في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
عمّان- ليس كل صوت يسمع، فبعض الأصوات تعاش وتخزن في الذاكرة كما لو كانت جزءا من الزمن نفسه، وفي الأردن، ومع حلول شهر رمضان المبارك، ينهض صوت قرآني لا يحتاج إلى تعريف، لأنه ارتبط بالوجدان الجمعي لأجيال متعاقبة، وأصبح علامة سمعية وبصرية مع قدوم الشهر الكريم.
ذلك هو صوت المقرئ الأردني محمد رشاد الشريف، الذي تحول من قارئ متقن إلى أيقونة وطنية، ومن تلاوة عابرة إلى طقس رمضاني ثابت لا يكتمل المشهد بدونه، وبصوته المتزن، وطربوشه الأحمر الذي صار علامة بصرية مرافقة، وبمكانته كمقرئ في المسجد الأقصى المبارك، أصبح محمد رشاد الشريف أكثر من مجرد قارئ بارز، إذ أصبح رمزا رمضانيا وطنيا، يحتفظ به الأردنيون في ذاكرتهم الجمعية.
ولد محمد رشاد الشريف في مدينة الخليل ب فلسطين عام 1925م، وعاش حياته ملتزما بخدمة القرآن الكريم، حاملا رسالة التلاوة بوقار وأمانة، وتوفي في العام 2016م في العاصمة الأردنية عمّان عن عمر ناهز 90 عاما، مخلفا إرثا صوتيا وروحيا غنيا عميق التأثير.
ينتمي الشريف إلى مدرسة قرآنية ترى في التلاوة رسالة لا استعراضا، وفي الصوت أمانة لا تختزل في المهارة وحدها، فبدأ مساره مبكرا في حفظ القرآن الكريم وتعلم علومه وأحكام تجويده، متدرجا في سلم الإتقان بثبات وهدوء، حتى رسخ مكانته كواحدا من أبرز الأصوات القرآنية الأردنية، وبمرور الزمن، تحول حضوره إلى جزء من طقس جماعي عاشه الأردنيون لعقود، ولا يزال صوته يعلن حضوره كلما أقبل الشهر الكريم.
لم تبّن مسيرة الشريف على الانتشار وحده، بل على ترسيخ حضور روحي عميق، جعل صوته مألوفا ومطمئنا، لا يربك المستمع ولا يطغى على النص، وكانت المحطة المفصلية في مسيرته ارتباطه بالمسجد الأقصى المبارك مقرئا، وهو شرف لا يمنح إلا لمن يجمع بين العلم والهيبة والالتزام.
وفي المسجد الأقصى المبارك، اكتسب صوته بعدا رمزيا إضافيا، إذ اقترن بمكان له ثقله الروحي والديني، ما أضفى على تلاوته عمقا استثنائيا، وحوّل أداؤه إلى جسر بين قدسية النص وقدسية المكان، وهو ما انعكس لاحقا على صورته في الوعي العام.
لكن التحول الأبرز الذي نقل محمد رشاد الشريف من الإطار النخبوي إلى الفضاء الشعبي الواسع، كان ظهوره المنتظم قبيل أذان المغرب في شهر رمضان على شاشة التلفزيون الأردني قديما.
وفي زمن كانت فيه الشاشة الرسمية نافذة شبه وحيدة، اجتمع الأردنيون على تلاوته قبيل الإفطار، فصار صوته جزءا من التوقيت اليومي للصيام، وكانت الآيات تتلى بهدوء، فيما الأيادي تحضر التمر والماء، والأنفاس تترقب الأذان، لتتشكل لحظة جماعية صامتة، يشترك فيها الجميع دون اتفاق مسبق.
لم يكن الصوت وحده هو ما رسخ هذه الأيقونية الناطقة بالقرآن الكريم، بل الصورة أيضا، فالشريف عرف بطربوشه الأحمر، الذي لم يكن تفصيلا شكليا عابرا، بل جزءا من حضوره الرمزي.
وعلى الشاشة، كان الطربوش الأحمر يتقدم المشهد بثباته ولونه الدال على الوقار والتقليد، مكملا لصوت رصين لا يميل إلى المبالغة، ومع تكرار الظهور، تحول الطربوش إلى علامة تعريف فورية، تسبق حتى نبرة الصوت، وتستدعي في الذاكرة صورة رمضان كما كان يعاش في البيوت الأردنية، بسيطا، هادئا، ومشحونا بالسكينة.
تميزت تلاوة محمد رشاد الشريف بأسلوب متزن، يخلو من الاستعراض المقامي الحاد، ويعتمد على وضوح المخارج، واحترام إيقاع الآيات، ومنح النص مساحته الكاملة ليؤثر بذاته، هذا الأسلوب جعله قريبا من مختلف الفئات الاجتماعية، إذ لم يكن صوته نخبويا أو معقدا، بل صالحا للفضاء العام، فأصبح صوته يسمع في البيوت، وفي المحال التجارية، وفي الشوارع قبيل المغرب، من دون أن يفرض نفسه بقوة.
اجتماعيا، أرسى الشريف لحظة توحيد نادرة، فصوته لم يكن مرتبطا بفئة عمرية أو مستوى تدين محدد، بل كان مشتركا عاما، جزءا من الذاكرة اليومية، كثيرون لا يتذكرون أسماء البرامج أو المذيعين، لكنهم يتذكرون صوته، ويتذكرون كيف كان يسبق الأذان بدقائق، كأنه إعلان غير مكتوب بأن لحظة الإفطار باتت قريبة.
ومع مرور السنوات، تحولت تلاوته إلى ما يشبه "الحنين الصوتي"، وبمجرد سماع تسجيل قديم له كفيل باستدعاء رمضانات مضت، وبيوت تغيرت، وأشخاص غابوا، فيما بقي الصوت ثابتا في الذاكرة، شاهدا على زمن كان فيه الإيقاع أبطأ، والعلاقة مع الشهر الكريم أكثر بساطة ودفئا.
ولأن الأصوات الكبيرة نادرا ما تتوقف عند حدود أصحابها، فقد امتد أثر محمد رشاد الشريف إلى جيل تال، كان في مقدمته ابنه معروف الشريف، الذي استلم الراية من والده، حاملا ذات المدرسة القرآنية القائمة على الوقار والاتزان واحترام النص.
ولم يكن انتقال المشعل مجرد صلة قرابة، بل امتدادا طبيعيا لنهج صوتي وروحي، حافظ على الروح العامة للتلاوة التي عرفها الناس، مع بصمته الخاصة، ما عزز فكرة الاستمرارية في الذاكرة الرمضانية الأردنية.
وفي موازاة ذلك، شكل صوت محمد رشاد الشريف مرجعا غير معلن لكثير من القراء الذين جاؤوا بعده، إذ بدا تأثيره واضحا في محاولات تقليد نبرته وأسلوبه وإيقاعه الهادئ، سواء في المساجد أو عبر الإذاعات المحلية.
بعض تلك المحاولات كان واعيا ومقصودا، وبعضها جاء تلقائيا، نتيجة التكرار الطويل لسماع صوته في الطفولة والشباب، واليوم.
ومع تغير الوسائط وتعدد الأصوات والمنصات، ما زال اسم محمد رشاد الشريف يُذكر بوصفه أحد أعمدة التراث الرمضاني السمعي في الأردن، وإرثه لا يقاس بعدد التسجيلات، بل بعمق الأثر واستمراره، ما منح الأردنيين صوتا يتشاركونه، وصورة لا تغيب، وبصمة رمضانية لا تزال حاضرة، كلما أقبل الشهر الكريم.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة