بدأ التضخم في أسعار الأغذية أخيرا يتراجع في منطقة اليورو، مما وفر قدرا من الراحة للأسر بعد سنوات من ارتفاع فواتير التسوق، لكن الاقتصاديين يحذرون من أن هذه الهدنة قد تكون مؤقتة. فبدلا من الحرب الأخيرة بين إسرائيل وإيران، تبرز **موجات الحر الشديدة** هذا الصيف كأكبر خطر جديد على أسعار الغذاء في العام المقبل، إذ يهدد الجفاف والحر الشديد المحاصيل في أوروبا وخارجها. وقال توماس دفوراك، كبير الاقتصاديين في "أوكسفورد إيكونوميكس"، في تقرير جديد: "نعتقد أن موجات الحر هذا الصيف ستكون محركا أقوى لارتفاع أسعار الغذاء العام المقبل مقارنة بالحرب". وتنتقل تكاليف الطاقة والأسمدة إلى أسعار الغذاء عبر قناتين رئيسيتين: إذ تُستخدم الطاقة في كل حلقات سلسلة الإمداد الغذائي، من الجرارات والنقل إلى التصنيع والتعبئة والتبريد، مما يجعل الإنتاج أكثر كلفة، كما ترتفع أسعار الأسمدة مع زيادة أسعار الغاز الطبيعي، فتزداد الأعباء على المزارعين. وتستغرق هذه التكاليف وقتا قبل أن تظهر على رفوف المتاجر، إذ يمكن أن تؤثر أسعار الطاقة في الأسمدة خلال أسابيع، بينما يؤدي خفض استخدام الأسمدة أو تغيير نوعية المحاصيل المزروعة إلى رفع أسعار الغذاء بعد موسم الحصاد التالي فقط. ويتوقع اقتصاديون في "أوكسفورد إيكونوميكس" و"دويتشه بنك" أن يعود تضخم أسعار الغذاء للارتفاع العام المقبل مع انتقال أثر ارتفاع أسعار السلع إلى سلسلة الإمداد الغذائي، وتقدّر "أوكسفورد إيكونوميكس" أن الارتفاع المشترك في أسعار النفط والأسمدة والسلع الزراعية يمكن أن يضيف نحو نصف نقطة مئوية إلى تضخم أسعار الغذاء في منطقة اليورو خلال العام المقبل، في حين خلص اقتصاديون في "دويتشه بنك" إلى أن صدمة السلع بين مارس ويونيو قد ترفع أسعار الغذاء بنحو 1.3% في المملكة المتحدة و0.8% في منطقة اليورو خلال العام القادم، بما يعادل زيادة إجمالية في التضخم تتراوح بين 0.1 و0.15 نقطة مئوية.
انخفض **التضخم في أسعار الأغذية** في منطقة اليورو من 2.5% على أساس سنوي في ديسمبر 2025 إلى 1.6% في يونيو 2026، وفقا للتقدير السريع لهيئة "يوروستات"، في أدنى قراءة لمعدل التضخم المنسق في الأغذية منذ منتصف 2021. وتشير المؤشرات المتقدمة إلى أن تضخم أسعار الغذاء قد يظل منخفضا لبقية العام، ويعود ذلك إلى محصول حبوب قوي في 2025، وإلى فائض في إمدادات الحليب الخام أدى إلى خفض أسعار الألبان، فضلا عن انحسار صدمات الأسعار العالمية السابقة واستقرار أسعار الشوكولاتة والكاكاو والقهوة بعد القفزات الكبيرة في 2025، في حين تواصل أسعار زيت الزيتون هبوطها من مستوياتها القياسية في 2022، كما ساهم انخفاض تكاليف الطاقة في تقليص كلفة تصنيع الأغذية. وتتوقع "أوكسفورد إيكونوميكس" أن تُبقي هذه العوامل تضخم الغذاء مكبوحا في الأشهر المقبلة، وقد خفّضت توقعاتها لتضخم أسعار الأغذية والمشروبات الكحولية والتبغ إلى 2.1% في 2026، لكنها تضيف في تقريرها: "نعتقد أن تضخم أسعار الغذاء ما زال مرشحا للتسارع، ولكن مع تأخر أطول مما افترضناه سابقا". ويرى اقتصاديون في "دويتشه بنك" أيضا أن الضغوط السعرية آخذة في التراجع؛ إذ تشير أسواق العقود الآجلة إلى أن أسعار الطاقة ينبغي أن تنخفض تدريجيا خلال الأشهر المقبلة، بينما استقرت أسعار الغذاء والأسمدة العالمية إلى حد كبير، كما توحي أسعار توريد المنتجين وأسعار الجملة باستمرار حالة التضخم المنخفض في الأغذية. ومع ذلك، يحذر الخبراء من أن تجدد التوترات الجيوسياسية قد يقلب هذا الاتجاه رأسا على عقب.
قد تكون موجات الحر هذا الصيف والظروف الدافئة والجافة على نحو غير معتاد أكثر تأثيرا في أسعار الغذاء من صدمة السلع نفسها؛ إذ يُعد الضرر الذي لحق بالمحاصيل بالفعل غير قابل للتفادي، بينما يمكن لموجات حر إضافية أن تقلص الحصاد أكثر، ما يدفع تضخم أسعار الغذاء إلى مستويات أعلى في 2027. وقد يساهم **النينيو القوي** هذا العام في تأجيج الأحوال الجوية المتطرفة، وزيادة مخاطر الاضطرابات. وقالت "أوكسفورد إيكونوميكس": "يمكن أن يتزايد أثر الأحوال الجوية السلبية أكثر بسبب قوة ظاهرة النينيو هذا العام. ونقدّر أنها ستضيف حتى نقطة مئوية واحدة إلى تضخم أسعار الغذاء في العام المقبل، وسنرفع توقعاتنا لعام 2027 إلى نحو 3%". ومن المنتظر أن يظهر القفز في الأسعار في النصف الأول من 2027 قبل أن يتراجع تدريجيا في النصف الثاني من العام.
تشير "أوكسفورد إيكونوميكس" إلى ورقة عمل أصدرها البنك المركزي الأوروبي في 2023 خلصت إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يدفع أسعار الغذاء والتضخم العام إلى الصعود مع مرور الوقت، مع تأثير أقوى على الأغذية، كما وجدت أن ارتفاع الحرارة يمكن أن يواصل تأثيره في التضخم لمدة تصل إلى 12 شهرا بعد الصدمة المناخية الأولى. وتقدّر ورقة العمل أن الاحترار العالمي قد يرفع، بحلول 2035، متوسط التضخم السنوي العالمي في أسعار الغذاء بين 0.92 و3.23 نقطة مئوية تبعا لسيناريو المناخ المعتمد، كما تشير إلى أن موجة الحر التي شهدتها أوروبا في 2022 رفعت تضخم أسعار الغذاء الأوروبية بمقدار 0.67 نقطة مئوية، وتضخم أسعار الغذاء في منطقة اليورو بمقدار 0.78 نقطة مئوية، مع أقوى الآثار في جنوب أوروبا. غير أن موجات الحر المستقبلية قد تكون لها تأثيرات أكبر على أسعار الغذاء؛ فمع استمرار الاحترار يُتوقع أن تتزايد الآثار التضخمية للصيفيات المتطرفة، ويقدّر البنك المركزي الأوروبي أنه إذا تعرضت القارة لموجة حر مماثلة لتلك التي حدثت في 2022 في ظل ظروف مناخية متوقعة لعام 2035، فإنها سترفع تضخم أسعار الغذاء الأوروبية بنحو نقطة مئوية واحدة، مقارنة بـ0.67 نقطة مئوية اليوم، ويرى الباحثون أنه مع ارتفاع درجات الحرارة تصبح المحاصيل أكثر عرضة للإجهاد الحراري، ما يعني أن موجة الحر نفسها ستسبب خسائر أكبر في الحصاد وضغوطا أشد على أسعار الغذاء.
المصدر:
يورو نيوز