اختار فيديريكو غارسيا لوركا أن يكرّس بضع دقائق للحب من حديقة منزله في سان بيثينتي، خلال انتفاضة 18 من يوليو 1936، حين كانت قد انتشرت في أرجاء شبه الجزيرة الأيبيرية الأنباء التي ستغيّر مسار التاريخ الحديث لإسبانيا وتحكم عليه بالموت بعد شهر واحد، باعتباره الشاعر الأندلسي الأكثر عالمية.
يُعتقد أن المرسل إليه في هذه السطور كان خوان راميريث دي لوكاس، الصحفي وناقد الفن المنحدر من محافظة ألباثيتي. وقد يكون دي لوكاس، الذي توفي عام 2010 وكان وقت كتابة الرسائل طالبا، هو العاشق الذي ألهم قصائد لوركا "Sonetos del Amor Oscuro"، رغم أنه حافظ لأسباب واضحة على قدر كبير من التحفظ إزاء هذه الوقائع، حتى بعد نهاية دكتاتورية فرانكو.
وقد احتفظ راميريث دي لوكاس بالرسالة المتبادلة بين الفنان البالغ من العمر 38 عاما والطالب الذي لم يتجاوز 16 عاما طوال 70 عاما. وقبيل وفاته مباشرة سلّم لإخوته مجموعة من الرسوم والرسائل ويوميات عن علاقته بالفنان، ظهرت بينها هذه الرسالة. ويرى المختصون الذين حللوا المادة بعد نشرها عام 2012 أن هذه هي آخر رسالة كتبها لوركا قبل اعتقاله وإعدامه رميا بالرصاص في مكان غير محدد بين بلديتي بيثنار وألفاكار.
مرّت 90 عاما على تلك الأحداث، لكن المخطوطات وأعمال الأندلسي لا تزال تُستعاد حتى اليوم، رغم أن جثمانه، مثل جثامين كثير من الإسبان الآخرين، لم يُعثر عليه بعد . وتُحصي وزارة السياسة الإقليمية والذاكرة الديمقراطية أكثر من 3.000 مقبرة جماعية، تُقدّر جمعيات الضحايا أن مدفونة فيها بين 114.000 و130.000 شخص لم تُنبش رفاتهم بعد.
ومن أمثلة الاستعادة الثقافية الأخرى قصيدة عن الوقت، أحد الموضوعات التي وصلت إلينا اليوم كنوع من كليشيه لوركي بفضل النسخة التي قدّمها مغني الفلامنكو كامارون عن مقطع من مسرحية "Así que pasen cinco años"، والتي أعاد "لوس خافيس" تقديمها الآن في إعلان الفيلم الروائي الجديد المستوحى من قصة لوركا وعشّاقه وعالمه، "La Bola Negra"، الحاصل حديثا على جائزة أفضل إخراج في مهرجان كان السينمائي.
وبالإضافة إلى تولّيه إعادة تأهيل المنزل الواقع في إحدى جواهر العمارة النصرية حيث عاش الشاعر طفلا بين عامي 1900 و1916، في شقة بالطابق الأرضي في شارع Acera del Darro، رقم 50، نجح مغني الفلامنكو ميغيل بوبيدا في اقتناء مخطوطة يظهر على ظهرها قصيدة غير منشورة للوركا، وقد صادقت الباحثة المتخصّصة في أعماله بيبا ميرلو على صحة خطه فيها.
وقد ألّف كل من ميرلو وبوبيدا كتاب "Las cosas del otro lado. Lo inédito en Federico García Lorca"، الصادر في شهر أبريل من هذا العام، لتحليل أحدث الاكتشافات المتعلقة بعالم الفنان الأدبي، والذي سينضم إلى منشورات المركز الثقافي الجديد الذي أُعيد افتتاحه في البيت الذي مثّل مسكن طفولته.
ومن المقرّر أن يُعرض فيلم روائي ثان عن لوركا، من إخراج فرناندو فرانكو، في عام 2027. وسيعيد هذا العمل بناء الأسابيع الأخيرة من حياة فيديريكو، من فراره من مدريد عقب "الانتفاضة" حتى إعدامه رميا بالرصاص في غرناطة. وسيتعيّن الانتظار بضعة أشهر لمعرفة ما إذا كان الفيلم سيخصّص بضع دقائق لتكريم الرسالة الموجّهة إلى راميريث دي لوكاس، تلك التي لم تتلقّ يوما أي رد.
المصدر:
يورو نيوز