قبل عصر وسائل التواصل الاجتماعي.. كيف صنعت ماري عجمي ووداد سكاكيني وعي المرأة العربية؟
ليست كل شهرة دليلا على أثر، وليست كل موجة حضور تعني أن صاحبها ترك بصمة باقية. بين من يصنع الوعي بالكلمة ومن يصنع الحضور بالصورة، تتشكل اليوم أسئلة جديدة حول معنى التأثير الحقيقي: من يكتب الذاكرة فعلا، ومن يمحوه الضجيج؟
في وقت تتصدر فيه "المؤثرات " وصانعات المحتوى المشهد عبر منصات التواصل الاجتماعي، وتتحول فيه الموضة ومستحضرات التجميل والعلامات التجارية إلى الوقود الأساسي للمحتوى الأكثر انتشارا، قد يبدو من الصعب تخيل زمن كانت فيه المرأة تصنع حضورها وتأثيرها بطريقة مختلفة تماما؛ زمن لم تكن فيه كاميرات الهواتف الذكية ولا أزرار الإعجاب، بل كانت الكلمة هي الوسيلة الأهم للوصول إلى العقول وصناعة الرأي العام.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 من قيس ليلى إلى هتلر.. "الدحيح" يكشف الوجه المظلم لفخاخ الرومانسية
* list 2 of 2 الثبات أول طريق التحرير.. تميم البرغوثي يواجه اليأس بالشعر والبندقية end of list
قبل أكثر من قرن، كانت نساء عربيات يشققن طريقهن إلى المجال العام عبر الصحافة والكتابة والعمل الثقافي، في وقت كان ظهور المرأة فيه استثنائيا ومحاطا بالتحديات. ومن بين هذه الأسماء، برزت السوريتان ماري عجمي ووداد سكاكيني، اللتان تركتا أثرا تجاوز حدود زمانهما، وفتحتا الباب أمام حضور نسائي يقوم على الفكر والمعرفة والمشاركة في قضايا المجتمع.
عندما كانت «المجلة» هي «تيك توك» العصر!
اليوم، يكفي أن ينشر حساب على « إنستغرام» أو «تيك توك» مقطعا قصيرا حتى يتحول خلال ساعات إلى "تريند " يتداوله الملايين. حدث واحد قد يكفي لصناعة موجة جارفة من التفاعل؛ كما جرى مع صانعة المحتوى نارين بيوتي، حين تحولت تفاصيل حفل زفافها إلى حدث رقمي ضخم، تابع الجمهور خلاله كل اللقطات من الفستان إلى الإطلالة، في مشهد يعكس كيف أصبحت "الصورة " وصناعة اللحظة جزءا أساسيا من تشكيل الاهتمام العام.
في مقابل ذلك، كان المشهد في بدايات القرن العشرين مختلفا بأسره؛ إذ كانت المجلات والصحف هي المساحة الأساسية التي يُصنع فيها الرأي العام وتُطرح من خلالها أسئلة التعليم والثقافة ودور المرأة. كانت المقالة تُقرأ ببطء، وتُناقش بعمق، وتترك أثرا يتراكم مع الوقت. لم تكن المجلات النسائية آنذاك تكتفي بالشؤون اليومية العابرة، بل كانت منبرا لتشكيل الوعي العام وفتح نقاشات مجتمعية غير مسبوقة.
ماري عجمي.. حين كانت الكلمة موقفا
في المشهد الرقمي الراهن, اتسع مفهوم «صناعة المحتوى» بشكل غير مسبوق، حتى باتت أي سيدة تنشر وصفة طعام، أو مقطعا لإعداد الفسيخ، أو فيديو عن المكياج وصبغات الشعر، أو حتى توثق تفاصيل عادية كـ "تحضير سندويش زعتر لطفلها "، تُصنَّف مباشرة ضمن فئة «المؤثرات». لم يعد الشرط هو الفكرة أو الموقف أو الإنتاج الثقافي، بل أصبح معيار الوصول مرتبطا بسرعة الانتشار وإيقاع المشاهدة الخاطف.
كان الوصول إلى الجمهور في الماضي يمر عبر مسار مختلف تماما؛ مسار يعتمد على المقالة والموقف والجدل الثقافي، حيث كانت المجلة مساحة يُصنع فيها الوعي بهدوء وبعمق بوصفها جزءا من مشروع فكري لا مجرد محتوى عابر.
في هذا السياق، برزت ماري عجمي كإحدى أوائل الصحفيات السوريات وأكثرهن تأثيرا في بدايات القرن العشرين؛ حيث أسست مجلة «العروس» في دمشق عام 1910. وفي مرحلة كانت الصحافة النسائية فيها في بداياتها الأولى، كان إصدار مجلة ترأسها امرأة حدثا بحد ذاته في مجتمع محافظ.
لم تكن «العروس» مجلة خفيفة، بل حملت طابعا إصلاحيا واضحا، وفتحت نقاشا مباشرا حول تعليم المرأة وحقها في المشاركة بالحياة العامة، إلى جانب قضايا الأدب والنهضة. كتبت ماري عجمي في كبرى الصحف والمجلات العربية، لتصبح صوتا نسائيا نادرا دخل المجال العام عبر الكلمة لا عبر أي حضور آخر.
لم تكن ماري عجمي تبحث عن الشهرة الشخصية، بل عن تغيير المجتمع والدفاع عن قضايا النهضة، ليبقى اسمها مرتبطا بـ (الكتابة كفعل مقاومة ثقافية) أعمق من كونه مجرد تجربة صحافية عابرة
وداد سكاكيني.. الكتابة بوصفها وعيا نقديا
أما وداد سكاكيني، فتمثل امتدادا مختلفا للحضور النسائي في الثقافة العربية؛ حيث لم تكتفِ بالكتابة الأدبية، بل اقتحمت فضاء النقد الأدبي والمقالة الفكرية في مرحلة كان فيها هذا المجال محتكَرا تقريبا من الأسماء الذكورية.
انشغلت سكاكيني بقراءة الأدب العربي الحديث وتحليل تحولاته، وكتبت عن صورة المرأة في السرد وموقعها بين الواقع والتمثيل الأدبي. لم يكن حضورها قائما على الحكي فقط، بل على مساءلة النصوص وتفكيكها، مما منح كتابتها طابعا نقديا رصينا.
وفي بيئة ثقافية كانت المرأة فيها غالبا "موضوعا " يُكتب عنه، شكّل انتقال سكاكيني إلى موقع "الناقدة " تحولا جوهريا؛ إذ كتبت من موقع يفكك الخطاب الثقافي ذاته ويعيد تأويله.
لم يرتبط اسم وداد سكاكيني بالاستعراض أو الضجيج، بل بتراكم فكري هادئ أخرج المرأة العربية من هامش النص إلى مركز قراءته ونقده
من «المجلة» إلى «السوشيال ميديا».. صراع العمق والسرعة
رغم الفارق الزمني الشاسع، يظل هناك خيط مشترك بين مجلات الأمس ومنصات اليوم: كلاهما نافذة للوصول إلى الجمهور والتأثير فيه. لكن الاختلاف الجوهري يكمن في طبيعة هذا التأثير والمعايير التي تمنحه مساحة الانتشار.
في زمن ماري عجمي ووداد سكاكيني، ارتبط الحضور النسائي بالإنتاج الفكري والمشاركة في النقاشات الثقافية والاجتماعية. أما اليوم، فتنحاز المنصات الرقمية للمحتوى السريع القائم على الصورة والترويج والاستهلاك، مما جعل مجالات الموضة والجمال ونمط الحياة تطغى على المشهد العام.
هنا تظهر المفارقة الأعمق: لم يعد معيار التأثير مرتبطا بعمق الفكرة، بل بسرعة تداولها. وبينما كان يُقاس أثر الرائدات بما يتركه من وعي ومعرفة طويلة الأمد، بات جزء كبير من الحضور المعاصر يُقاس بأرقام المشاهدات والتفاعل اللحظي العابر.
بين «رائدة» و«مؤثرة».. كيف تغير المعنى وتلاشى الأثر؟
في السابق، كان يُطلق على النساء اللواتي يفتحن مسارات جديدة في الفكر والصحافة لقب «رائدات»؛ وهو وصف يرتبط بالفعل التأسيسي والتغيير المجتمعي. اليوم، حلّ لقب «مؤثرة» مكانه في معظم السياقات، ليرتبط بالحضور الرقمي وعدد المتابعين وسرعة الانتشار.
ومع تغيّر المصطلحات، تبدل مفهوم التأثير ذاته من الفكرة والموقف إلى الصورة والتفاعل اللحظي. هذا التحول يعيد تشكيل فهمنا لمن يترك أثرا حقيقيا في الذاكرة العامة.
رغم ملايين المتابعين التي تحظى بها مؤثرات اليوم، يبقى احتمال النسيان قائما مع انحسار الضجيج. في المقابل، تظل أسماء مثل ماري عجمي ووداد سكاكيني حاضرة في الذاكرة؛ لأن (ذاكرة الورق) أثبتت أنها أكثر ثباتا من ذاكرة العصر الرقمي
رغم الفارق في الوسائل والأزمنة، يبقى الأكيد أن التأثير الحقيقي لا يُقاس بالانتشار وحده، بل بما ينجو من النسيان، ويستمر بعد أن يصمت الضجيج.