في كل عمل روائي جديد، يواصل الروائي السوري فواز حداد، توسيع الآفاق الجمالية للرواية العربية، دون أن يتخلّى عن صوته النقدي اللاذع أو شغفه بتفكيك البُنى السرديّة والسياسية معاً.
وتأتي روايتُهُ الأخيرة "الروائي المريب" الصادرة حديثاً عن (رياض الريّس للكتب والنشر، بيروت، 2025)، لتدفع القارئ نحو مواجهة صورة المثقف المتضخمة، وإعادة مساءلة دوره في الكتابة والحقيقة، في زمن صارت فيه الرواية مرآةً مشروخةً لمجتمع ممزق.
وفواز حداد، كاتب وروائي سوري من مواليد دمشق عام 1947م، حاصل على الإجازة في الحقوق من جامعة دمشق، بدأ الكتابة مبكرا، لكنه نشر أول أعماله عام 1991م.
حيث صدرت أولى رواياته "موزاييك، دمشق 39″، عام 1991م، وتلاه إنتاج روائي متواصل وصل إلى أكثر من 14 رواية، منها: "تياترو 1949″ (1994)، و"الضغينة والهوى" (2004)، و"مشهد عابر" (2007)، و"المترجم الخائن" (2008)، و"جنود الله" (2011)، و"السوريون الأعداء" (2014)، و"يوم الحساب" (2021)، و"جمهورية الظلام" (2023).
يخوض حداد، في "الروائي المريب"، مغامرةً فريدةً على الحافة بين السخرية والفلسفة، ليقدِّم نصّاً ثرياً، يحفر عميقاً في علاقة الكاتب بالقارئ والسلطة والمجتمع والذاكرة.
والرواية، عمل سردي جريء، يستكشف شخصية روائي مشبوه يتحول من كاتب هامشي إلى أيقونة تحوم حوله الشكوك.
تدور الرواية في فضاء متوتر، حيث تطرح أسئلة عن الرقابة، وحرية التعبير، والازدواجية الأخلاقية في الوسط الثقافي.
يستخدم حداد، السخرية والواقعية السياسية لكشف تناقضات المثقفين وتواطؤ بعضهم مع الأنظمة، دون أن يغفل عن الجانب الإنساني لشخصياته.
يرسم فواز حداد عالماً يبدو مألوفاً، لكنه يغص بالتقلبات والانكشافات، مما يجعل "الروائي المريب" عملاً مميزاً في أدب ما بعد الحرب والاستبداد.
في هذا الحوار الخاص للجزيرة نت، مع الروائي فواز حداد، نحاول الاقتراب من عالم "الروائي المريب"، واستكشاف كواليس كتابته، ومواقفه من الأدب والسياسة والمصير .فإلى الحوار:
ظهور كاتب موهوب، يكتب بحرية هو تهديد لوسط ثقافي راكد تمنح فيه الاستثناءات والامتيازات والمنافع والمناصب كمكرمات
في الأنظمة الدكتاتورية، يصبح الروائي مبعثا للريبة، لامتلاكه مساحة كبيرة للتعبير، مع القدرة في التحايل على الرقابة، لكن ليس بالنسبة للمجتمع، الذي يجد فيه متنفسا له.
صحيح أنّ الروايات تمنع لكن تتداول سرا. إنّه مريب بالنسبة للثقافة الرسمية، وحراسها من المثقفين الموالين، وثقافة تشكلت عبر عدّة عقود، وأنتجت منظومة صلبة تدّعي التقدمية والعلمانية ونوعا ملتبسا من الديمقراطية الزائفة، مع تقاليد الخنوع المطلق للسلطة.
ماذا يعني ظهور كاتب موهوب، يكتب بحرية؟ إنّه تهديد لوسط ثقافي راكد تمنح فيه الاستثناءات والامتيازات والمنافع والمناصب كمكرمات، تمتد إلى تكريسه أدبيا، ولو كان بنصف موهبة أو عديم الموهبة، إنه مصنوع على قياس السلطة.
تعكس الرواية تجربتي وتجربة غيري في الوسط الثقافي في سورية
الروائي "المريب" يُربك هذا المشهد المستقرّ على التسلّط، ويتصادم مع مصالح المتنفّذين من المثقفين المتحالفين مع أجهزة الأمن.
لا يمكن للمثقف أن يسير مطمئنّاً إلا إذا رتب علاقته مع السلطة، وهو ما يسارع إليه هذا النوع من المثقفين.
أَمَّا من يتجنّب هذه العلاقة، أو يحاول النجاة منها، أو يتمرّد عليها، فعليه أن يختفي، ويتخفّى، ويبتكر وسائل تجعل وجوده غير محسوس.
قد يكتب بأسماء مستعارة، ولا يظهر إلا نادراً، وسرعان ما يختفي، حتى يُخيّل للناس أنه لم يكن سوى وهم.
وإن كان يتنقّل من مكان إلى آخر، إلا أنّه في الواقع وحيد، يعيش في عزلة. أَمَّا ظهوره للعيان، فقد يعني اختفاءه إلى الأبد.
تعكس الرواية تجربتي وتجربة غيري في الوسط الثقافي في سوريا، ولا تخلو طبعا من أصداء عربية أوسع، وكي تكون أكثر تعبيرا وصدقا، لا يمكن الكتابة عنها إلا من خلال سيرة متخيلة تستند إلى وقائع حقيقية.
دائما ما كان الخيال أداة فاعلة ومبهرة في السرد، يمكن بواسطته اختراق السطح المرائي، السطح المخادع، والذهاب إلى الأعماق، حيث تعقد التحالفات المصلحية والوثيقة والعابرة والمتواطئة، في عالم من المصالح المتشابكة تحت مظلة ثقافة تتظاهر بحسن النية.
فالأنظمة التسلطية تعتني بالمظاهر، تحتها يمكن ممارسة القتل والذبح والإخفاء القسري، بدعوى الارهاب، لهذا كان من الطبيعي ظهور سلسلة من الروايات تتبنى سردية النظام، فلم يعد الكيماوي والبراميل المتفجرة إلا مبررا لقتل النساء طالما أنهنّ يلدنّ إرهابيين رضع، والأطفال سيحملون السلاح ريثما يتعلمون المشي، وقصف المدن والأرياف على أنه بيئات حاضنة للإرهابيين.
في هذا السياق، ليس الدم والضحايا إلا تجارة رائجة، وتصبح السيرة المتخيلة، حين تستند إلى الواقع، وسيلة للكشف لا للاختباء، وللفضح لا للتزييف.
هناك من يسطو على الجوائز والألقاب، عبر شبكات وتحالفات، لا تقل تعقيداً عن تلك التي نراها في الروايات البوليسية الكلاسيكية
ما يوحي بالسرد البوليسي في الرواية، وجود شخصية تتحرك في الظلال، تظهر وتختفي، تتنقل بين الأمكنة دون توقع، يظهر بشكل مفاجئ، كأنه قاتل متسلسل، يرتكب الرواية تلو الرواية، هكذا الرواية عندما تدور في كواليس الدولة الأمنية، وما تحتويه من مراكز تحقيق وسجون ومشانق وتعذيب حتى الموت، وضباط أمنيين من ذوي الرؤوس الحامية.
بالتوازي مع هذه الخلفية، هناك عالَم آخر ظاهره لطيف، مقاهٍ، مثقفون، نقّاد، نقاشات فكرية، تيارات أدبية… لكنه عالَم لا يقل قسوة.
فهنا أيضاً يُمارس نوع من "القتل"، لكنه قتل من نوع آخر: اغتيال للمواهب، تهميش للأصوات الجديدة، دسائس، ووشايات.
هناك من يسطو على الجوائز والألقاب، عبر شبكات وتحالفات، لا تقل تعقيداً عن تلك التي نراها في الروايات البوليسية الكلاسيكية.
هذا التداخل لم يكن مقصوداً بوصفه لعبة شكلية، بل كان استجابة طبيعية لواقع متشابك.
فالتشويق في الرواية لا ينبع من جرائم تُرتكب بمسدس أو خنجر، بل من أفكار تُطرح، ومن أسئلة تفتح فجوات في جدار مصمت، ومن لغة تحاول أن تنقل القارئ إلى تلافيف عالم خفي، تغلفه الرسمية وتخفيه ثقافة متواطئة.
ما يخلق الغموض؛ سرّ أسرار الرواية البوليسية، التي استفاد منها الكثير من الروائيين، مثل الروائي والفيلسوف الروسي فيودور دوستويفسكي (1821-1881)، والروائي والفيلسوف الإيطالي إمبيرتو إيكو (1932-2016)، والكثير من الكبار غيرهم، ممن فهموا أنّ الغموض وأيضا التشويق يمكن أن يكونا أدوات لكشف البنى المعقدة للواقع، وليس مجرد حيلة لجذب القارئ.
هذا التداخل بين أنماط تبدو متناقضة هو في جوهره الشغل الروائي؛ لأنه يفتح النص على أبعاد متعددة: سردية، فكرية، ونقدية، دون أن يتخلى عن متعة الحكي.
ما يدفعني للكتابة هو شرارة أولى؛ فكرة أو مشهد أو صوت، حين تندلع أضع طاقتي كلها خلفها، فتبدأ الرواية في التكوّن
في الحقيقة، لم أعتمد في "الروائي المريب"، ولا في أي من رواياتي السابقة، على حبكة مرسومة مسبقاً بشكل صارم.
ما يدفعني للكتابة هو شرارة أولى؛ فكرة أو مشهد أو صوت، حين تندلع أضع طاقتي كلها خلفها، فتبدأ الرواية في التكوّن. تنبثق الشخصيات، تتداعى الأفكار، وتتقاطع الخيوط في عملية معقّدة يصعب فصلها إلا بتؤدة ووعي كامل.
الاصطفاء بين الشخصيات والأحداث يتم تدريجياً أثناء الكتابة. لا أعرف مسبقاً كل ما سيحدث.
أحياناً أضع مخططاً بسيطاً لا يتجاوز الفصل القادم، كأن كل فصل يُمهِّد لما بعده، أو بالأحرى يَلِدُ الفصل التالي. لكن هذا لا يتم اعتباطياً، بل تحت مظلّة فكرة كبرى أو مجموعة أفكار رئيسية تُوجّه الكتابة، دون أن تقيدها.
هذه الأفكار ليست نهائية، لكنها تثريني وأنا أكتب، وتساعد الكتابة على اختبارها وتجسيدها، وربما تطويرها.
الكتابة البطيئة جزء أساسي من طريقتي. لا أندفع سريعاً في السرد. مثلاً، قد تستغرق الصفحات العشر الأولى شهراً أو شهرين، لأنها المرحلة التي تتشكّل فيها النغمة الداخلية للرواية، إيقاعها، والمناخ الذي ستنفتح عليه. ما أسعى إليه دوماً هو العمق، وإذا انزاحت عنه، فلا بد أن يكون نحو ما هو أبعد وأعمق.
أَمَّا عن الشخصيات، فالعلاقة معها تقوم على شراكة مرنة. لا أفرض عليها شيئا، لكنها أيضاً لا تمتلك حرية مطلقة. أترك لها مجالاً للحركة، للتأمل، لطرح الأسئلة. أحياناً تفاجئني، تقول شيئاً لم يكن قد خطر لي. حين يحدث، لا أتجاهله. قد أعيد كتابة فصل كامل من أجل أن أستوعب هذا التحوّل.
لكل روائي طريقته، ولا أزعم أنّ هناك وصفة واحدة. الرواية عمل مركّب، فيها جانب من الصنعة، لكن الأهم هو أن تظل مساحة الحرية فيها محفوظة. لأننا إذا فقدنا تلك الحرية، فإننا نخسر الرواية نفسها.
في معظم رواياتي الكبرى، أميل إلى ترك الأحداث تتطور ببساطة، فأتصرف أحياناً كشرطي مرور
يمكن القول إنَّ تقنيات ما وراء السرد في الرواية هي خيار فني بحت، فرضه عقد الصلة مع القارئ، ما يضيف جمالية خاصة دون تعقيدات. هذه التقنيات تسمح بتنويع أنماط السرد، حيث تحضر خطوط سردية متعددة، تتوازى وتتقاطع، تحضر وتغيب، مع حفاظ كل خط على عناصره وتطوره من فصل إلى آخر.
ما يميز هذا الأسلوب أيضاً هو إمكانية إدخال شخصية الروائي ضمن الحدث ذاته، رغم كونه خارجه تماماً، ما يخلق نوعاً من الحضور والتفاعل مع القارئ. على سبيل المثال، في روايتي "الروائي المريب"، شاركت القارئ في حدث سياسي واقعي، كان سقوط النظام، ما شكل نهاية ثانية التحقت بالنهاية الأولى للرواية.
في معظم رواياتي الكبرى، أميل إلى ترك الأحداث تتطور ببساطة، فأتصرف أحياناً كشرطي مرور: أوقف السير في اتجاه، لأبدأه من اتجاه آخر، وأؤجل خطاً سردياً لأتيح لآخر الفرصة، وهكذا. هذا الأسلوب يعزز قدرتي على السيطرة على الرواية والوفاء بأهدافها الفنية والفكرية.
وأكثر ما يتطلبه هذا النهج وجود معمار سردي متين، فهو العنصر الأهم في أي رواية.
لا يمكن أن تكون هناك رواية حقيقية دون معمار، يمنحها المعنى الكلي والشامل.
لا يجوز حصر المثقف في زمن الانكسارات في شخصية واحدة فقط، فالثقافة مجال متنازع عليه بين أنواع متعددة من المثقفين، ولا يمكن التعميم أو التمثيل بحالة واحدة. في روايتي، هناك عدد لا بأس به من الشخصيات التي تعكس تنوعاً في المواقف والأدوار.
إذا اعتبرنا الشخصية الرئيسية هي "الروائي المريب"، رغم ندرة ظهوره المباشر، فإنّه لم يكن شخصية ملتبسة بقدر ما كان متماه مع الواقع، ومدركاً للتكلفة الكبيرة لمحاولاته في كشف تركيبة قائمة على القمع والتزوير.
أَمَّا الشخصيات الذكورية الأخرى، فهي تمثل أدواراً مختلفة، بعضها يظهر بوجهين أو أكثر، تفتقد إلى الأصالة والمصداقية.
إن ظهورهم على حقيقتهم يشكك في المكانة التي بنوها عبر سنوات من النفاق والدسائس والتزلف من أجل مصالحهم الضيقة. وإذا كانت قد كسبت الكثير، لكن في دولة الشر الطريق مفتوح لحصد النجاح بوسائل انتهازية.
وُصفت رواياتي بأنها ملوّثة بالسياسة، وكأن السياسة لعنة، لا يجوز أن تطرق باب الأدب "الرفيع"
الشخصيات النسائية في الرواية كانت من أكثر الشخصيات إثارة وتأثيراً، تحمل في طياتها مزيجاً من الرقة والمرارة. إحداهن شاعرة، كما يوحي اسمها، فهي عاشقة وملهمة. وأخرى متعددة المواهب؛ صحفية، وكاتبة، وشاعرة، وناشطة. كانت الصحافة من أهم ساحات نشاطها، وتمتلك شخصية قوية وجرأة فريدة. تلك الجرأة التي تفتش في الواقع ولا تهاب المخاطر.
فلنتصور الجرأة في نظام بوليسي، بالتأكيد يدرك الوسط الثقافي الموالي مدى تأثيرها ويسعي إلى احتوائها، ومع أنها أقوى منهم، لكنها تخسر معهم، يحاولون ترويضها، من شدة عجزهم أمامها، ويشعرون بالتقصير بالمقارنة معها، وبالخوف منها، لكن في مجتمع ذي ثقافة مريضة، سيحاولون تدميرها.
نحن نعيش في زمن تحولات عميقة، بدأ مع ما سُمّي بالربيع العربي، شعوب تنادي بالتغيير، وأنظمة رفضت التنازل عن السلطة
الأدب بطبيعته لا يخشى التحولات، بل يستقبلها ويتفاعل معها. من يخشاها في الحقيقة هم بعض الأدباء، ممن يظنون أن الاقتراب من السياسة يُفقد النص أدبيّته أو يسقطه في فخ المباشرة.
لهذا تراهم يلتزمون التلميح، بحجة الخشية من أن يتحوّل النص إلى منشور سياسي، وكأن الأدب لا يحق له أن يلامس الواقع.
في رأيي، هذه حساسية زائفة. ما يُسمى بـ "الشحنة السياسية" في العمل الأدبي ليست تهمة، بل جزء من وعي الكاتب بالعالم.
في روايتي الأخيرة، حاولت أن ألتقط صورة الثقافة حين تُدار من أجهزة الأمن، وحين يصبح الكاتب خاضعاً للرقيب الداخلي
نحن نعيش في زمن تحولات عميقة، بدأ مع ما سُمّي بالربيع العربي، وما تبعه من فوضى وقمع وانتكاسات. شعوب تنادي بالتغيير، وأنظمة رفضت التنازل عن السلطة، واستدعت أحياناً التدخل الأجنبي كما حدث في سوريا. هذه التحولات يصعب على الرواية تجاهلها.
صحيح أنّ التاريخ يُكتب بأيدي المؤرخين، لكن الروائي يكتب عن الإنسان داخل هذا التاريخ. يكتب عن الهواجس، والمخاوف، والتناقضات، عن تلك اللحظة التي يتحول فيها الفرد من شاهد إلى فاعل، أو من صامت إلى متواطئ.
في روايتي الأخيرة، حاولت أن ألتقط صورة الثقافة حين تُدار من أجهزة الأمن، وحين يصبح الكاتب خاضعاً للرقيب الداخلي.
كتبت عن مثقفين كانوا يكتبون في السر، أو ينشرون خارج البلاد، أو يجدون وسائل للقول رغم القيود. وفي المقابل، هناك من انخرط في سرديات النظام السياسية وكرّس لها نصوصه.
التحولات الكبرى لا تمر حول الرواية، بل تمر من خلالها. لا يجوز أن يقف الكاتب متفرجاً أو منكراً، وكأن لا شيء يحدث.
كما أن الثورة الفرنسية والروسية لم تحدث على الأرض فقط، بل حدثت أيضاً في الأدب والرواية، فإن لكل مرحلة تاريخية صوتها. فالعالم يملك تاريخه، وكذلك الرواية، لها تاريخها الخاص.
الأدب ليس ما يُكتب فقط، بل ما يريد الكاتب قوله أيضا، ويخاف أن يقوله، أو ما يخشى أن يفضحه النص عنه
نعم، من هذا الجانب، تطرح الرواية هذا البعد النفسي بوصفه سلطة داخلية أكثر تعقيداً وأشد تأثيراً من سلطة الرقيب الخارجي. فالرواية هنا لا تقف عند حدود الصراع مع السلطة السياسية أو الاجتماعية، بل تتعمق لتسائل موقع الكاتب من نفسه، من نصه، ومن الحقيقة التي يحاول مقاربتها أو التهرب منها.
لا يكتفي الكاتب بمراقبة العالم الخارجي؛ السلطة، الفساد، الجريمة، الانحلال الأخلاقي، الحب، الكراهية… بل يضع ذاته تحت المجهر. إنه يمارس على نفسه دور الرقيب الخفي، وتتجلى الرقابة الذاتية كآلية دفاعية، وربما أيضا، للتهرب من الحقيقة.
في هذا السياق، الأدب ليس ما يُكتب فقط، بل ما يريد الكاتب قوله أيضا، ويخاف أن يقوله، أو ما يخشى أن يفضحه النص عنه. إنها لعبة كشف مستمر، حيث لا شيء يبقى مستوراً، حتى دواخل الكاتب.
من هنا يمكن القول إنَّ سلطة الروائي الحقيقية لا تكمن في تحديه لرقابة السلطة فحسب، بل في قدرته على ترويض الرقابة التي يسقطها على نفسه.
وهذا ما يجعل من الرواية عملاً يتجاوز التوثيق أو التمثيل، ليصبح تمريناً شاقاً على الصدق، وعلى حرية قد تكون مكلفة، ومربكة، بل ومريبة.
لا تستثني الرواية شيئا، ولا أحدا، ومثلما تدخل إلى كواليس المؤامرات، تقتحم مخادع العشاق، إلى حد أن الكاتب يتلصص على ذاته… هكذا تعمل الرواية.
أي لا حدود تقف في وجهها… هذه سلطة الروائي، إذا شاء استعملها، وإذا لم يشأ فليكتب عن الاحلام التي لم يحلم بها، والأدغال التي لم يغشاها، والمشاعر التي لم يحس بها.
السخرية السوداء تنبع من شعور عميق باللامعقول، من عجز العقل أمام واقع يُدار بعبثية وقسوة
في هذه الرواية، لم يكن الأسلوب مجرد اختيار جمالي أو تقني، بل هو امتداد طبيعي للموقف الفكري. فالكثافة اللغوية لم تأتِ تزييناً، بل تعبيراً عن واقع ضاغط، ملتبس، متشابك إلى حد الاختناق.
كثافة اللغة هي انعكاس لكثافة القهر السياسي والاجتماعي والنفسي، حتى صار من الطبيعي أن تكون اللغة مشحونة، متوترة، متماسكة، كما لو أنها تحبس أنفاسها.
أَمَّا السخرية، فهي ليست تسلية أدبية، بل موقف معرفي وأخلاقي. السخرية السوداء تنبع من شعور عميق باللامعقول، من عجز العقل أمام واقع يُدار بعبثية وقسوة، ومن تفاهة الشعارات التي سحقت كل ما تبقى من معنى.
هي وسيلة مقاومة حين تنعدم وسائل المقاومة المباشرة. إنها اللغة حين تُجبَر على التهكم، لأن الجدية لم تعد تجدي. هنا تصبح السخرية شكلاً من أشكال الحقيقة.
والاشتباك لغوياً وفكرياً، هو استجابة مباشرة لواقع مشتبك أصلاً، واقع لا يسمح بالحياد، لا يتيح التماهي، بل يفرض على الكاتب أن ينحاز حتى في طريقة سرده، حتى في كلماته. فالأسلوب إذاً ليس غلافاً للفكرة، بل هو الجسد الذي تسكن فيه الفكرة، والطريقة التي تتنفس بها.
من هذا المنطلق، يصبح من الطبيعي أن تكتب الرواية بأسلوب مكثف وساخر ومشتبك، لأن ما يُكتب عنه لم يعد يحتمل الترف اللغوي أو الحياد السردي أو البلاغة المحايدة.
إنها رواية تنتمي إلى زمن لا يحتمل الزخرفة، بل يتطلب فضح الزيف، كشف الأقنعة، ومساءلة كل ما يُروَّج له من أكاذيب.
لذلك، فإنّ العلاقة بين الأسلوب والموقف الفكري ليست علاقة تواطؤ، بل علاقة تطابق. فالكاتب حين يختار هذا الأسلوب إنما يختار أن يضع نفسه في مواجهة مع السائد، لا أن يتماهى معه. وهذا بحد ذاته موقف، بل هو قلب الرواية ومحرّكها الأساسي.
الأمم تنهض وتتطور بالثقافة الحقيقية، وتسقط أو تتراجع حينما تنحط ثقافتها
لا يمكن التنبؤ بدقة بمسارات التأويلات التي ستُطلق على الرواية، ولا يزعجني أن تُقرأ من زوايا بعيدة عن جوهرها، مثل اتهامها بفضح "نرجسية الكاتب العربي". في الواقع، أرى أن مثل هذه التأويلات ليست سوى انعكاس لأسئلة أكبر وأكثر عمقاً حول دور المثقف والكاتب في المجتمع العربي اليوم.
الرواية، بما تحمله من نقد لاذع تجاه الواقع الثقافي والاجتماعي، تصوّر نوعاً من المثقفين أصبحوا جزءاً من منظومة تكرّس التفاهة وتُعادي الجدية. هؤلاء مثقفون احترفوا استثمار العلاقات الشخصية مع السلطة وأصحاب النفوذ الثقافي في البلدان العربية، وهي علاقات سطحية استعراضية في مناسبات من المظاهر الاحتفالية.
إن تأويل الرواية بوصفها نقد للنرجسية، ما يشتت الانتباه عن القضايا الحقيقية، خاصة تدجين الأدباء الجدد، ألن تكون وسيلة للتحكم في الخطاب الأدبي والثقافي عبر جوائز ومؤسسات تكرّس السائد؟
الرواية ليست فقط نصاً سردياً، بل مساحة معركة تأويلية مفتوحة، حيث يتداخل النص مع ما حوله من واقع ثقافي وسياسي. والرهان الحقيقي هو أن تتجاوز الرواية هذه التأويلات السطحية لتصل إلى وعي أعمق لدى القارئ، يقوده إلى نقد الذات والمحيط، بعيداً عن محاولات التجميل أو التزييف.
الرواية تعيد رسم حدود دور المثقف، وتُجدد مطلب الحرية كشرط أساسي لتجديد الثقافة
الأمم تنهض وتتطور بالثقافة الحقيقية، وتسقط أو تتراجع حينما تنحط ثقافتها. والمثقف الحقيقي هو من يواجه واقع بلاده من دون تزييف أو تهوين، ولا يكتفي بإعادة إنتاج ما يُتوقع منه من منابر رسمية أو أجندات جاهزة.
إن الرواية، من خلال نقدها للواقع الثقافي والسياسي، تُظهر كيف أن المثقف قد انكفأ تحت وطأة دكتاتورية قاسية، وكيف أن الفراغ الذي تركه هذا الانكفاء استُغل من قبل أشباه المثقفين الذين توظفوا في ترويج شعارات مزيفة مثل "الصمود" و"المقاومة"، التي لم تكن إلا قنوات لتكريس المزيد من القمع والإقصاء.
كما نراها في ازدواجية المعاملة التي يتلقاها المثقف، فمنهم من يُكافأ بتولي مناصب شرفية وشهرة، ومنهم من يُراقب ويُضطهد، بل ويُسجن لمجرد التعبير عن رأيه. إذاً، فالمثقف الذي يستثمر علاقته بالسلطة لمصلحته الخاصة، يختلف عن المثقف الذي هو ضمير الأمة، وفي أحيان أخرى ضحية لسلطة تحاول احتجازه داخل إطار ضيق من القمع والسيطرة.
من هذا المنطلق، فإنّ الرواية تعيد رسم حدود دور المثقف، وتُجدد مطلب الحرية كشرط أساسي لتجديد الثقافة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة