بعد واحد من أقوى الأعوام في تاريخ المعدن الأصفر، لا يبدو أن المستثمرين الكبار يستعدون للتخلي عن رهاناتهم على الذهب، بل على العكس، تشير تقديرات مديري أموال وبنوك استثمارية إلى أن العوامل التي دفعت الأسعار إلى مستويات قياسية في 2025 ما زالت قائمة، وإن بوتيرة أكثر حذرًا في 2026، وفق تقرير لوكالة بلومبيرغ، وتحليلات منصة إنفستنغ دوت كوم.
سجّل الذهب قفزة بنحو 65% خلال 2025، في أفضل أداء له منذ ما يقارب نصف قرن، مدفوعًا بـ:
وتجاوز المعدن مستوى تاريخيًا معدّلًا للتضخم ظل صامدًا منذ 1980، بحسب بيانات بلومبيرغ.
ورغم هذا الأداء الاستثنائي، فإن معظم مديري الأموال يستبعدون تكرار السيناريو نفسه في 2026، لكنهم في المقابل لا يتوقعون تصحيحًا حادًا.
وقال مدير المحافظ في "فيديلتي إنترناشيونال" إيان سامسون، إن مؤسسته "تواصل توقع ارتفاع الذهب في 2026، لأن محركات الصعود الأساسية ما زالت قائمة"، مشيرًا إلى مشتريات البنوك المركزية، وتراجع أسعار الفائدة، وارتفاع العجوزات المالية.
ويرى مستثمرون أن تآكل الثقة في العملات الرئيسية بات أحد أعمدة الدعم الرئيسة للذهب، في ظل تصاعد الديون السيادية والضغوط السياسية على استقلالية البنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة.
واعتبر كبير مسؤولي الاستثمار في "مورغان ستانلي" مايك ويلسون، أن الذهب أصبح "رهانًا مضادًا للعملات الورقية أكثر من أي شيء آخر"، في إشارة إلى ما يُعرف بتجارة "تآكل القيمة".
وأضاف ويلسون أن هذا السرد "لم يُسعّر بالكامل بعد"، مستدلًا بغياب أي إشارات إلى انضباط مالي عالمي، بل "العكس تمامًا".
وينصح بتخصيص نحو 20% من المحافظ للأصول الحقيقية، بينها الذهب، بدل النموذج التقليدي 60/40.
تُظهر بيانات نقلتها بلومبيرغ أن الذهب ما زال منخفض الوزن نسبيًا في المحافظ الأميركية الخاصة، إذ لا تتجاوز حصة الصناديق المتداولة المدعومة بالذهب 0.17% من إجمالي الأصول المالية، وهو أقل من ذروة 2012.
ويقدّر "غولدمان ساكس" أن كل زيادة بمقدار 0.01% في هذه الحصة قد ترفع الأسعار بنحو 1.4%.
في الوقت ذاته، تتوقع المصارف استمرار مشتريات البنوك المركزية عند مستويات مرتفعة في 2026، بنحو 80 طنًا شهريًا، بعد أن تحوّل الذهب إلى أداة تحوّط إستراتيجية منذ تجميد الاحتياطيات الروسية في 2022، كونه أصلًا "لا يمكن تجميده"، وفق توصيف مستثمرين.
من جهتها، ترى إنفستنغ دوت كوم، نقلًا عن محللي "يو بي إس"، أن البيئة الأساسية ما زالت داعمة لمزيد من المكاسب، مع تراجع أسعار الفائدة الحقيقية الأميركية إلى أدنى مستوياتها منذ منتصف 2023.
ورفع المصرف هدفه السعري للذهب إلى 5 آلاف دولار للأونصة بحلول مارس/آذار 2026، معتبرًا أن دور المعدن كأداة تنويع وتحوط "لم يتراجع".
كما توقّع محللو "إتش إس بي سي" أن يلامس الذهب هذا المستوى في النصف الأول من 2026، مع التحذير من أن الزخم قد يفتر لاحقًا مع تقدم 2026، في ظل تشبع جزئي في مراكز المضاربة.
رغم الإجماع النسبي على النظرة الإيجابية، فإن بعض مديري الأصول يحذرون من أن ارتفاع حصة المستثمرين المضاربين قد يرفع ارتباط الذهب بالأصول عالية المخاطر.
ومع ذلك، يرى شانيل رامجيه من "بيكتيه لإدارة الأصول" أن استمرار الشراء من البنوك المركزية يوفر "قاعدة دعم أكثر استقرارًا"، مرجحًا أن يتحرك الذهب صعودًا في 2026 "بوتيرة أهدأ وأكثر تدرجًا".
وقد لا يكرر الذهب صعوده الاستثنائي، لكنه ما زال يحتفظ بمكانته كأحد أبرز الملاذات في عالم يتجه نحو ديون أعلى، وثقة أضعف بالعملات، وجغرافيا سياسية أكثر اضطرابًا.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة