقتصر على بناء مجموعة من الأبراج، بل يتضمن مجمعا سكنيا متكاملا يمتد باتجاه طريق المطار.
ويوضح وفا أن التصميم يتضمن أنواعا مختلفة من المباني والشقق، بينها الفئات إيه (A) وبي (B) وسي (C) وفي آي بي (VIP)، وتختلف المساحات والمواصفات بحسب كل فئة.
وتبلغ مساحة شقة الفئة إيه، المكونة من 5 غرف، نحو 211 مترا مربعا، وتضم مصعدين وسلالم للطوارئ، بينما تبلغ مساحة شقق الفئة بي، المكونة من 4 غرف، نحو 160 مترا مربعا، وتصل مساحة شقق الفئة سي ذات الغرف الثلاث إلى نحو 135 مترا مربعا.
أما شقق فئة في آي بي فتصل مساحتها إلى نحو 300 متر مربع.
وتصل الأبنية في المشروع إلى 19 طابقا، وفق وزارة التنمية الحضرية والإسكان، مع تنوع في عدد الغرف ومساحات الوحدات السكنية.
ولا يتوقف اختلاف المشروع عند مساحة الشقق؛ إذ يقول وفا إن الشركة تستخدم في البناء نظاما إنشائيا يعرف باسم "نظام الأنفاق"، وهو نظام يقول إنه مستخدم في تركيا وبعض الدول الأوروبية، ويهدف إلى زيادة صلابة المباني وقدرتها على مقاومة الزلازل.
ويضيف أن المشروع يتضمن، إلى جانب الأبنية، مساحات خضراء ومدرسة وروضة أطفال ومستشفى ومواقف للسيارات ومرافق خدمية أخرى، بما يجعله أقرب إلى مدينة سكنية مصغرة منه إلى مجموعة أبراج منفصلة.
ويقول وفا إن الشركة التركية تعتمد في تنفيذ المشروع بصورة كبيرة على العمالة الأفغانية، وهو ما أعلنه أيضا رئيس شركة البناء التركية بهادر أردوغان، الذي قال إن نحو 99% من العاملين في المشروع أفغان، مع الاستفادة من الخبرة التركية في البناء.
حسب المسؤولين، وصلت نسبة الإنجاز إلى نحو 70%، لكن هذه النسبة تخص المرحلة الأولى من المشروع، وليس جميع الأبنية التي يتضمنها المخطط.
وتقول الوزارة إن ستة مبانٍ أُنجزت ضمن المرحلة الأولى، وتستمر الأعمال في أجزاء أخرى منها، في حين لا تزال مراحل لاحقة من المشروع في انتظار بدء أعمالها.
ويقول وفا إن المشروع المخطط له أكبر من الجزء الذي يجري العمل فيه حاليا، وإن الأولوية في الوقت الراهن هي استكمال المرحلة الأولى وإيصال الأبنية إلى مرحلة يمكن معها تسليمها إلى أصحابها.
وفي مراسم وضع حجر الأساس للمبنى الجديد، قال نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية الملا عبد الغني برادر إن الحاجة إلى مشاريع سكنية كبيرة في كابل تزداد مع النمو السكاني والتوسع العمراني.
ويرى برادر أن سكان العاصمة تجاوزوا القدرة السكنية للمدينة مرات عدة، وهو ما أدى إلى توسع عمراني غير منظم وظهور مشكلات مرتبطة بالمياه والخدمات والتلوث، معتبرا أن مشاريع مثل مكروريان الخامس ومدينة كابل الجديدة يمكن أن تسهم تدريجيا في معالجة جانب من هذه التحديات.
كما ربط مسؤولون ارتفاع الحاجة إلى المساكن بعودة أعداد كبيرة من الأفغان من دول الجوار خلال السنوات الأخيرة.
لكن ارتفاع الأبراج لا يعني بالضرورة أن امتلاكها سيكون سهلا بالنسبة إلى غالبية سكان كابل.
فأسعار الشقق في المشروع تبدأ بعشرات الآلاف من الدولارات، وتختلف بحسب المساحة ونوع المبنى ومواصفاته.
ويقول المهندس وفا إن سعر الشقة ذات الغرف الثلاث يقارب 70 ألف دولار، بينما يصل سعر شقة الغرف الأربع إلى نحو 85 ألف دولار، وتبلغ بعض شقق الغرف الخمس نحو 100 ألف دولار، في حين يصل سعر بعض الوحدات الأخرى من الفئة نفسها إلى نحو 115 ألف دولار.
أما شقق في آي بي، فيقول وفا إن أسعارها تصل إلى نحو 166 ألف دولار.
وفي المقابل، أعلن وزير التنمية الحضرية والإسكان خلال مراسم المشروع أسعارا تبدأ من 60 ألف دولار للشقق ذات الغرف الثلاث، و80 ألفا للشقق ذات الغرف الأربع، و100 ألف دولار للشقق ذات الغرف الخمس.
ويعكس اختلاف الأسعار تفاوت الوحدات السكنية من حيث المساحة والتصميم والمواصفات، فضلا عن اختلاف المباني والفئات داخل المشروع.
وتبرز هنا مسألة أخرى لا تقل أهمية عن السعر، وهي طريقة الدفع.
ففي حين تشير معلومات عن المشروع إلى إمكانية شراء بعض الوحدات بالتقسيط حتى اكتمال البناء، قال وزير التنمية الحضرية والإسكان إن آلية التقسيط تواجه حاليا مشكلات مرتبطة بعملية شراء المساكن، وإن العمل جارٍ على حلها.
وهذه المسألة مهمة بالنسبة إلى كثير من المشترين المحتملين، لأن دفع عشرات الآلاف من الدولارات دفعة واحدة يبقى خارج قدرة معظم الموظفين وأصحاب الدخول المحدودة.
في موقع المشروع، لا تبدو الشقق بالنسبة إلى بعض الزوار مجرد وحدات جديدة، بل فرصة للحصول على منزل في منطقة يرون أنها مناسبة للعيش.
رسول خان، أحد سكان كابل الراغبين في شراء شقة، يقول للجزيرة نت إنه بحث لسنوات عن منزل في موقع جيد وبسعر مناسب، قبل أن يلفت مكروريان الخامس اهتمامه.
وبعد التشاور مع أسرته وأصدقائه، قرر التوجه نحو المشروع، مستفيدا من موقعه وقربه من الأسواق والخدمات، إضافة إلى طبيعة المجمع وما يفترض أن يوفره من مرافق للسكان.
ويأمل رسول خان في شراء شقة بنظام التقسيط، معتبرا أن الدفع على مراحل يمكن أن يجعل امتلاك المسكن أكثر واقعية بالنسبة إليه.
لكن بالنسبة إلى موظف أفغاني محدود الدخل، تبدو الصورة مختلفة.
يقول أحد الموظفين الذين يتابعون أسعار المساكن ويدعى إبراهيم خبيب للجزيرة نت إن الشقة التي يتراوح سعرها بين 70 و100 ألف دولار أو أكثر ليست في متناول الموظف العادي، لأن معظم الدخل يذهب إلى المصاريف اليومية واحتياجات الأسرة.
ويرى أن الفئات الأكثر قدرة على شراء هذه الشقق هي رجال الأعمال والتجار، والأفغان الذين لديهم مصادر دخل من الخارج، أو من يستطيعون بيع عقارات أو ممتلكات عائلية لتأمين ثمن المسكن.
ويقول إن التقسيط على عامين أو ثلاثة قد يوسع دائرة المشترين، لكنه يظل مرتبطا بقيمة الأقساط وقدرة الأسرة على الالتزام بها.
ويرى الخبير الاقتصادي الأفغاني محمد محمدي أن نجاح المشاريع السكنية الكبرى لا يرتبط فقط بعدد الأبراج التي تُشيَّد، بل بقدرة السكان على امتلاك الوحدات والاستفادة منها.
ويقول للجزيرة نت إن أسعار الشقق في مكروريان الخامس تجعل الفئات الأكثر قدرة على الشراء أقرب إلى رجال الأعمال والمستثمرين والأفغان المقيمين في الخارج، بينما يواجه الموظفون وأصحاب الدخول المحدودة صعوبة أكبر في تحمل تكلفة هذه المساكن.
ويضيف أن الطلب على العقارات في كابل ارتفع مع النمو السكاني وعودة أعداد كبيرة من المهاجرين، لكن ارتفاع أسعار العقارات لا يزال يمثل عائقا أمام شريحة واسعة من الأسر.
ويرى محمدي أن توفير تمويل سكني طويل الأجل وتسهيلات أكثر مرونة يمكن أن يساعدا في توسيع دائرة المستفيدين من المشاريع السكنية الحديثة، بدلا من اقتصارها على أصحاب القدرة المالية العالية.
وبعد 12 عاما من الانتظار، تقترب أبراج مكروريان الخامس من استقبال سكانها، لكن اكتمال البناء لا يعني بالضرورة أن حلم السكن أصبح في متناول الجميع.
فبينما تراهن السلطات الأفغانية على المشروع لتخفيف أزمة السكن والتوسع العمراني في كابل، تظل أسعار الشقق وطريقة الدفع العاملين الأبرزين في تحديد من سيتمكن فعلا من امتلاك شقة فيها، وهو ما يجعل اكتمال الأبراج بداية اختبار آخر: هل تستطيع الأسر الأفغانية تحمل كلفة السكن الذي بُني من أجلها؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة