في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
شكلت المناظرة الرئاسية الأمريكية بين جو بايدن ودونالد ترمب في 27 يونيو/حزيران 2024 لحظة فارقة في التقييم السياسي المعاصر؛ ليس فقط بسبب مدى الكبر في السن الذي بدا عليه بايدن (81 عاما)، أو أدائه المرهق المتأرجح بين الشحوب والتجمد، بل لأن ذلك الأداء نجح بشكل باهر في جعل ترمب يبدو شابا ومتوهجا بنحو استثنائي!
كان ترمب في تلك اللحظة ثاني أكبر مرشح رئاسي سنا في تاريخ الولايات المتحدة – ثانيا بعد بايدن نفسه – حيث كان قد أتم عامه الـ 78 قبل أيام قليلة فقط من المناظرة؛ ومع ذلك، فإن تعثر خصمه الثمانيني أضفى عليه طابعا نضرا؛ فبدا ترمب متنبها، وصوته أكثر ثقة، وعيناه صافيتين، وسلوكه يشي برجل يملك كل الوقت لمراقبة انهيار ترشيح منافسه.
آنذاك، أشار التحليل الذي أجرته شبكة "إن بي سي نيوز" (NBC News) عقب المناظرة إلى أن ترمب خرج عن الموضوع بنسبة 50% من الوقت، مقارنة بنسبة 30% لبايدن. لكن ذلك لم يكن مهما على الإطلاق؛ إذ بدا رجل واحد فقط من بينهما وكأنه يعرف أين يقف!
تقف مناظرة ترمب وبايدن كإدانة صريحة للنظام السياسي في أمريكا: لقد حدث خطأ جسيم عندما يُزود سياسي مسن يملك نفس عيوب ترمب في الشخصية والكفاءة بمنصة تظهره كخيار مفعم بالحيوية.
لكن، وكما يجادل صموئيل موين في كتابه الجديد "تقديس أصحاب العمر الطويل.. حكم المسنين واحتكار الثروة والسلطة في أمريكا"، فإنه من الخطأ التركيز على سن المرشحين الرئاسيين الأخيرين (إذ كان ترمب وبايدن أكبر المرشحين سنا في التاريخ حتى في عام 2020) كرمز لما يسميه «حكم المسنين في أمريكا» (gerontocracy in America).
فأنظمة الحزبين لطالما نزعت إلى طرح خيارات خيالية ومجحفة؛ فتارةً يبرز رجالٌ مسنون، وتارةً غيرهم.
فكم من فرنسي شعر بالحسرة حين أُكره على المفاضلة بين شيراك ولوبان عام 2002؟ وكم من بريطاني واجه المأزق ذاته بين جونسون وكوربين عام 2019؟ إن الانتخابات الوطنية أحداث تقلبها المصادفات، ونادرا ما تخضع مساراتها لنمط حتمي ثابت.
بل لعل الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة قد تُخاض بين شباب مثل ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز (36 عاما) أو جون أوسوف (39 عاما) في مواجهة جي دي فانس (41 عاما) أو دونالد ترمب الابن (48 عاما).فأي وزن يبقى لمقولة "حكم المسنين" حينئذ؟"
وفي الواقع، فإن الدليل الحقيقي الذي يستند إليه صموئيل موين للتأكيد على أن السلطة في الولايات المتحدة قد أضحت أكثر ميلا نحو كبار السن وبعيداً عن الشباب، يمكن العثور عليه خارج صخب السياسة الرئاسية التي تُستخدم عادة كعامل إلهاء وتشتيت كبير.
في هذا السياق، أشار المفكر والكاتب ديفيد رونسيمان – في مراجعته وتحليله لكتاب موين المنشور في صحيفة "لندن ريفيو أوف بوكس" (London Review of Books) – إلى هذه الحقيقة قائلاً: "إن لحظة إدراك الحقيقة بالنسبة لي جاءت في وقت سابق من هذا العام، عندما قرأتُ أن ألفين هيليرشتاين، القاضي الذي يترأس القضية الفيدرالية ضد نيكولاس مادورو، يبلغ من العمر 92 عاما!"، لكن صدمته الأكبر تمثلت في تكشّف الأرقام؛ إذ تبين أن 6% من جميع القضاة الفيدراليين (البالغ عددهم 1400 قاضٍ، إذا جرى تضمين 500 قاضٍ شبه متقاعد يواصلون العمل بـ "وضع كبار السن" بعد سن الـ 65 عاما) هم في التسعينيات من أعمارهم.
وهو ما يعني أن هناك نحو ثمانين قاضيا تسعينيا، بل إن أكبرهم سنا القاضي ليو جلاسر من المحكمة الفيدرالية للدائرة الشرقية في نيويورك، يبلغ من العمر 102 عاما. والتفسير هنا بسيط للغاية:
يتابع رونسيمان تحليله قائلا، إن احتمال أن تجد نفسك وجها لوجه مع قاضٍ تسعيني هو نسخة واحدة فقط من حكم المسنين في أمريكا.
ومع ذلك، وكما يوضح موين، ليست الولايات المتحدة هي الدولة التي تضم أكبر سكان العالم سنا، ولا أبطأ معدل مواليد، ولا الملف الديموغرافي الأكثر اختلالاً؛ بل هي بعيدة كل البعد عن ذلك.
فلا يزال متوسط العمر الإجمالي للأمريكيين تحت الـ 40 عاما (39.2)، وهو أقل من الصين (40.2) وأقل بكثير من أوروبا (تبلغ 48.8 في إيطاليا) أو اليابان (50.2). ومعدل الخصوبة الإجمالي في الولايات المتحدة (عدد الأطفال المولودين لكل امرأة) هو 1.6، وهو وإن كان أقل بكثير من مستويات الإحلال، إلا أنه لا يزال أعلى بكثير من كندا (1.2)، ناهيك عن كوريا الجنوبية (0.75). بالمعايير العالمية، ورغم ذلك؛ فإن الشعب الأمريكي يتجه نحو الشيخوخة لكنه ليس مسنا بشكل خاص، وهو ناضج لم يبلغ مرحلة التصلب بعد.
ويرى رونسيمان أن المشكلة البنيوية تكمن في الأنظمة السياسية والاقتصادية الأمريكية؛ فالولايات المتحدة تقود العالم في تمكين كبار السن من الاحتفاظ بامتيازاتهم، وإرغام الشباب على دفع الثمن، مما يفاقم التفاوت في الثروة والسلطة بأقصى درجة.
وهنا يُبرز رونسيمان الذكاء في اختيار عنوان كتاب موين، الذي يستحضر عمدا عنوان كتاب ألكسيس دي توكفيل الشهير "الديمقراطية في أمريكا" الصادر قبل نحو قرنين.
فكما لم يكن توكفيل يرى في الديمقراطية الأمريكية مجرد حالة فريدة أو استثناء إحصائي، بل نذيرا مبكرا لما يؤول إليه أي مفهوم سياسي يُترَك دون قيود؛ يرى موين الأمر ذاته اليوم: فإذا كانت أمريكا القرن التاسع عشر لمحةً عن ديمقراطية أُطلق لها العنان بلا رادع، فإن أمريكا القرن الحادي والعشرين هي التجسيد الصارخ لـ "حكم المسنين" عندما يُترك بلا كوابح.
ويستطرد رونسيمان في تحليل أسباب هذه الظاهرة موضحا أن جزءا رئيسا من المشكلة يعود إلى الدستور الأمريكي نفسه؛ فقد صاغه رجال يخشون استبداد الأغلبية، فوضعوا ضوابط مؤسسية للحد منها.
وكان من أبرز هذه الضوابط منح القضاة الفيدراليين مناصبهم مدى الحياة، فلا يُطرد القاضي لمجرد أن الجماهير ملّت أساليبه الهرمة! أما الضابط الآخر فكان مجلس الشيوخ، الذي يوضح موين أن اسمه مشتق أصلاً من فكرة "مجلس المسنين" (Senatus).
ورغم أن أعضاءه لم يكونوا يُنتخبون مباشرة في البداية، فإن الاقتراع المباشر اليوم لم يغير من حقيقة كونهم كبارا في السن كما أُريد لهم دائما؛ إذ يصل متوسط أعمارهم إلى 64 عاما، ويضم المجلس بين جنباته خمسة أعضاء في الثمانينيات من أعمارهم.
يشرح رونسيمان هذا التحول التاريخي مبيّنا أن هذه المؤسسات القضائية والتشريعية نشأت في عالم قد انقضى؛ فقد افترض الآباء المؤسسون أن الأغلبيات الديمقراطية ستخضع حتما لطبيعة التركيبة الاجتماعية في ذلك الوقت: أن يكونوا فقراء نسبيا، وجاهلين نسبيا، وشبابا نسبيا.
ومن ثم فإن وجود ممثلين أغنى، وأفضل تعليما، وأكبر سنا كان بمثابة ثقل موازن ضد نزعة الديمقراطيات غير المنضبطة لمصادرة أصول الأقلية. أما اليوم، فإن أكثر من نصف الأمريكيين يلتحقون بالتعليم العالي، ولا يزال الفقر الحاد موجودا لكن الأمة ككل أغنى بغير قياس مما كانت عليه قبل 250 عاما.
إلا أن الاختلاف الأكبر وفق رونسيمان، يكمن في أن الأغلبية لم تعد شابة؛ فالأجيال الأكبر سنا باتت تستطيع التفوق في التصويت على الأجيال الشابة. ولم يعد وجود الممثلين المسنين يبدو وكأنه ضابط أو كبح لأي شيء، بل هو أقرب إلى إصبع إضافية تضغط على كفة ميزان اختل توازنه من الأساس!
وينتقل رونسيمان إلى محور آخر من تحليل موين موضحا أن كتابه يفند فكرة التركيز الحصري على التمثيل السياسي، معتبرا إياه مجرد عرض جانبي؛ فبالنظر إلى مدى انحراف الثروة في الولايات المتحدة نحو كبار السن، ومدى حسم الناخبين الأكبر سنا لنتائج الانتخابات، فإن مسألة من يفوز بتلك الانتخابات قد تكون ثانوية؛ إذ يتعين على الفائزين في النهاية تنفيذ ما يريده الناخبون لضمان إعادة انتخابهم. وكما كتب موين: "إذا كان الناخبون أثرياء وكبارا في السن، فقد لا يهم حتى ما إذا كان السياسيون شبابا".
وفي هذا الصدد، يستشهد رونسيمان بتجربته الشخصية ليؤكد هذه المعادلة؛ قائلًا: لقد لمستُ هذا الواقع بنفسي في سياق آخر عقب الانتخابات العامة البريطانية عام 2019؛ إذ التقيتُ بعيد إعلان النتائج بالنائبة ديهينا دافيسون المُنتخبة عن حزب المحافظين في دائرة (بيشوب أوكلاند)، وكانت حينها في الـ 26 من عمرها، كإحدى الحالات النادرة لشباب العشرينيات في مجلس العموم.
ويضيف "يومها، قلتُ لها: كم هو رائع أن تتحدثي تحت قبة البرلمان نيابة عن أبناء جيلكِ من الشباب!"، فنظرت إليّ باستغراب وقالت بصرامة كأي سياسي مخضرم، أنا هنا لتمثيل أبناء دائرتي، وأغلب ناخبيّ هم من كبار السن!"؛ إذ يبلغ متوسط العمر في دائرتها نحو 50 عاما، وكان الذين صوّتوا بكثافة للحزب أكبر سنا من ذلك بكثير".
ويُبرز رونسيمان أسبابا أخرى تقف خلف موقف موين؛ موضحا أن لديه أسبابه الخاصة لعدم الرغبة بالتمادي في مطالبات استبدال السياسيين المسنين بآخرين أصغر سنا؛ فالسناتور الأمريكي الأكثر إصراراً على الحاجة إلى إعادة توزيع الثروة التي تكتنزها الأجيال الأكبر سنا هو – بالصدفة – أحد أولئك الذين هم في الثمانينيات من عمرهم! فـ "بيرني ساندرز" يبلغ من العمر 84 عاما وأُعيد انتخابه لآخر مرة في عام 2024، مما يعني أنه إذا أكمل ولايته فسيكون في التاسعة والثمانين من عمره عندما يتقاعد أخيراً — هذا إذا اختار هو بنفسه أن يتقاعد بالأساس!.
والسؤال الحقيقي الذي يطرحه موين (وفق عرض رونسيمان) هو: لماذا يمارس كبار السن كل هذه السلطة النافذة خلف الكواليس؟ والإجابة هنا أن الخصائص الفريدة للحياة السياسية الأمريكية تؤدي دورها عبر عوامل رئيسية.
لماذا يمتلك كبار السن أموالاً أكثر بكثير؟ يُجيب رونسيمان مستعرضا ما جاء في كتاب موين: إن الإجابة بلمحة واحدة واضحة ومكشوفة؛ فكلما حييتَ أطول، زاد الوقت المتاح لديك لتراكم المدخرات، وزاد احتمال امتلاكك لمنزل، وقل احتمال أن يكون لديك أطفال صغار يعتمدون عليك. بالطبع، هناك الكثير من الاستثناءات لهذا النمط، بما في ذلك كل أولئك الأجداد الذين يعولون أحفادهم.
علاوة على ذلك، فإن العديد من كبار السن هم فقراء، ولا يملكون منازل، ولديهم القليل من المدخرات إن وجدت؛ وعندما يكونون فقراء، يكون المسنون عرضة للخطر والهشاشة كأي شخص آخر، لا سيما وأنهم يفتقرون عادةً إلى القدرة على كسب المال وفي كثير من الحالات يعجزون عن رعاية أنفسهم.
ويُكمل رونسيمان شرح هذا التحول التاريخي نقلا عن موين مبينا أنه: "في الماضي، كانت الشيخوخة مرتبطة تلقائيا بالفقر؛ إذ كان كبار السن يُعدّون عاجزين ومُعالين يواجهون ظروفاً قاسية إن لم تتوفر لهم الرعاية العائلية، ولأجل حمايتهم أُنشئت دول الرفاه الحديثة وبرامج التأمين الاجتماعي.
أما اليوم، وفي أغنى مجتمعات العالم، فقد انقلبت هذه المعادلة؛ إذ لم يعد التقاعد يعني شح الموارد، بل تشكّلت لدى كبار السن تراكمات مالية وثروات هائلة – على هيئة عقارات ارتفعت قيمتها ومعاشات تقاعدية خاصة، وصناديق استثمارية.
والنتيجة هي بروز تفاوت حادّ على جبهتين: تفاوت داخل جيل المسنين أنفسهم (بين أغنيائهم وفقرائهم)، وتفاوت صارخ بين كبار السن الأثرياء وبقية المجتمع من الشباب. وفي هذا السياق، يوضح موين أن الولايات المتحدة تتصدر العالم في اتساع الفجوة بين الثروة والدخل الناتجة عن هذه الفوارق العمرية.
لم تكن صدارة الولايات المتحدة لهذه الفجوة محض مصادفة؛ إذ يوضح رونسيمان (استنادا إلى موين) أن هذه الظاهرة الأمريكية تضرب بجذورها في ثلاثة أسباب بنيوية رئيسية.
قد يتساءل البعض: أليس التذمر من نفوذ كبار السن نوعا من التمييز العمري (Ageism)، طالما أن السن ليس سمة ثابتة كالعرق أو الجنس، وطالما أن كل شاب سيصير مسناً في النهاية؟
يفند موين هذا الطرح بوضوح؛ موضحا أن الوفرة المالية التي يجمعها الأثرياء اليوم هي "اكتناز غير إنتاجي" مُجمَّد في عقارات ضخمة ومدخرات مغلقة لا يستفيد منها المجتمع. كما أن اتساع الفجوة المادية القائمة على السن يجعل إخبار المراهق بأنه "سيستفيد عندما يكبر" مجرد كلام فارغ في ظل مستقبل شديد التقلب والغموض.
ويستعرض رونسيمان الشريط التاريخي لتطور مفهوم «التمييز العمري» عبر محطات أساسية:
تكمن المشكلة في تمكين كبار السن في نزوعهم السلوكي الجماعي نحو المبالغة في الحذر، والارتياب، والتراجع إلى الخلف، واكتناز الثروة بدافع مخاوف غير مبررة.
كما أن زيادة متوسط العمر المتوقع أدت إلى تأخير نقل التركات؛ إذ لا تنتقل الأموال للأبناء إلا بعد أن يبلغوا هم أنفسهم سنا متقدما، فيكتنزونها بدورهم؛ والنتيجة هي كثرة من "الأمراء تشارلز" الذين يقضون أعمارهم في انتظار الإرث، وقليل جداً من "الأمراء هاري" الذين ينفقون بجرأة وشجاعة.
لقد كان التبرير التقليدي للفيزيائي والسياسي الروماني "شيشرون" هو أن المسنين يملكون نظرة متأملة ورزينة تتجاوز النزوات والرغبات العابرة وتحفظ التقاليد. غير أن الديمقراطيات الحديثة تتطلب التغيير والتجديد المستمرين.
واليوم، مع تركز الثروات في أيدي الكبار، تحولوا من ضحايا للتقدم إلى عقبات في طريقه، وباتت السياسات تدار بمنطق السيطرة والحذر: "ما الذي لن يلاحظه الجمهور؟" بدلاً من البحث الشجاع عن "ما الذي ينجح فعليا؟".
يقدم رونسيمان شرحا تفصيليا لرؤية موين النقدية الحاسمة تجاه كافة الحلول النيوليبرالية المطروحة؛ موضحا أن موين يرفض تماما صيغ "إصلاح الاستحقاقات" التي يروج لها اليمين (مثل تقليص برامج الرعاية الصحية "ميديكير" (Medicare) و"ميديكايد" (Medicaid)، أو رفع سن التقاعد إلى السبعينيات)؛ معتبرا أن هذه الإجراءات تعاقب الفئات الفقيرة وتعمق التفاوت، بينما تترك الأثرياء – الذين لا يعتمدون على دعم الدولة – دون أن تمسهم بأذى.
كما يبيّن رونسيمان أن موين لا يتردد في دعوة المجتمع لمواجهة أسئلة أخلاقية بشأن الغرض من الحياة نفسها؛ فيطالب بالتفريق الأخلاقي بين القتل وبين السماح بالموت الطبيعي، بدلاً من الاستماتة في إطالة الحياة عبر تقنيات طبية تحول الوجود في أواخر العمر إلى شقاء محض.
ثم يشرح رونسيمان البديل الاشتراكي الصريح الذي يطرحه موين، والمكون من ثلاثة أركان:
ويستشهد موين (فيما ينقله عنه رونسيمان) على تضخم نفوذ المسنين بما حدث في بيئته الأكاديمية بكلية الحقوق بجامعة "ييل"؛ حيث أدى إلغاء سن التقاعد الإجباري إلى ارتفاع نسبة الأساتذة ممن هم فوق 65 عاما إلى الثلث، ووصول نسبة من هم فوق 70 عاما إلى 15% (وهي نسبة تضاعفت عشر مرات في كليات أخرى).
وهنا يُعقّب رونسيمان مؤكدا صحة هذا الطرح من واقع تجربته الشخصية؛ قائلًا: "تؤكد تجربتي الشخصية صحة هذا المنظور؛ فعندما تركتُ العمل الأكاديمي المهني في سن الـ 57، تحررتُ من أعباء اللجان والاجتماعات العقيمة، وحصلتُ على حرية المعرفة والمشاركة دون الحاجة للتحكم في مقدرات المؤسسة أو حرمان الكفاءات الشابة منها".
يرى رونسيمان أنه رغم نجاعة الطرح الاشتراكي الذي يقدمه موين، فإن معضلته الكبرى تكمن في آليات التطبيق السياسي؛ فالمال يدعم السلطة والسلطة تحمي المال داخل ديمقراطية مأزومة. وهنا تقع جميع المقترحات الراديكالية المطروحة لتعديل الكفة الانتخابية لصالح الشباب في فخ "الدائرة المغلقة" (عقدة البيضة والدجاجة).
غير أن هذه المقترحات تبدو خيالية وغير قابلة للتحقق؛ إذ كيف يمكن إقناع كتلة المسنين النافذة بالذهاب لصناديق الاقتراع والتصويت لصالح قوانين تسلبهم نفوذهم وسلطتهم؟
ويستشهد رونسيمان بما يوضحه المؤرخ والتر شيدل في كتابه الشهير «المُسوِّي الكبير» (The Great Leveler 2017)؛ حيث يثبت أن تقليص الفوارق والتفاوت عبر التاريخ لا يحدث سلماً عبر القوانين، بل عبر الصدمات العنيفة القاسية: (الحروب الشاملة، الثورات المسلحة، المجاعات، والأوبئة).
إلا أن الأزمات الحديثة أثبتت عكس ذلك؛ فجائحة "كوفيد-19" كرّست التفاوت بدلاً من تقليصه، إذ وجهت الدول مواردها الضخمة لحماية كبار السن (ذوي النسبة الأعلى من الوفيات) على حساب تعليم الشباب ووظائفهم. كما كشفت الجائحة التفاوت الطبقي حتى بين المسنين أنفسهم؛ إذ كانت دور الرعاية المكتظة والفقيرة مسرحا للوفيات العالية مقارنة بالأثرياء في منازلهم الخاصة.
وينطبق الأمر ذاته على الأزمة المالية العالمية عام 2008؛ فبين عامي (2007 و2010) انخفض دخل الشباب تحت سن 35 عاما بنسبة 4%، بينما ارتفع دخل الفئة فوق 75 عاما بنسبة 6% بفعل سياسات الدعم الحكومي وخطط إنقاذ البنوك والأصول.
ويخلص رونسيمان إلى أن كتاب صموئيل موين يقدم أطروحة بالغة الأهمية، ويشكل ترياقا حاسما مباشرا للمقولات الزائفة التي تروج لها اللوبيات وزعماء اليمين بادعاء أن الديمقراطيات الحديثة استنفدت طاقتها الاستيعابية للضرائب.
فالحجج المناهضة لفرض الضرائب على الثروات والعقارات والتركات – والتي تسعى جماعات الضغط السياساتي لتشويهها وتسميتها بـ "ضريبة الموت" – تتهاوى كليا أمام الشواهد التاريخية؛ فخلال أزمة الحرب العالمية الثانية، بلغت ضريبة الدخل على الشرائح العليا في بريطانيا 98%، ووصلت الضريبة على الأرباح الفائضة إلى 100%. وقد مكنت تلك الاقتطاعات الحازمة حكومة العمال – رغم إفلاس الدولة عقب الحرب – من تأسيس دولة الرفاه وتدشين الهيئة الوطنية للخدمات الصحية (NHS).
ويؤكد رونسيمان أن الانتظار لاندلاع حرب عالمية جديدة لإحداث هذا التغيير سيكون خطأ جسيما، غير أن مجريات القرن الحادي والعشرين تبدو حبلى باضطرابات كبرى ومفصلية, سواء أكانت بيئية ومناخية، أم تكنولوجية، أم جيوسياسية، أم بيولوجية.
وحين تقع تلك الصدمات وتهتز أركان المنظومة السائدة، لن تكون الترتيبات الاقتصادية والاجتماعية الجديدة مجرد مقترحات ونظريات مطروحة، بل ستفرض نفسها كضرورات حتمية لا غنى عنها لبقاء المجتمعات.
وفي انتظار تلك الصدمة الهيكلية المرتقبة التي ستعيد تشكيل ميزان القوة والتوازن بين الأجيال.. استمتع بتقاعدك، إن استطعت!.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة