في يونيو/حزيران عام 1962، سار شاب روسي في شوارع "نوفوتشركاسك" عاصمة القوزاق وظن أنه سمع دوي إطلاق نار. انتابه القلق فورا، إذ كان يعلم أن المدينة تشهد احتجاجات حاشدة ضد خفض الأجور وارتفاع أسعار المواد الغذائية، غير أن رفيقه طمأنه قائلا: "هل فقدت عقلك؟ لم يعودوا يطلقون النار على الناس هذه الأيام".
لكن أجهزة القمع الروسية كان لها رأي آخر؛ ففي ذلك اليوم، قتلت الشرطة الأمنية 24 متظاهرا أعزل.
تسرّبت أخبار العودة إلى سياسة الإرهاب ببطء شديد عبر البلاد وسط صمت رسمي ودفن الضحايا في قبور نائية. وحين شاع الخبر، أحدث هزّة في المجتمع السوفياتي الذي اعتقد أن القمع بالقوة القاتلة قد وُورِي الثرى مع رحيل ستالين عام 1953.
يأتي كتاب "الخروج من عهد ستالين" (Exit Stalin) للمؤرخ بجامعة كامبريدج، مارك ب. سميث، ليكون عملا بحثيا غزيرا بالمعلومات حول روسيا الحديثة. وتتمحور فكرته المركزية حول أنه بالرغم من تحسن ظروف المعيشة نسبيا في العقود التي تلت ستالين، إلا أنها ظلت "قاسية ودموية" بمعاييرنا المعاصرة.
أثبت الروس قدرتهم على ترويع الغرب عبر تصدر سباق الفضاء وبناء الصواريخ النووية، لكنهم حتى يومنا هذا فشلوا في إنتاج سيارة أو أداة كهربائية منزلية يشتريها أحد خارج حدود بلادهم. وبرغم امتلاكهم لواحد من أعظم التقاليد الثقافية في العالم، إلا أنهم عجزوا عن التحرر من إرث الاستبداد الممتد لقرون.
يتتبع سميث المراحل المتعاقبة بين عام 1953 وانهيار الاتحاد السوفياتي من خلال تجارب شخصيات محورية، على رأسها نيكيتا خروتشوف.
كان خليفة ستالين مزيجا من التناقضات؛ فقد صوّر نفسه للعالم كـ"رجل غليظ وخطير"، وهو الذي طرق بحذائه على منصة الأمم المتحدة عام 1960 مهددا بـ "دفن الغرب".
ورغم أنه كان أحد أعوان ستالين المقربين في عمليات التصفية الكبرى في الثلاثينيات، وفشل في إصلاحاته الزراعية، إلا أن عهده كان "الأقل وحشية" منذ عام 1917؛ ففي عام 1964، حين أبلغه رفاقه في المكتب السياسي بانتهاء دوره، قَبِل مصيره قائلا: "هل كان بإمكان أحد أن يحلم بإخبار ستالين أنه لم يعد يناسبنا ويقترح عليه التقاعد؟ الآن أصبح كل شيء مختلفا.. لقد ذهب الخوف، وهذا هو إنجازي".
جاء ليونيد بريجنيف بأسلوب حكم أقل شخصنة، حيث كان المصير المعتاد للمعارضين هو الإيداع في المصحات النفسية الحكومية.
ويقدم سميث صورة لافتة لـ "ألكسندر سولجينيتسين"، الذي قضى شطرا كبيرا من حياته في معسكرات "الغولاغ" ومستشفيات السرطان، موثقا تلك المعاناة في رواياته الكبرى.
ويسلط الكتاب الضوء على شجاعة المحتجين، مستعرضا لحظة تاريخية عام 1968؛ فبعد أن سحقت الدبابات السوفياتية "ربيع براغ"، تجمّع ثمانية أشخاص (ثلاث نساء وخمسة رجال) في الميدان الأحمر رافعين لافتات تضامن مع الشعب التشيكي قبل أن تنقضّ عليهم عناصر "كيه جي بي" بملابس مدنية، حيث لم ينجُ حتى الطفل الذي كان مع إحدى المتظاهرات من الاعتقال.
يخصص المؤلف مساحة واسعة لمحاولات ميخائيل غورباتشوف لإدخال تغيير جذري، وفشله في ذلك. لم يكن سميث أول مؤرخ يلاحظ أن غورباتشوف حاول إصلاح "نظام غير قابل للإصلاح".
لقد أصبح شخصية تراجيدية؛ انهارت أيديولوجيته، وفشلت سياسته، وتوفيت زوجته المحبوبة. وجاءت الاستجابة الكارثية والمضللة لكارثة "تشرنوبيل" النووية عام 1986 لتجسد هذا الفشل.
في ديسمبر/كانون الأول 1991، وقّع غورباتشوف على وثيقة زوال الإمبراطورية السوفياتية، لتنتقل السلطة إلى بوريس يلتسين، الذي باع أصول الدولة لثلة من "الأوليغارشيين" الذين يهيمنون على الاقتصاد الروسي حتى اليوم.
يستكشف الكتاب كل جوانب الحياة السوفياتية: الصحة، المدارس، والسكن. ومن تبعات الاقتصاد المخطط في السبعينيات أن إنتاج وسائل منع الحمل كان يغطي 20% فقط من الطلب، مما جعل الإجهاض وسيلة شائعة لتنظيم النسل؛ حيث بلغت الأرقام 7.5 مليون حالة سنويا، أو ما يعادل 20 ألف حالة يوميا.
كما تطرق الكتاب إلى الأسواق التي غلب عليها اللون الرمادي والنقص الدائم في السلع، لدرجة أن الناس كانوا ينضمون إلى طوابير طويلة دون أن يعرفوا ما الذي يُباع في نهايتها.
يختتم سميث كتابه بتحية مؤثرة لزوجته الروسية "لاريسا" التي توفيت عام 2022، والتي علمته عن الماضي السوفياتي أكثر من أي شخص آخر.
وبرغم قتامة القصة، إلا أنها ضرورية لمن يسعى لفهم روسيا الحديثة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة