آخر الأخبار

"لا تقف مكتوف الأيدي" كتاب جديد يوثق قرنا ونصف من المقاومة اليهودية للصهيونية

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

يرسم كتاب "لا تقف مكتوف الأيدي: يهود ذوو ضمير حي تجاه فلسطين" لسوزان لانداو خريطة للمفترق الأخلاقي الذي تواجهه اليهودية واليهود إزاء ما يجري في غزة، ويجمع شهادات تمتد لأكثر من قرن من الأصوات اليهودية المعارضة للصهيونية. وتزداد الحاجة اليوم إلى الوضوح الأخلاقي الذي يقدمه مساهمو هذا الكتاب أكثر من أي وقت مضى، في ظل ما ترتكبه الدولة اليهودية (المعلنة ذاتيا) من إبادة جماعية في غزة.

يشكل الكتاب مجموعة قيمة ومؤثرة من المواقف والآراء اليهودية المناهضة للصهيونية، ويسلط الضوء على أثر قيام دولة إسرائيل في الشعب الفلسطيني الأصلي.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 رواية "أصل الأنواع".. القاهرة في مختبر داروين
* list 2 of 2 "مخبرون ومخبرون".. توثيق لكواليس البوليس السري في مصر إبان الاحتلال الإنجليزي end of list

ويقيم الكتاب جسرا معرفيا بين التاريخ والسياسة واللاهوت ودراسات الصراع، متتبعا إرثا أخلاقيا وفكريا للمقاومة من داخل المجتمع اليهودي العالمي، إرثا متجذرا في قيم العدالة والمساواة والرحمة.

من "أحد هعام" إلى غزة 2024

من نقاد أوائل القرن العشرين، مثل "أحد هعام" وهو اسم عبري يعني "أحد العامة" اتخذه آشر غنسبرغ، وحنة أرنت، وصولا إلى باحثين وحاخامات وصحفيين وناشطين معاصرين، تتجمع في هذا الكتاب أصوات تتحدى الروايات السائدة التي تخلط عمدا بين اليهودية والصهيونية.

ومع تصاعد العنف في غزة وتنامي حملات تضليل الرأي العام، يقدم كتاب "لا تقف مكتوف الأيدي" سياقا تاريخيا أساسيا، إلى جانب سرديات مضادة للصهيونية تبدو اليوم أكثر إلحاحا من أي وقت مضى. ومن خلال اقتباسات ومقالات وتأملات مختارة بعناية، يوثق الكتاب كيف رفعت أجيال من اليهود أصواتها، غالبا بتكلفة شخصية باهظة، في مواجهة نزعات العسكرة والعنصرية والاستعمار الاستيطاني.

وبذلك، يعيد الكتاب إحياء إرث أخلاقي يربط التضامن مع فلسطين بنضالات أوسع من أجل العدالة في مختلف أنحاء العالم.

يناهض هذا الكتاب الحرب والتعصب، وهو موجه إلى كل من يسعى إلى الوضوح وسط حالة الاستقطاب الحادة. وفي هذه اللحظة السياسية غير المسبوقة، يشكل مرجعا أساسيا للمعلمين والناشطين والقادة الدينيين، ولكل من يولي حقوق الإنسان أهمية خاصة. فمن خلال إبراز أصوات الضمير، يعمق الكتاب فهمنا للعلاقات الإسرائيلية الفلسطينية، ويذكرنا بقوة المعارضة الأخلاقية الصامدة.

ينطلق عنوان الكتاب وموضوعه الرئيس من عبارة "لا تقف مكتوف الأيدي" في العهد القديم

تقول الأكاديمية في جامعة مانشستر إريكا بورمان إن هذا الكتاب يعد دليلا أساسيا وسهل الفهم لكل من يسعى إلى استيعاب التاريخ المعقد والواقع الراهن للصراع الإسرائيلي الفلسطيني. فهو عمل منتقى بعناية ومقدم بأسلوب واضح، يجمع مصادر رئيسية، كثير منها غير مألوف للقراء غير المتخصصين، ويضعها ضمن سياق تاريخي وسياسي مقنع.

إعلان

وتبدو الردود والتصريحات المتعلقة بالوضع الراهن في غزة، ولا سيما الدعوات الموجهة إلى اليهود داخل إسرائيل وخارجها للتحرك تعبيرا عن رفضهم للدولة الإسرائيلية وحلفائها الغربيين، مؤثرة في كثير من الأحيان. وقد صمم الكتاب ليغطي مراحل تاريخية متعددة، ما يجعله مرجعا قيما وجذابا يسلط الضوء على جذور الاحتلال والإبادة الجماعية الجارية في غزة. وهو كتاب لا غنى عنه لكل من يحاول فهم هذه القضية الشائكة والملحة.

وفي سياق الالتباس الأخلاقي الذي يكرسه الخطاب الصهيوني، ردا على انهيار السردية الصهيونية والدعاية الإسرائيلية (Hasbara) عالميا، نتيجة العدوان والإبادة الجماعية في غزة، يدعو بعض الصهاينة إلى "التأمل الذاتي والاستبطان الأخلاقي" استنادا إلى ركيزتين أساسيتين، تعدان ضروريتين لاستمرار الصهيونية.

الأولى، أن تجويع سكان غزة وتدمير منازلهم وكل مقومات الحياة ليس فعلا متعمدا، بل "ضررا جانبيا" لا بد منه في "الحرب" ضد حماس.
والثانية، أن هذه "الحرب" تمثل أحدث فصول تاريخ يمتد ألفي عام من "الدفاع عن النفس" في مواجهة تهديدات دائمة للوجود، أي "الأعداء"، كما ورد في قداس عيد الفصح: "الذين ينهضون في كل عصر ليدمرونا".

ويصدر هذا الكتاب في وقت لا يزال فيه هؤلاء الصهاينة يدعون اليهود إلى تعزيز بوصلتهم "الأخلاقية"، رغم أن الواضح أنهم فقدوها، وأصبحوا أسرى أيديولوجيا عطلت إحساسهم بالصواب والخطأ. ومع ذلك، يطرح السؤال نفسه، وإن كان مؤلما: هل يمكن القول إن الصهيونية قد انتصرت، في نهاية المطاف، على معارضيها من اليهود؟

لعقود طويلة، عبر يهود بارزون عن معارضتهم لفكرة وإقامة المشروع الصهيوني

يضم هذا الكتاب حشدا من الأصوات اليهودية، التي اختارتها وحررتها وقدمت لها سوزان لانداو، ويغطي قرنا ونصف من الاحتجاج والألم والنبوءة والحكمة.

ينطلق عنوان الكتاب وموضوعه الرئيس من العبارة الواردة في العهد القديم "لا تقف مكتوف الأيدي" (سفر اللاويين 19:16). وتشكل هذه العبارة حجر الزاوية في الواجب الأخلاقي للعدالة، مؤكدة مسؤولية جميع البشر عن رعاية بعضهم بعضا، وعن رعاية الأرض.

وبحسب لانداو، يتجسد التراث الأخلاقي لليهودية في هذه المبادئ، كما أن لليهود تاريخا طويلا في التمسك بهذه القيم والتصدي للظلم، حتى عندما يُرتكب باسمهم.

وعلى مدى عقود، عبّر يهود بارزون عن معارضتهم لفكرة المشروع الصهيوني وإقامة دولة يهودية في فلسطين التاريخية.

ويرتكز هذا الاعتراض على الالتزام بالتقاليد الأخلاقية اليهودية للعدالة. فرغم الحاجة الملحّة إلى تأمين سلامة اليهود في عالم ما بعد المحرقة النازية، ومزاعم أحقيتهم في "أرضهم" التاريخية، انصبت الاعتراضات الأخلاقية على تأثير الدولة اليهودية في الشعب الفلسطيني الأصلي.

وترى لانداو أن تدمير إسرائيل لغزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 غير مسبوق من حيث النطاق، في سياق احتلال واقتلاع وعنف مستمر منذ عقود. وتبرز هذه اللحظة بوضوح التناقض بين الصهيونية واليهودية، وهو تناقض ترى أنه لا بد من مواجهته ومعالجته.

مصدر الصورة تدمير بناية الرؤية بغزة (الجزيرة)

يضم الكتاب أصوات أكثر من 120 شخصية يهودية، ويعالج الكتاب هذه القضية بأسلوب فريد وسهل الفهم.

واستنادا لكتيبين نشرا سابقا حول الموضوع، يعرض مقتطفات واقتباسات تحفز الدراسة والتأمل والتفكير النقدي والنقاش. ويدعو لإعادة اعتبار حكمة العدالة وأهميتها في عالم ما بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، ويسلط الضوء على تقليد يهودي مستمر في معارضة الصهيونية.

خريطة الكتاب

يقدم الجزء الأول، المعنون بـ"استعادة أصوات الضمير اليهودية"، تحذيرات وتحفظات مفكرين وعلماء وناشطين يهود من الماضي والحاضر، بصياغة واضحة وبسيطة ذات تأثير عاطفي. وتتناول هذه الأصوات مخاوفهم الجدية إزاء المشروع الصهيوني، ولاحقا إزاء دولة إسرائيل، من خلال تأملات ونقاشات نقدية متقاطعة.

إعلان

ويضم هذا الجزء اقتباسات ونصوصا لأصوات أخلاقية يهودية معارضة بارزة من مختلف أنحاء العالم، تغطي فترة تمتد من بدايات الصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر، مرورا بتأسيس دولة إسرائيل ونكبة فلسطين عام 1948، وصولا إلى العقود اللاحقة.

ومن بين هذه الأصوات المبكرة "أحد هعام"، الذي دعا إلى صهيونية ثقافية متجذرة في القيم اليهودية القائمة على المساواة واحترام السكان العرب الأصليين. كما عارض الفيلسوف مارتن بوبر المشروع الإسرائيلي بوصفه مشروعا قوميا، لما ينطوي عليه من انتهاك لحقوق الفلسطينيين.

واقترح يهودا ماغنيس، وهو حاخام يهودي إصلاحي بارز في الولايات المتحدة وفلسطين الانتدابية، قيام دولة ثنائية القومية، وحجب دعمه لإسرائيل كدولة يهودية لأسباب أخلاقية.

مصدر الصورة الفيزيائي الألماني ألبرت أينشتاين (غيتي إيميجز)

أما الفيزيائي الألماني ألبرت أينشتاين، فرغم إقراره بالدور المحوري لإسرائيل في توفير ملاذ لليهود الذين كانوا في أمسّ الحاجة إليه، فقد عارض بشدة نزعات العسكرة والعداء للعرب التي رآها ملازمة للدفع قدما بمشروع الدولة اليهودية في فلسطين .

وبعد المحرقة، دعت المفكرة السياسية الألمانية حنة أرنت أيضا إلى دولة ثنائية القومية.

الجزء الثاني: "تعاظم الأصوات اليهودية المطالبة بالعدالة في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني"، ويؤكد صحة عقود من التحذيرات المبكرة.

فقد تشكلت حقائق على أرض الواقع تعمّق فهم انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي لحقوق الإنسان الفلسطيني. وعقب عملية "الرصاص المصبوب"، حرب غزة الأولى (2008)، تصاعدت موجة المعارضة اليهودية.

وشهد اليهود ذوو الضمائر الحية هذا الظلم، وشارك بعضهم في حركات سلمية لمقاومته، كحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) العالمية ضد إسرائيل حتى تمتثل للقانون الدولي.

الجزء الثالث: "إشراك أصوات الضمير والمعارضة اليهودية"، يتتبع تسونامي الصدمات السياسية والإنسانية لهجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وبينما شدد كثيرون على ربط اليهودية بالصهيونية، وخلطوا بين معاداة الصهيونية ومعاداة السامية، فإن الأصوات اليهودية الواردة في هذا الجزء تقدم أساسا لفهم أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وتحليلها والرد عليها.

وتؤكد هذه الأصوات أن هذا الهجوم يُفهم كنتيجة حتمية للأحداث والأفعال والسجل التاريخي الموثق في جزأي الكتاب السابقين. كما تظهر استعدادا للمخاطرة بكل شيء التزاما بقيم المساواة والعدالة والحرية، مخاطرة بتحمل عواقب أكاديمية ومهنية واجتماعية وقانونية.

إن كلمات العلماء والمؤرخين واللاهوتيين والقادة الدينيين والمدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين الذين وردت أسماؤهم في الكتاب تُعد قراءة أساسية في هذا الوقت غير المسبوق.

تتضمن المواد الواردة بالكتاب، خاصة من الجزأين الأولين، أشخاصا عرفوا أنفسهم كصهاينة، صهاينة ثقافيين أو سياسيين

نطاق الكتاب

أعيد إنتاج الجزأين الأولين بدقة متناهية من الكتيبات الأصلية، وتعكس مقدمتاهما فترات كتابتها.

نشر الجزء الأول ككتيب قبيل حرب إسرائيل على غزة عام 2008. ونشر الجزء الثاني قبيل حرب إسرائيل على غزة عام 2014. ويغطي الأخير مواد كتبت بين عامي 2008 و2013، ويتضمن اقتباسات من سنوات سابقة ترتبط موضوعيا بهذه الفترة.

يبدأ الجزء الثالث في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وينتهي بنهاية ديسمبر/كانون الأول 2024. لا يغطي هذا الجزء العقد الذي سبقه.

تتضمن المواد الواردة بالكتاب، خاصة من الجزأين الأولين، أشخاصا عرفوا أنفسهم كصهاينة، صهاينة ثقافيين أو سياسيين. خدم بعضهم بالجيش الإسرائيلي أو نشطوا في مجموعة من المؤسسات الصهيونية.

بينما يتضمن الكتاب وجهات نظر متعددة، لكن هناك أفرادا ومنظمات وقضايا لم تبرز أو غابت تماما.

وتشمل هذه الجماعات: اتحاد البوند (Bund) – تأسس عام 1897- ودائرة العمال (Workmen’s Circle) -تأسست عام 1900- والمجلس الأميركي لليهودية (تأسس عام 1942)، والفهود السود الإسرائيليين (تأسسوا عام 1971)، وبريرا (1973-1977)، والأجندة اليهودية الجديدة (1980-1992)، وغيرها.

إعلان

كما لم يتطرق بعمق لردود الفعل اليهودية تجاه حركات المقاومة الفلسطينية قبل دعوة عام 2005 لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض عقوبات عليها، وتحديدا الثورة الفلسطينية الكبرى (1936-1939)، والانتفاضة الأولى (1987-1993)، والانتفاضة الثانية (2000-2005)، ومسيرات العودة الكبرى (2018-2019).

تمثل مجموعة الأشخاص المذكورين في الكتاب شريحة واسعة من المجتمع اليهودي عموما، بما فيها اليهود المنتقدون للصهيونية. وتعتمد منهجية جمع المواد وإدراجها في الكتاب على ضمير المؤلفة، والتزامها الفريد بقول الحقيقة، وقدرتها على استشعار الظلام الأخلاقي والتعبير عنه وتجاوزه.

يستند هذا العمل لشغف شخصي بالعدالة، وحب للقيم اليهودية، واحترام للبحث العلمي الرصين. ويدعو للتفاعل وتفكيك السرديات الشائعة، ومراجعة الفرضيات الأساسية، والتخلي عن الاستنتاجات المسبقة، واستكشاف التنافر المعرفي.

إن الاستعداد لتحمل المشقة أمر ضمني في الانفتاح على هذا التعقيد. فالترحيب بالاختلاف يثري الفهم، وينمي العلاقات، ويحول النقاشات الحادة لحوار بناء، ويشجع التعاون لأجل التحرر الجماعي لجميع الناس في كل مكان .

إن وجود هذه الدولة القومية اليهودية العرقية الدينية كارثة يهودية إنسانية وأخلاقية

كارثة يهودية وإنسانية وأخلاقية

يستهل الكتاب بكلمات الحاخام هليل: "إن لم أكن لنفسي، فمن لي؟ وإن كنت لنفسي فقط، فمن أنا؟ وإن لم يكن الآن، فمتى؟". لا تسعى هذه الكلمات إلى تقديم إجابة، بقدر ما تدعو إلى التأمل، وتذكرنا بأنه لا توجد إجابات قاطعة أو سهلة، فـ"ليس الآن" قد يكون الجواب، وربما إلى الأبد. ومع ذلك، ورغم تساؤل هليل، ثمة أوقات تكون فيها الإجابة واضحة، ويكون السؤال "متى؟" بلا شك: الآن.

تتبع لانداو ذلك مباشرة بمقطع قوي لأحد هعام، الكاتب الذي عاش في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

كتب عام 1912: "لا أستطيع أن أتقبل فكرة أن إخواننا قادرون أخلاقيا على التصرف بهذه الطريقة مع بشر من شعب آخر. فإذا كان هذا هو الحال الآن، فكيف ستكون علاقاتنا بالآخرين إذا ما حققنا في نهاية المطاف السلطة في أرض إسرائيل؟". وإن كان هذا هو "المشيح" [المسيح اليهودي المنتظر]، فلا أرغب برؤيته قادما.

تمهد صرخة أحد هعام الطريق للأصوات الواردة في الكتاب، والتي تتحدث عن الكارثة التي حلت بالشعب اليهودي.

هو لا يستخدم الكلمة صراحة، لكن الكارثة هي ما رآه أحد هعام؛ فَنقيض "العصر المشيحاني" هو ما كان يخشاه. وتتابع لانداو أحد هعام بكلمات هنري شوارتزشيلد، الذي هرب من ألمانيا النازية طفلا.

كان شوارتزشيلد مناضلا شرسا من أجل حقوق الإنسان، وقاد معارضة الاتحاد الأميركي للحريات المدنية لعقوبة الإعدام، وانضم في ستينيات القرن الماضي إلى "فرسان الحرية"، ونظم المحامين للعمل من أجل حقوق التصويت في جنوب الولايات المتحدة. وكان أيضا ناقدا لاذعا لإسرائيل، إذ قال:

"إن وجود هذه الدولة القومية اليهودية العرقية الدينية كارثة يهودية وإنسانية وأخلاقية، وتنتهك كل قيمة باقية قد توجد من أجلها اليهودية واليهود في التاريخ".

لدينا خيار. إنه الفرق بين القلق المؤرق للصهيونيين الليبراليين، وردة الفعل التلقائية "أطلق النار ثم ابكِ" لأكثر "جيش أخلاقي في العالم"، و"رقصة المستعمر المعذبة" التي وصفها الكاتب التونسي اليهودي، المنظّر في قضايا ما بعد الاستعمار، ألبرت ميمي، وبين الوضوح الأخلاقي الذي يتردد صداه في صفحات هذا الكتاب.

لم تنتصر الصهيونية. ليس بالنسبة لليهود الممثلين في هذه المجموعة الاستثنائية، ولا بالنسبة لأولئك اليهود الذين يشعرون في أعماقهم كيف اختُطفت تقاليدهم على يد أيديولوجية تعزز، بدلا من أن تداوي، صدمات ومخاوف شعب جُرح طويلا بالتهميش والمذابح والاضطهاد. ولا بالنسبة لأولئك اليهود الذين استلهموا من أعماقهم أعمق الطبائع والاحتياجات الإنسانية: لا للفرار، بل للانضمام؛ لا للعزلة، بل للتواصل.

الكراهية القبلية للأجانب

تلامس الأصوات في القسم الافتتاحي من كتاب "لا تقف مكتوف الأيدي"، الذي يحمل عنوانا ساخرا من المزاعم الصهيونية "أرض بلا شعب"، جوهر المسألة. يقول إيسيدور فاينشتاين ستون:

"عندما يرتكب الأخيار الشر، فإننا نواجه جوهر المأساة الإنسانية. بالنسبة لي، تعد المشكلة العربية المشكلة اليهودية الأولى.

فكيفية تعاملنا مع العرب ستحدد أي نوع من البشر سنكون: إما ظالمين وعنصريين بدورنا، مثل أولئك الذين عانينا منهم، أو قادرين على تجاوز كراهية الأجانب القبلية التي تصيب البشرية" .

إذا كانت القومية هي جوهر الأمر، فالصهيونية هي العقل والقوة والذراعين والساقين.

وفي القسم المعنون بـ"الفكرة الصهيونية"، نستمع إلى الحوار اليهودي، وهو حوار طُمس بعد عام 1948 تحت وطأة الدعم الأميركي الهائل لإسرائيل، وغرق في بحر من الإعجاب بالرواية الرومانسية التي رُوّج لها في الكتب والصحف والأفلام، وكان فيلم "الخروج" لليون أوريس مثالا على ذلك. غير أن حوارا شغوفا ومحمومًا، وإن بدا يائسا في ضوء ما حدث لاحقا، استمر، ولا تزال أصواته حاضرة في هذا الكتاب: بوبر، وأينشتاين، وماغنيس، وأرنت، وصولا إلى يومنا هذا مع سارة روي، ومارك إليس، ونعوم تشومسكي، وجيف هالبر، وجوديث بتلر، وهوارد زين، وتوني جوت. جميعهم حاضرون هنا.

إعلان

وقد أدرك بعض من شهد، بل وشارك في كثير من الأحيان، في السنوات التكوينية للصهيونية، حجم الخطر الكامن فيها.

فقد كتب يهودا ماغنيس عام 1929: "إذا كان السبيل الوحيد لإقامة الوطن القومي اليهودي هو استخدام حراب إحدى الإمبراطوريات الأوروبية، فإن مشروعنا برمته بلا قيمة .

لا يزال الجدل محتدما حول مسألة وجود "شعب يهودي" فعلا فيما يتعلق بالمطالبة اليهودية بالأرض

في عام 1938، كان ألبرت أينشتاين "يخشى العطب الداخلي الذي سيلحق باليهودية، لا سيما جراء تنامي النزعة القومية الضيقة داخل صفوفنا".

وهل يمكننا أن نسمع الشك نفسه والتحذير ذاته في ما يبدو كلمات تأكيد من مارتن بوبر؟ وهل كان يبالغ في احتجاجه حين كتب عام 1921 أن "رغبتنا القومية في تجديد حياة شعب إسرائيل في (وطنه) القديم لا ينبغي أن تستهدف شعبا آخر، ولن تتحقق عودتنا إلى أرض إسرائيل على حساب حقوق شعب آخر"؟

لقد كان نقاشا ملحا، قبل عقود من تأسيس الدولة، بين رجال ونساء استشرفوا الكارثة التي قد تحل باليهود إذا "انتصرت" الصهيونية.

وفي السنوات التي تلت تأسيس الدولة، ولا سيما منذ عام 1967 مع صعود حركة الاستيطان، ازدادت هذه الأصوات قوة.

يسرد الكتاب النضال من أجل التوفيق بين ما يسميه آلن براونفيلد، من الجمعية الأميركية لليهودية، "الانعطاف الخطير الخاطئ" لليهودية، وما يصفه يهود آخرون بأنه "إجابة مضللة ومأساوية لتاريخنا من المعاناة".

ولا يزال الجدل محتدما حول مسألة وجود "شعب يهودي" فعلا، في ما يتعلق بالمطالبة اليهودية بالأرض، وهي مسألة باتت ذات أهمية عالمية.

كما تجبرنا هذه الأسئلة على مواجهة قضايا ملحة تتعلق بالملكية والحدود والجيوش والتحصينات، لحماية "أنفسنا" من "هم"، ومن الخوف والطمع و"القومية الانعزالية"، كما يصفها جيف هالبر، وهي عوامل دفعت اليهود إلى مسار إجرامي لمحو شعب وثقافة. وهي أسئلة لا بد من طرحها دائما، لا في حالة إسرائيل وفلسطين فقط.

دعا الحاخام المصلين لمقاطعة ترتيل التوراة بقراءة كلمات الفلسطينيين من غزة والضفة الغربية

أمل باهظ.. فرح باهظ

مؤخرا، عقد مؤتمر في إلينوي بعنوان "الكنيسة على مفترق الطرق". وفي افتتاح المؤتمر، ناشد القس الفلسطيني منذر إسحاق نحو 800 مسيحي من مختلف أنحاء الولايات المتحدة أن يتبنوا "المقاومة الباهظة"، قائلا إن رفض اللاهوت الذي أودى بحياة أكثر من 20 ألف طفل في غزة يعني الانفتاح على تكاليف ومشاق التخلي عن أوهامنا وراحتنا ويقيننا.

مصدر الصورة القس الفلسطيني منذر إسحاق (وكالة الأناضول)

وبدعوة إخوانه المسيحيين إلى استعادة جوهر تراثهم، كان إسحاق يستحضر صوت مصلح راديكالي من بني إسرائيل عاش قبل ألفي سنة، دعا اليهود إلى رفض الحكم الديني السائد آنذاك، ونبذ عبادة الهيكل والملكية العميلة المتحالفة مع روما.

دخل يسوع القدس مع أتباعه، ووقف مع تلاميذه في ساحة الهيكل، وأعلن: "انقضوا هذا الهيكل! الحق أقول لكم: لن يُترك حجر على حجر، بل سيُهدم كله". بل كان يسوع يقول: "إنه ينهار بالفعل".

ويضيف بريفرمان: عندما نقف مع المرفوضين والمهمشين والفقراء والمشردين بسبب جشع الإمبراطورية، فإننا، بمثالنا وشهادتنا، نهدمه [هيكل الصهيونية] حجرا حجرا.

تنتمي الأصوات الواردة في كتاب سوزان لانداو إلى هذا التقليد اليهودي نفسه، في استعدادها للتعبير بوضوح تام عن عدم قبول النظام القائم.

وقد نُقل في الكتاب عن مؤسس ورئيس المؤتمر اليهودي العالمي، ناحوم غولدمان، قوله عام 1981، معارضا قصف لبنان، واصفا إياه بـ"تدنيس الاسم المقدس"، أي الإساءة إلى الله (وبالنسبة للعديد من الصهاينة، كما هو الحال مع غولدمان، كان لبنان نقطة تحول).

وعندما نصل إلى هذا الوضوح الأخلاقي، فإننا نكسب فرحة التمسك بإنسانيتنا الجوهرية، وأن نكون جزءا مما أسماه مارتن لوثر كينغ، مقتبسا عن جوزيا رويس، "المجتمع المحبوب".

وفي كنيس يهودي بمدينة فيلادلفيا، في يوم الغفران، دعا الحاخام المصلين إلى مقاطعة ترتيل التوراة، عبر قراءة كلمات الفلسطينيين من غزة والضفة الغربية.

إنه الحاخام برانت روزن من جماعة تسيديك شيكاغو، الذي قال إن الكلمات الوحيدة المناسبة لخطبته في يوم الغفران هي كلمات أهل غزة، ومضى قدما وفقا لذلك.

غزة أصبحت رمزا للظلم وعدم المساواة ونفاق السلطة الأوسع

داء عصرنا المهلك

لماذا كتاب آخر عن آراء اليهود حول الصهيونية؟ ولماذا، في هذه اللحظة، وقد باتت نية الإبادة الجماعية لمشروع الوطن اليهودي واضحة لا لبس فيها، تستمر هذه الكارثة الإنسانية وحقوق الإنسان في التمركز داخل أفكار ومشاعر اليهود، بل وحتى احتجاجاتهم؟ أليس الوقت قد حان، بل طال انتظاره، لتحرير البشرية من شرط الحصول على إذن اليهود لمحاسبة إسرائيل على جرائمها، والاعتراف بأن هذه قضية حقوق إنسان كغيرها، وأن اليهود، سواء نُظر إليهم كأمة أو عرق أو جماعة دينية، لا يتمتعون بأي وضع خاص بين شعوب العالم، ولا يملكون حصانة من العقاب؟

إنه سؤال وجيه، والأصوات الواردة في هذا الكتاب تقدم الإجابة. فما يكمن في صميم رسالتهم ليس مجرد احتجاجهم أو وضوحهم الأخلاقي، بل إنهم، بنبذهم الصهيونية، تخلصوا من نزعة استثنائية هشة، مشوبة بشعور الضحية، تكمن في صميم مشروع الوطن القومي اليهودي.

وهي الرؤية الكونية الاستعمارية الفوقية المتعالية نفسها، التي كانت بلاء على البشرية عبر التاريخ. وهو ألبرت أينشتاين، المقتبس منه في الكتاب، يرثي "القومية المفرطة، التي أشعلتها الكراهية العمياء، [والتي] هي داء عصرنا المهلك".

وفي القسم الأخير من الكتاب، بعنوان "إشراك أصوات الضمير والمعارضة اليهودية"، والذي جُمع عقب أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، يكتب طالب الدكتوراه بجامعة أكسفورد جيمي ستيرن-واينر: "إذا بدا أن فرص السلام في أرض غزة المحترقة ضئيلة على المدى القريب، فقد نبتت بذور الأمل في أماكن أخرى، كحركة تضامن غير مسبوقة في حجمها وقوتها"، وظهرت على نطاق عالمي.

صرح منذر إسحاق قائلا: "أصبحت غزة البوصلة الأخلاقية للعالم"

ويضيف: "اليهود التقدميون هم في طليعة هذه الحركة المناضلة". وهنا يكمن الأمل، ليس في خلاص اليهود، وإن كان قد ينبئ بخلاصنا إن كان ذلك مقدرا، بل لأننا بذلك ننضم إلى النضال الأوسع.

ويكتب ستيرن-واينر أن غزة "أصبحت رمزا للظلم وعدم المساواة ونفاق السلطة الأوسع، وفي هذا الرمز يمكن رؤية بصيص أمل لأممية جديدة".

أممية جديدة، وبداية نهاية القوميات، ومظالم الاستعمار، والعواقب المدمرة للجشع والطمع والتهميش. يمكننا أن نكون أكثر من مجرد "نحن". ففي الواقع، لا وجود لـ"نحن" إلا عندما نرفض فكرة "نحن وهم" بوصفها ركنا لهويتنا.

يمكننا تجاوز معاناتنا وخوفنا. يمكننا هدم جدران ما أسماه إيلان بابيه "حصن إسرائيل". ويمكننا، ونحن ننهض من رماد ودماء المشروع القومي العرقي المحكوم عليه بالفشل، أن نبني لاهوتا جديدا، كما يقول عالم لاهوت التحرير اليهودي مارك إليس، المقتبس في الكتاب: "لاهوت يواجه المحرقة والتمكين بديناميات التضامن، موفرا جسرا للآخرين، بينما ينتقد إساءة استخدامنا للسلطة".

ويخلص بريفرمان إلى أن "تضامننا مع الفلسطينيين يضعنا في صميم سياقنا الخاص، سياق تفوق العرق الأبيض والفاشية التوسعية".

وقد صرح منذر إسحاق قائلا: "أصبحت غزة البوصلة الأخلاقية للعالم". إن التزامنا بالنضال هنا، في وطننا، هو من أهم ما يمكننا فعله لدعم الفلسطينيين، المحاصرين من قبل نظام الهيمنة نفسه الذي يشن هجوما على حقوق الإنسان والحريات في الولايات المتحدة.

وإن ما تنجح حكومة الولايات المتحدة في فعله بالشعب الفلسطيني سيرتد عليها ارتدادا، كما وصف الكاتب في قضايا ما بعد الاستعمار إيمي سيزير، بوصفه إذنا وتبريرا لفعل الشيء نفسه بشعبها. إن صرخة الفلسطينيين تدعونا إلى إنقاذ أنفسنا أيضا، والنضال من أجل كل نفيس وعزيز: المجتمع، والتضامن، والرحمة، ورعاية الضعفاء، والالتزام الراسخ بالمساواة والكرامة الإنسانية. إن أصوات المقاومة والتفاني في سبيل العدالة في كتاب سوزان لانداو، آنذاك واليوم وغدا، ستسقط الهيكل، حجرا حجرا، وصوتا صوتا.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار