الفنان التشكيلي الفرنسي برنار فينيه (أ ف ب، أرشيفية)

لم تمر مشاركة الفنان التشكيلي الفرنسي برنار فينيه في النسخة السادسة من معرض "الأبد هو الآن" مروراً هادئاً، بعدما تحولت دعوته إلى المشاركة في فعالية فنية تقام عند أهرامات الجيزة إلى أزمة داخل الأوساط الثقافية المصرية، على خلفية اعتراضات على صلاته بمؤسسات فنية إسرائيلية.

فقد أثارت مشاركته موجة من الرفض بين فنانين ومثقفين مصريين، طالبوا بسحب الدعوة رفضاً لما اعتبروه "تطبيعاً ثقافياً"، فيما أعلن فنانون انسحابهم احتجاجاً على اختياره. وأمام تصاعد الجدل، أعلنت مؤسسة "آرت دي إيجيبت"، المنظمة للمعرض، إيقاف مشاركة الفنان الفرنسي، مؤكدة التزامها بمبادئها واحترامها للموقف المصري تجاه القضية الفلسطينية، بعد أن كانت قد أعلنت فتح مراجعة شاملة للملابسات المحيطة باختياره.

كيف بدأت الأزمة؟

بدأت الضجة مع إعلان قائمة الفنانين المشاركين في النسخة السادسة من معرض "الأبد هو الآن"، المقرر إقامتها أمام أهرامات الجيزة خلال الفترة من 4 إلى 28 نوفمبر المقبل، بمشاركة فنانين من مصر ودول أخرى، في فعالية تسعى إلى إقامة حوار بين الحضارة المصرية القديمة والفن المعاصر.

إذ ضمت القائمة اسم برنار فينيه، المعروف بأعماله في النحت والفن المفاهيمي، والذي تمتد مسيرته الفنية لأكثر من ستة عقود، وتوجد أعماله في مؤسسات ومتاحف دولية. لكن اسمه سرعان ما أثار اعتراضات في أوساط فنية وثقافية مصرية، لم تتعلق بتقييم تجربته الفنية، بقدر ما ارتبطت بتكريم سابق حصل عليه وعلاقاته المهنية بمؤسسات فنية في إسرائيل.

الفنان التشكيلي الفرنسي برنار فينيه (أ ف ب، أرشيفية)

بالأساس، استند المعترضون إلى واقعتين رئيسيتين في مسيرة فينيه؛ الأولى حصوله عام 2022 على جائزة "فنان العام" من منظمة "الأصدقاء الأميركيين لمتاحف إسرائيل"، والثانية ارتباطه بمعرض "هار-إيل" الفني في إسرائيل، الذي يدرج الفنان الفرنسي ضمن قائمة الفنانين الذين يمثلهم.

علماً بأن الفنان الفرنسي حظي بتكريمات دولية عدة، من بينها جائزة الإنجاز مدى الحياة من مركز النحت الدولي عام 2016، وجائزة خوليو غونزاليس الدولية عام 2013، ووسام جوقة الشرف الفرنسية عام 2005. واشتهر أيضاً بأعماله النحتية الضخمة، من أبرزها "القوس الأعظم" في بلجيكا، وهو عمل يبلغ ارتفاعه 60 متراً، ووُصف بأنه أكبر عمل فني عام في العالم.

النسخة الخامسة من معرض الأبد هو الآن أمام الأهرامات ( أ ف ب، نوفمبر 2025)

رفض ثقافي

إزاء تصاعد الجدل، انتقلت الاعتراضات من النقاش على مواقع التواصل إلى مواقف معلنة لفنانين ومبادرات وشخصيات من المشهد الفني والثقافي المصري، ففي بيان جماعي، أعلن أفراد ومؤسسات ومبادرات ثقافية رفضهم مشاركة فينيه، معتبرين أن تكريمه من منظمة تدعم متاحف إسرائيلية، إلى جانب علاقته بمعرض فني في إسرائيل، يستدعي إعادة النظر في اختياره للمشاركة في فعالية تقام على أرض مصر.

لذا طالب الموقعون مؤسسة "آرت دي إيجيبت" بسحب الدعوة، واتخاذ موقف واضح يراعي ما وصفوه ب"ثوابت المشهد الثقافي المصري الرافض للتطبيع الثقافي والفني"، كما أعلن فنانون تشكيليون رفضهم مشاركة فينيه، وذهب بعضهم إلى الانسحاب من فعاليات فنية مرتبطة بالمؤسسة المنظمة، من بينهم الفنان علاء عبد الحميد، والفنانة أماني موسى، والفنانة عالية عيسى.

وفي مواجهة الاعتراضات، أصدرت "آرت دي إيجيبت" بياناً أكدت فيه احترامها للمشهد الفني المصري والعالمي، وتقديرها للآراء والمواقف التي يعبر عنها الفنانون والمثقفون والجمهور، لتقرر في نهاية المطاف سحب دعوتها للفنان الفرنسي.

يشار إلى أن الجدل حول مشاركة فينيه لا ينفصل عن نقاش ممتد في مصر بشأن التطبيع الثقافي والفني مع إسرائيل، منذ توقيع معاهدة السلام بين البلدين عام 1979. فعلى الرغم من استمرار العلاقات الدبلوماسية والتعاون الرسمي في مجالات محددة، ظلت إقامة علاقات ثقافية وفنية مباشرة مع مؤسسات أو شخصيات إسرائيلية موضع رفض لدى قطاعات من المثقفين والفنانين والنقابات المهنية، في ظل ارتباط القضية بذاكرة الصراع العربي الإسرائيلي، واستمرار الحرب على قطاع غزة.