في ظل موجات الحر الشديدة والجفاف التي تضرب أجزاء واسعة من أوروبا، من بينها ألمانيا ، هذا الصيف، يتصاعد الجدل في ألمانيا حول كيفية إدارة الموارد المائية وحمايتها من الاستنزاف.
ولم تعد ألمانيا وحدها في هذا المسار؛ إذ دخل ما يعرف شعبياً في أيرلندا بـ"حظر استخدام خراطيم المياه" حيز التنفيذ في دبلن وأجزاء من شرق البلاد، بينما تطبق فرنسا وإيطاليا وسويسرا إجراءات مشابهة لمواجهة الضغوط المتزايدة على الموارد المائية.
وبحسب رابطة المدن الألمانية (Deutscher Städtetag)، تضطر نحو 80 بلدية حالياً إلى إصدار قرارات خاصة خلال أشهر الصيف الحارة.
وتشمل هذه الإجراءات فرض قيود على استخدام مياه الشرب والمياه الجوفية، فضلاً عن حظر سحب المياه من الأنهار والبحيرات في بعض المناطق عندما تنخفض المناسيب إلى مستويات مقلقة.
ويؤكد مسؤولو الرابطة أن التحدي لم يعد متعلقاً بتأمين المياه اليوم فحسب، بل بضمان استدامتها في السنوات المقبلة أيضاً.
ويرى كريستيان شوخارت، الرئيس التنفيذي لرابطة المدن الألمانية، أن الوقت قد حان لتغيير النظرة التقليدية للمياه في ألمانيا.
وأشار إلى أن كثيراً من الألمان كانوا يتعاملون مع المياه في الماضي باعتبارها مورداً لا ينضب، إلا أن التغيرات المناخية فرضت واقعاً مختلفاً.
كما دعا إلى مراجعة رسوم استهلاك المياه، خصوصاً بالنسبة للقطاعات التجارية والصناعية والزراعية، بحيث تصبح هذه الرسوم أداة تشجع على ترشيد الاستهلاك والحفاظ على الموارد المائية.
وأكدت بريتا هاسلمان، رئيسة الكتلة البرلمانية للحزب، أن الشركات التي تستهلك كميات كبيرة من المياه يجب أن تتحمل نصيبها من المسؤولية، داعية إلى توحيد القواعد المنظمة لاستخدام المياه على مستوى ألمانيا بأكملها.
وشددت على أن مياه الشرب المخصصة للسكان ينبغي أن تبقى دائماً في صدارة الأولويات، معتبرة أنها ليست سلعة عادية يمكن التعامل معها كغيرها من الموارد الاقتصادية.
وكانت مدينة ميونيخ قد حاولت في البداية الاكتفاء بمناشدة السكان ترشيد الاستهلاك في ظل ارتفاع درجات الحرارة وتراجع مستويات المياه.
لكن هذه الدعوات لم تحقق النتائج المرجوة، إذ ارتفع استهلاك المياه بشكل ملحوظ. ففي حين يبلغ الاستهلاك اليومي المعتاد نحو 300 مليون لتر، قفز مؤخراً إلى حوالي 360 مليون لتر يومياً، بحسب مواقع ألمانية عديدة.
وأرجع عمدة المدينة دومينيك كراوزه هذا الوضع إلى الضغط الهائل الذي تتعرض له الموارد المائية بعد شتاء وربيع اتسما بجفاف استثنائي.
ورداً على ذلك، فرضت ميونيخ حزمة واسعة من القيود الجديدة، تضمنت سبعة إجراءات حظر رئيسية. ومن أبرز هذه الإجراءات:
منع ملء حمامات السباحة الخاصة بالمياه.
حظر ري الحدائق والمسطحات الخضراء خلال ساعات النهار.
منع سحب المياه من البحيرات والأنهار.
حظر غسل السيارات في المنازل.
وتصل الغرامات المفروضة على المخالفين إلى 50 ألف يورو في بعض الحالات.
أثارت هذه القيود نقاشاً واسعاً في ألمانيا حول حدود الرقابة على استهلاك المياه. ففي تعليق ساخر، تساءل الكاتب سيباستيان كرامر في صحيفة "بيلد" عما إذا كانت ميونيخ ستشهد قريباً "شرطة مياه" تجوب الأحياء لرصد المخالفات، أو إنشاء منصات إلكترونية تسمح للسكان بالإبلاغ عن الجيران الذين يشغلون رشاشات الحدائق خارج الأوقات المسموح بها.
ورغم الطابع الساخر لهذه التساؤلات، فإنها تعكس حقيقة باتت واضحة أكثر من أي وقت مضى: في ظل تغير المناخ وتزايد موجات الجفاف ، لم يعد الحديث عن ترشيد استهلاك المياه مجرد نصيحة بيئية، بل تحول إلى قضية سياسية واقتصادية تمس الحياة اليومية للملايين.
تحرير: ف.ي
المصدر:
DW