آخر الأخبار

من صوت "البيدوغ" إلى رحلة "الموديك".. كيف يعيش الإندونيسيون رمضان؟

شارك

جاكرتا- يقبل سكان جزر إندونيسيا -أكبر دولة ذات أغلبية مسلمة في العالم- على شهر رمضان ليس فقط باعتباره شهر الصيام والقيام والإنفاق وفعل الخيرات، بل وكذلك باعتباره موسماً غنياً بالروابط الأسرية والعلاقات بين الأصدقاء؛ حيث تمتزج الطقوس المحلية والتقاليد الموروثة لتلوين أيام الشهر الكريم بصبغة محلية مميزة.

بشكل عام، يتكشف رمضان في إندونيسيا في ثلاث لحظات محورية زمنياً: الفترة التي تسبق بدء الصيام، وتجربة الصيام نفسها، والأيام التي تسبق عيد الفطر وأيام العيد، كما يصف ذلك أوليا إسواراتاما من جامعة سونان كاليغاغا الإسلامية في جوغجاكرتا. وتعكس هذه المراحل في نظره كيف يفهم المسلمون الإندونيسيون ممارساتهم الدينية ويجسدونها.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 هل يقل التركيز أم يزداد؟ الحقيقة العلمية عن دماغ الصائم
* list 2 of 2 "الحبة السحرية" عند السحور.. بديل آمن لـ"مدمني" القهوة لكن بشروط end of list

وفي مقال نُشر في مجلة الأفكار للدراسات الإسلامية، يصور إسواراتاما التقاليد التحضيرية قبل رمضان على أنها شكل من أشكال "الانفصال" عن الحالة السابقة للفرد في الوعي الجمعي، وتمثل "الطقوس" أو الواجبات والسنن التي تُمارس خلال شهر الصيام مرحلة انتقالية، وهي مرحلة روحية تتميز بالانضباط وضبط النفس والتفاني الشديد، أما الاحتفال بعيد الفطر، فيرمز إلى إعادة الاندماج: العودة إلى النقاء الأساسي للفرد، متجدداً ومتصالحاً مع نفسه ومع محيطه الاجتماعي.

مصدر الصورة يصطف الإندونيسيون في طوابير للحصول على مساعدات نقدية خيرية أمام مسجد تشنغ هو في سوراباي (الفرنسية)

مرحلة التزكية والاستعداد

قبل أسبوعين من حلول رمضان، تبدأ أجواءه بالانتشار في المدن والقرى؛ تزداد مواقع التواصل الاجتماعي والبث التلفزيوني بالإعلانات عن الأطعمة والمشروبات والملابس ذات الطابع الرمضاني، مما يشجع الناس على البدء في التسوق استعداداً للشهر الكريم.

في الوقت نفسه، يبدأ كثيرون زيارة المقابر لتنظيف وتزيين قبور من توفوا من عائلاتهم، ونثر الزهور على ترابها، والدعاء لأقاربهم المتوفين. وفي المناطق الشرقية والوسطى من جزيرة جاوا، يُعرف هذا التقليد باسم "نيادران"، وهو طقس له جذور تاريخية عميقة تعود إلى عصر الممالك الجاوية.

إعلان

وعلى طول الساحل الشمالي لجزيرة جاوا، يحتفل سكان مدينة سيمارانغ الساحلية بقدوم رمضان بموكب "دوغدران" النابض بالحياة، الذي يتضمن عروضاً موسيقية تقليدية وإيقاعات طبول "البيدوغ" الكبيرة؛ وهي طبول كبيرة ذات وجهين توجد في العديد من المساجد الإندونيسية، وخاصة القديمة منها، وتدق قبل أذان المغرب مباشرة، ليصل صوتها إلى أبعد مسافة ممكنة معلنة دخول وقت الإفطار، ويعتقد أنها كانت ذات فائدة أكبر قديماً قبل استخدام الميكروفونات في المساجد، في عصر ما قبل التيار الكهربائي.

ويصاحب قدوم شهر رمضان أيضاً طقوس للتطهير الذاتي لدى البعض أو تزكية النفس؛ فبين مجتمع "مينانغ كابو" في إقليم سومطرة الغربية، يحتفل الناس بـ "باليمو"، وهو حمام تطهيري يتم في الأنهار أو في المنزل باستخدام ماء مخلوط بالزهور والليمون، ويرمز إلى التطهير الروحي قبل دخول الشهر المقدس.

بالطبع لا يقوم بذلك كل سكان تلك المناطق، وربما بدأ عدد الممارسين له بالتراجع في السنوات الأخيرة مع انتشار التعليم الديني وكثرة المعاهد والجامعات الإسلامية.

مصدر الصورة إندونيسي يقرأ القرآن قبل صلاة العشاء في الليلة الأولى من شهر رمضان، في جامع الاستقلال الكبير (رويترز)

تحولات التراويح وحضور الأئمة العرب

تشهد إندونيسيا تغيراً واضحاً خلال العقدين الأخيرين في تقاليد صلاة التراويح، مع كثرة الإقبال على حفظ القرآن الكريم وافتتاح المزيد من معاهد تحفيظ القرآن، إلى جانب عامل آخر هو حضور أئمة من دول عربية كاليمن ومصر وفلسطين؛ فبينما يعكف الأئمة غير الحافظين لكتاب الله على إتمام ركعات خفيفة بقصار السور، بدأت تنتشر ثقافة الإمامة بطوال السور، وبختمات لكتاب الله في التراويح والتهجد في بعض المساجد على امتداد الخارطة الإندونيسية.

ومن المساجد الشهيرة في العاصمة جاكرتا التي يختم أئمتها القرآن الكريم أو بعضاً منه: مسجد الاستقلال الكبير، ومسجد معهد وكلية الحكمة، ومسجد سوندا كلابا، ومسجد الفتاح، والمعهد العثماني، والأزهر، وغيرها من المساجد.

مصدر الصورة صلاة الجمعة الأولى خلال شهر رمضان المبارك في مسجد الاستقلال بجاكرتا (رويترز)

المسحراتي وبرامج السحور

بمجرد بدء رمضان، تتغير الحياة اليومية؛ في ظلمة ما قبل الفجر، يقوم الشباب بدوريات المسحراتي في شوارع الأحياء أو القرى لإيقاظ السكان لتناول السحور، يقرعون الطبول بشكل إيقاعي، بينما يردد آخرون ترانيم يذكرونهم بالاستيقاظ وتناول الطعام، تعزز هذه الممارسة الروابط بين الجيران الذين يتشاركون نفس الساعات المبكرة.

ويهتم الإندونيسيون بوجبة السحور، وتكون عادة وجبة ثقيلة كوجبة غداء أو عشاء في أيام الشهور الأخرى، فلا بد أن يكون الأرز حاضراً مع أطباق تقليدية أخرى، والأمر مرتبط بالقدرة الاقتصادية للأسرة وكلما تحسن وضعها كانت مائدة السحور أكثر تنوعاً.

وتخصص قنوات تلفزيونية عديدة برامج خاصة بفترة السحور، بعضها ترفيهي، وبعضها ديني وعظي وحواري، وبعضها يمزج بين أكثر من جانب، إلى جانب المسلسلات الرمضانية الخفيفة ذات الرسائل القيمية والروحية، ومسابقات القرآن الكريم للصغار، وبرامج الطهي والوجبات.

ولعل فترة السحور الأكثر جلباً للإعلانات في القنوات التلفزيونية من فترة الإفطار، لكن ذلك بدأ يتراجع بين الجيل الصاعد ممن هم دون العشرين عاماً ممن صاروا يرتبطون بهواتفهم النقالة أكثر من ارتباطهم بشاشة التلفزيون.

مصدر الصورة تستعد نساء مسلمات لوجبات الإفطار خلال شهر رمضان المبارك (رويترز)

اقتصاد الرمضان وحلوى "الكولاك"

مع اقتراب المغرب، تزدهر الأكشاك على جوانب الطرق، حيث يبيع الباعة الجائلون "الكولاك"، وهو حلوى تقليدية من حليب جوز الهند الممزوجة بالموز والبطاطا الحلوة والكاسافا وسكر جوز الهند البني، إلى جانب الوجبات الخفيفة المقلية والمشروبات الباردة والعصائر؛ هذه الأنواع من الوجبات الخفيفة هي أحد أعمدة النمو الاقتصادي في إندونيسيا خلال شهر رمضان.

إعلان

وغالبًا ما تتزامن أقوى موجات النمو الاقتصادي في إندونيسيا مع فترة رمضان إلى عيد الفطر؛ حيث يؤدي الشهر الكريم واحتفالات العيد إلى زيادة كبيرة في استهلاك الأسر، ويرتبط ذلك بقانون يفرض على الحكومة والشركات والمؤسسات منح موظفيهم راتباً إضافياً خاصاً بالأعياد (يوصف أحياناً بالراتب الثالث عشر)، استجابة للواجبات والالتزامات الاجتماعية التي يتحملها من يعمل تجاه أهله، في مجتمع يقدر الهدايا والتواصل.

وترتفع النفقات بشكل حاد على الأطعمة والمشروبات لتجمعات الإفطار، والملابس الجديدة لصلاة العيد، ومصروفات وسائل النقل للعودة السنوية إلى القرى. وهذا العام، يقدر الاقتصاديون أن الزيادة الموسمية في الاستهلاك يمكن أن تعزز النمو الاقتصادي الوطني بنسبة تتراوح بين 0.23% و0.3%.

ولتعزيز هذا الأثر، أطلقت الحكومة حزمة تحفيزية بقيمة تقارب 760 مليون دولار قبل رمضان وعيد الفطر عام 2026، كتدخل يهدف إلى حماية القوة الشرائية في ظل ارتفاع الأسعار وكلفة السفر.

وقال الوزير المنسق للشؤون الاقتصادية، أيرلانغا هارتارتو، إن الحزمة مصممة لزيادة التنقل والحفاظ على استهلاك الأسر المعيشية، مؤكداً أن هذا الموسم يعني انتقال دخل أهل المدن إلى القرى وإنفاقهم في الاقتصاد المحلي من حولهم.

مصدر الصورة رجال يضعون وجبات إفطارهم على أوراق الموز، وهي عادة تُعرف محلياً باسم "ميجيبونغ" (رويترز)

رحلة "الموديك" والعودة للجذور

ومع اقتراب الأيام الأخيرة من رمضان، تسود أجواء "الموديك" (الهجرة السنوية العكسية)؛ حيث يعود عشرات الملايين من سكان المدن إلى مسقط رأسهم في الأرياف. تنقل الطائرات والحافلات والقطارات والدراجات النارية والسفن المسافرين من المراكز الحضرية إلى القرى في كافة الجزر الإندونيسية، ورغم كلفة الرحلة، فهي بالنسبة للكثيرين "رحلة حج" أساسية لتعزيز الانتماء لموطن الآباء والأجداد.

وتشير بيانات وزارة النقل الإندونيسية إلى أن حركة العائدين قد تصل إلى 143.91 مليون شخص أو حوالي 50.60% من إجمالي السكان.

وقال وزير النقل دودي بوروغاندي إن حجم هذه الحركة دفع الحكومة إلى إعداد ترتيب نظام النقل بشكل أكثر شمولاً. ومن المتوقع أن تنشأ أكبر حركة مغادرة من جاوا الغربية (30.97 مليون مسافر)، بينما ستكون جاوا الوسطى الوجهة الأكثر شعبية باستقبال 38.71 مليون مسافر.

تظل السيارات الخاصة هي وسيلة النقل الأكثر استخداماً بنحو 76.24 مليون مستخدم، تليها الدراجات النارية (24.08 مليون شخص)، والحافلات (23.34 مليون راكب)، وتتجه جميع هذه المركبات نحو وجهة واحدة: منازل العائلة الكبيرة.

عشية العيد: التكبير ووجبات الفرح

عشية عيد الفطر، تنظم المجتمعات المحلية مسيرات التكبير، وتملأ الأجواء ليلاً هتافات "الله أكبر"، وتُقرع الطبول مرة أخرى للاحتفال بقدوم العيد، ويظل الأطفال يتناوبون على ترديد التكبيرات في ميكروفونات المساجد حتى الفجر.

يبدأ صباح العيد بالصلاة في الحقول المفتوحة أو المساجد، ثم تزور العائلات كبار السن لتبادل التهنئة وطلب العفو والمسامحة، ويلاحظ تقبيل الصغار لأيادي الكبار، وتوزيع "العيديات". وتمتلئ الطاولات بأطباق تقليدية مثل "الكتوبات" (كعك الأرز)، و"الريندانغ" (لحم البقر المطبوخ بجوز الهند)، وحساء "أوبور الدجاج".

اللافت أن عطلة عيد الفطر ومكافأته هي موسم يستفيد منه الجميع حتى غير المسلمين؛ فهي عطلة وطنية شاملة، ومن لا يعود إلى قريته ينطلق في رحلات سياحية، لتصبح كبرى المدن خالية من سكانها لأيام في مشهد سنوي مهيب.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار