يمثل استهداف قطر وقناة الجزيرة من قبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تطويعا خطيرا للدبلوماسية الدولية ومقومات الأمن الإقليمي، وتعديا على حق الشعوب الأصيل في الإحاطة بالصراعات وفهم أبعادها، تغليبا لمآربه السياسية الداخلية.

وعندما يتوقف المؤرخون في المستقبل عند الدمار المتواصل الذي طال قطاع غزة والشرق الأوسط الأوسع في عصرنا، فإن الحملة المنهجية التي شنها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لن تُذكر بعملياتها العسكرية وحدها، بل ستُعرّف أيضا بحملة سياسية وإعلامية لا تقل ضراوة؛ وهي جهد متواصل لتقويض الجسر الدبلوماسي الذي جعل تهدئة النزاعات التي تورط فيها أمرا ممكنا، ومسعى منسق لإسكات الصحفيين الذين ينقلون وقائع الحرب إلى الجماهير الدولية، بل وإقصائهم.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 ما أسباب إغلاق القنصلية البريطانية في القدس؟
* list 2 of 2 خريطة تفاعلية لاعتداءات المستوطنين على أراضي المزارعين بالضفة end of list

وفي قلب الحملتين اللتين يشنهما نتنياهو تتربع دولة قطر -وهي بلد مشهود له دوليا في مجال الوساطة التي أفضت مرارا إلى إطلاق سراح الأسرى والمحتجزين وتأمين تدفق المساعدات الإنسانية- وقناة الجزيرة التي خاطر مراسلوها بحياتهم وجادوا بأرواحهم لتوثيق تداعيات الكارثة.

إن تقييم هذا الحراك يقتضي المزاوجة بين مقاربتين غالبا ما يُفصل بينهما بشكل مفتعل: الأولى من الدوحة، التي كرّست عقودا من حنكتها السياسية للعب دور الوسيط المحايد الذي لا غنى عنه؛ والثانية من أروقة واشنطن الدبلوماسية والأكاديمية، حيث ترى البراغماتية الإستراتيجية أن تسوية النزاعات تصبح مستحيلة دون وجود قنوات تواصل فعالة مع الأطراف الإقليمية.

ومن هاتين المقاربتين، لا يبدو تحريض نتنياهو المستمر مجرد نتاج عرضي لتوترات زمن الحرب، ولا هو بالموقف الإستراتيجي القائم على مبادئ ثابتة؛ إنما هو إلهاء سياسي مدروس يُعرّض المدنيين للخطر، ويزعزع استقرار المنطقة، ويُكمّم أفواه الصحافة المستقلة، ويقوّض المصالح الإستراتيجية الأمريكية.

لا يمكن فصل حملة نتنياهو ضد الدبلوماسية القطرية عن هجومه الموازي على قناة الجزيرة. فحرية الصحافة والوساطة الدبلوماسية هما ركيزتان متلازمتان للمساءلة أثناء النزاعات المسلحة؛ فالأولى تتيح إنشاء قنوات لوقف القتال، بينما تتولى الثانية توثيق كلفته الإنسانية

هندسة الوساطة.. كيف أصبحت قطر وسيطا لا غنى عنه؟

لفهم مدى التهور في مهاجمة قطر، يتعين النظر إلى الأسباب التي جعلت الدوحة تحتل هذه المكانة الخاصة في النظام الدولي. ففي الدبلوماسية،

إعلان

لا تتطلب الوساطة الفعالة في النزاعات غير المتكافئة والمتجذرة أيديولوجيا تقاسم القيم بين الوسيط والأطراف المتحاربة؛ بل تتطلب الوصول، والمصداقية، والحماية اللوجيستية، والموثوقية الهيكلية.

وعلى مدى عقود، نجحت قطر في بناء دور متميز في السياسة الخارجية كقناة وساطة منفتحة مع جميع الأطراف. وبناء على طلب صريح من إدارات أمريكية متعاقبة، وافقت قطر على استضافة المكتب السياسي لحركة حماس في الدوحة.

وكان المنطق الإستراتيجي وراء ذلك واضحا تماما على الدوام، وهو أن عزل الأطراف المسلحة من غير الدول يحرم المجتمع الدولي تماما من القنوات الخلفية، ويوصد الأبواب أمام السبل الدبلوماسية لتهدئة التوترات، وتبادل الأسرى، وتنفيذ الهدن. وعندما احتاجت الولايات المتحدة إلى التفاوض على إخراج عسكرييها من أفغانستان، لجأت إلى الدوحة.

وعندما تكون هناك حاجة إلى إجراء محادثات غير مباشرة بين واشنطن وطهران، توفر الدوحة قنوات هادئة لذلك.

وقد خضعت هذه الآلية لأشد اختباراتها قسوة في أعقاب السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. ففي الوقت الذي كانت فيه الخطابات العسكرية المتطرفة تهيمن على المشهد في تل أبيب، كان رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، والمتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية القطرية الدكتور ماجد الأنصاري، يعملان من كثب مع البيت الأبيض وأجهزة الاستخبارات الأمريكية والمصرية.

وقد أفضت نتائج هذه الدبلوماسية الهادئة إلى تحقيق ما أخفقت الضغوط العسكرية وحدها مرارا في تحقيقه:

الهدنة الإنسانية في نوفمبر/تشرين الثاني 2023

أسفرت هذه الهدنة، التي أُبرمت عبر دبلوماسية مكوكية استمرت أسبوعا في الدوحة، عن إطلاق سراح أكثر من 100 أسير إسرائيلي وأجنبي، وتسهيل الإفراج عن معتقلين فلسطينيين، والسماح بدخول الدفعة الأولى من المساعدات الإنسانية الحيوية إلى غزة.

القوافل الإنسانية وعمليات الإجلاء
أتاحت القنوات اللوجيستية القطرية إيصال الإمدادات الحيوية والمساعدات الطبية، وإجلاء الرعايا الأجانب في ظل أخطر الظروف الميدانية.

أطر التهدئة المستمرة

عبر كل مرحلة لاحقة من المحادثات، أمضى الوسطاء القطريون شهورا في صياغة أطر لوقف إطلاق النار وصِيَغ لتبادل الأسرى والسجناء، مما حافظ على حيوية الحوار غير المباشر عندما رفضت الأطراف الجلوس إلى طاولة واحدة.

وكما يدرك الدبلوماسيون المتمرسون، فإن الوساطة عبر طرف ثالث مهمة نادرا ما تحظى بالشكر بطبيعتها. فالوسطاء يتحملون إحباطات جميع الأطراف دون أن يمتلكوا السلطة السيادية لفرض الامتثال بما تم الاتفاق عليه.

وتضطلع قطر بهذه المهمة ليس لأنها تتبنى أيديولوجيات الفصائل التي تتواصل معها، وإنما لأن البديل هو مجازر بلا هوادة وفراغ دبلوماسي تام.

في مواجهة الغضب الشعبي الشديد داخل إسرائيل بسبب الإخفاقات العملياتية المحيطة بهجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وفضائح أجهزة الاستخبارات، والانقسامات العميقة داخل الائتلاف، سعى نتنياهو باستمرار إلى إيجاد أهداف خارجية لإلقاء اللائمة عليها عن عدم تحقيق النصر الكامل أو إعادة جميع الرهائن

آليات التحريض.. كبش الفداء السياسي الذي يصنعه نتنياهو

إعلان

على الرغم من هذه الاختراقات الملموسة، عمد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وشركاؤه في الائتلاف إلى تشويه صورة الوسيط بصورة منهجية. ففي تسجيلات صوتية مسربة، ومؤتمرات صحفية، وخطابات عامة، هاجم نتنياهو قطر مرارا، واصفا إياها بأنها "مثيرة للمشاكل"، ومقارنا إياها بشكل سلبي بالهيئات متعددة الأطراف، مصرا على أنها خصم وليست شريكا. كما قام وزراء اليمين المتطرف بتضخيم هذه الرواية، مطالبين بتصنيف قطر "دولة معادية".

ومن منظور الدوحة ومحللي السياسة الخارجية الدولية، يجسد هذا التصرف إيلاء أولوية فجة للمصالح السياسية الداخلية والبقاء في السلطة على حساب أرواح الرهائن وإعادة الهدوء إلى المنطقة.

التنصل من المسؤولية السياسية

في مواجهة الغضب الشعبي الشديد داخل إسرائيل بسبب الإخفاقات العملياتية المحيطة بهجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وفضائح أجهزة الاستخبارات، والانقسامات العميقة داخل الائتلاف، سعى نتنياهو باستمرار إلى إيجاد أهداف خارجية لإلقاء اللائمة عليها عن عدم تحقيق النصر الكامل أو إعادة جميع الرهائن.

عرقلة الصفقات التي تهدد بقاء الائتلاف

إن كل مقترح جاد لوقف إطلاق النار جرى التفاوض عليه في الدوحة كان ينطوي على كلفة سياسية على نتنياهو؛ إذ هدد شركاؤه في الائتلاف اليميني المتطرف مرارا بإسقاط الحكومة إذا توقفت العمليات العسكرية. وقد أتاح تقويض نزاهة منبر الوساطة للسلطة التنفيذية الإسرائيلية التهرب من توقيع الاتفاقات، مع إلقاء تهم التعنت على عاتق أطراف ثالثة.

إعادة كتابة الحقائق التاريخية

إن الاتهام المتكرر بأن قطر كانت ممولا غير مصرح به لحماس يتناقض مباشرة مع حقائق لا خلاف عليها. فعلى مدى سنوات، جرى تقديم المساعدات الإنسانية القطرية إلى غزة، التي وفرت الوقود والكهرباء ومخصصات نقدية للأسر الفقيرة، عبر آليات منسقة بشكل وثيق مع الأمم المتحدة، وحظيت بموافقة صريحة من حكومات إسرائيلية متعاقبة في عهد نتنياهو نفسه.

وكان معظم الأموال يأتي من إسرائيل وفلسطين. وإن شيطنة الدوحة بأثر رجعي بسبب ترتيبات سمحت بها تل أبيب واعتمدت عليها، ليست سوى محاولة يائسة لحجب التاريخ وتزييفه.

وكما ظل المسؤولون القطريون يؤكدون على الدوام، فإن مهاجمة الوسيط مع الاعتماد في الوقت نفسه على طاولات التفاوض التي يوفرها تمثل تناقضا لا يمكن استمراره. فالدبلوماسية تتطلب حواجز أساسية أمام سوء النية؛ وعندما يشوه قادة الدول صورة الوسيط علنا لإرضاء قاعدتهم السياسية الحزبية، فإنهم يضعفون قدرة الوسيط على التأثير، ويعقّدون قنوات الأمن الخلفية، ويطيلون معاناة المدنيين على جميع الأطراف.

الحرب على الصحافة الحرة.. التحريض ضد الجزيرة

لا يمكن فصل حملة نتنياهو ضد الدبلوماسية القطرية عن هجومه الموازي على قناة الجزيرة. فحرية الصحافة والوساطة الدبلوماسية هما ركيزتان متلازمتان للمساءلة أثناء النزاعات المسلحة؛ فالأولى تتيح إنشاء قنوات لوقف القتال، بينما تتولى الثانية توثيق كلفته الإنسانية.

وفي مايو/أيار 2024، وبموجب تشريع طوارئ أقره الكنيست، صوّت مجلس الوزراء الإسرائيلي بالإجماع على حظر قناة الجزيرة من العمل داخل إسرائيل، ومصادرة معدات بثها، وحجب مواقعها الإلكترونية، ومداهمة مكاتبها. ووصف نتنياهو الشبكة بأنها "قناة إرهابية" وبأنها "جبهة ثامنة" في صراعات إسرائيل العنيفة مع غالبية جيرانها.

وبالنسبة إلى منظمات حرية الإعلام، والمراسلين الأجانب، وفقهاء القانون الدولي، فإن هذا الخطاب وما نتج عنه من حظر يمثل سابقة مرعبة:

إن عداء نتنياهو لقطر يهدد البنية الأوسع للاستقرار في الشرق الأوسط. فالوساطة ليست موردا وفيرا. وفي منظومة إقليمية تزداد استقطابا، لا يمتلك سوى قلة من الأطراف القدرة الدبلوماسية، والثروة السيادية، والمرونة السياسية اللازمة للتحدث في آن واحد مع الولايات المتحدة، والعواصم الأوروبية، وإيران، والجماعات المسلحة غير الحكومية، والمؤسسات الدولية

القضاء على الرؤية الميدانية

إعلان

في الوقت الذي مُنع فيه الصحفيون الأجانب بصورة متواصلة من دخول قطاع غزة بصورة مستقلة، قدم مراسلو الجزيرة الفلسطينيون للعالم توثيقا لا غنى عنه، وعلى مدار الساعة، من داخل أجنحة المستشفيات، ومخيمات النازحين، ومناطق القتال النشطة.

إن إسكات الشبكة يقمع مباشرة السجل العام للخسائر في صفوف المدنيين، وتدمير البنية التحتية، والانتهاكات المحتملة للقانون الدولي الإنساني.

نمط من تعريض الصحفيين للخطر

إن التحريض الصادر عن أعلى مستويات الحكومة يهدد الصحفيين العاملين في الميدان بصورة مباشرة. فقد دفع صحفيو الجزيرة، ومن بينهم أسماء مخضرمة مثل شيرين أبو عاقلة، التي قُتلت أثناء تغطيتها للأحداث في مخيم جنين عام 2022، إلى جانب حمزة الدحدوح، وسامر أبو دقة، وأنس الشريف، وإسماعيل الغول، والعديد من العاملين الميدانيين الآخرين، حياتهم ثمنا لعملهم.

وفقا للجنة حماية الصحفيين، قتلت إسرائيل أكثر من 189 صحفيا وعاملا في مجال الإعلام فلسطينيا خلال حرب غزة في ميدان المعركة، كما توفي اثنان آخران في مراكز احتجاز إسرائيلية. وقُتل 247 صحفيا وعاملا في مجال الإعلام في جميع النزاعات الإقليمية التي خاضتها إسرائيل منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، بينهم 241 على يد إسرائيل و6 على يد حماس وجماعات مسلحة أخرى.

وعندما يصف القادة السياسيون مؤسسة صحفية بأكملها بأنها طرف مقاتل معادٍ، فإنهم يطبّعون مع استهداف العاملين في مجال الإعلام.

رقابة استبدادية في ديمقراطية مزعومة

يشير مراقبون دبلوماسيون غربيون إلى التناقض الصارخ في أن إدارة إسرائيلية تدعي أنها الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، بينما تستخدم في الوقت نفسه قرارات تنفيذية لحظر مؤسسات إخبارية أجنبية تزعج تغطيتها سياسة الدولة، إلى جانب قرار للجنة الانتخابات المركزية بحظر جميع الأحزاب السياسية العربية من خوض الانتخابات الوطنية المقبلة.

إن مهاجمة الجزيرة تعني مهاجمة المبدأ الأساسي القائل إن الوقائع على الأرض يجب أن تكون مرئية للمواطنين في أنحاء العالم. ومهاجمة عشرات الصحفيين الفلسطينيين والأحزاب السياسية هي هجوم على جوهر المبادئ الجوهرية للدولة والمجتمع الإسرائيليين، وحرية التعبير والديمقراطية.

وهذه المواقف هي سمات أنظمة تسعى إلى الإفلات من العقاب خلف ستار حديدي على المعلومات.

الاستقرار الإقليمي.. مخاطر مهاجمة الوسيط

من منظور أكاديمي في شؤون الدولة وتحليل السياسة الخارجية، فإن عداء نتنياهو لقطر يهدد البنية الأوسع للاستقرار في الشرق الأوسط.
فالوساطة ليست موردا وفيرا. وفي منظومة إقليمية تزداد استقطابا، لا يمتلك سوى قلة من الأطراف القدرة الدبلوماسية، والثروة السيادية، والمرونة السياسية اللازمة للتحدث في آن واحد مع الولايات المتحدة، والعواصم الأوروبية، وإيران، والجماعات المسلحة غير الحكومية، والمؤسسات الدولية.

وإذا تم تقويض دور قطر في الوساطة أو تخلت عنه بسبب حملات التشويه المتواصلة، فإن العواقب لن تقتصر على الدوحة:

إن الدبلوماسية ليست ترفا يُحجز لأوقات السلم؛ بل هي ضرورة وجودية تحديدا عندما تبلغ الكراهية والعنف ذروتهما. لقد أظهرت قطر باستمرار الشجاعة والصبر والإرادة السياسية لتسهيل الحوار حيث لا يرى الآخرون سوى اليأس

دوامات تصعيد لا يمكن احتواؤها

بدون قنوات راسخة مثل الدوحة، يمكن أن تتحول الحسابات الخاطئة أثناء الأزمات الإقليمية، سواء تعلق الأمر بالممرات البحرية الخليجية، أو تبادل الصواريخ، أو اشتباكات الوكلاء، مباشرة إلى حروب عسكرية شاملة.

وتوفر الدوحة الملاذ الأساسي الذي يجري عبره تبادل الرسائل وتُبنى فيه مسارات الخروج الآمن. ففي يوم الاثنين الماضي وحده، ألغى الرئيس الأمريكي ترمب ضربات معلنة مهددا بها إيران بعد انقضاء مهلة زمنية، وذلك بسبب إحراز تقدم في المحادثات عبر القنوات الخلفية التي تقودها قطر مع إيران.

تفكيك القنوات الإنسانية

تتطلب الأزمات الإنسانية المعقدة منسقين لوجيستيين قادرين على تأمين ممرات آمنة وتنسيق الضمانات متعددة الأطراف. إن القضاء على الثقة بالوسيط الإقليمي الرئيسي يترك ملايين المدنيين الضعفاء من دون مدافعين من الأطراف الثالثة عندما يتعين التفاوض بشأن المياه والوقود والإمدادات الطبية عبر خطوط القتال النشطة.

تفكيك ديناميكيات الأمن الخليجي

تؤدي التصعيدات الخطابية والعسكرية التي تستهدف سيادة دول الخليج إلى تنفير الشركاء في مجلس التعاون الخليجي. وقد أجبرت خطابات نتنياهو العواصم الخليجية، بما فيها تلك التي طبّعت علاقاتها مع إسرائيل بموجب اتفاقيات أبراهام، على التأكيد مجددا أن الأمن الإقليمي غير قابل للتجزئة، وأن سيادة الدول لا يمكن انتهاكها من أجل استعراض سياسي داخلي.

المعضلة الإستراتيجية لواشنطن.. مواءمة المصالح مع الخطاب

بالنسبة لصانعي السياسات في واشنطن، يمثل التوتر بين دعم الدفاع عن إسرائيل والحفاظ على قابلية البنية الدبلوماسية القطرية للحياة معضلة إستراتيجية.

إعلان

ومع ذلك، عندما تُجرد المسألة من الشعارات الحزبية، فإن موقف جهاز الأمن القومي الأمريكي واضح: الشراكة الإستراتيجية مع قطر لا غنى عنها للمصالح الأمريكية الأساسية.

وقطر مصنفة رسميا حليفا رئيسيا من خارج حلف شمال الأطلسي للولايات المتحدة. وهي تستضيف المقر الأمامي للقيادة المركزية الأمريكية ( سنتكوم) في قاعدة العديد الجوية، وهي منشأة أساسية تستضيف القوة الأمريكية، ومكافحة الإرهاب، وتوفير الدعم اللوجيستي عبر الشرق الأوسط وآسيا الوسطى.

وعندما احتاجت واشنطن إلى مساعدة عملياتية عاجلة، بدءا من إجلاء أكثر من 120 ألف شخص خلال سقوط كابل وصولا إلى المحادثات غير المباشرة مع الخصوم، كانت قطر حاضرة باستمرار.
إن استمرار نتنياهو في مهاجمة قطر يضع السياسة الخارجية الأمريكية أمام موقف لا يمكن تحمله:


* تعريض استعادة الرهائن للخطر: تعتمد واشنطن مباشرة على أجهزة الاستخبارات والمسؤولين الدبلوماسيين القطريين للتفاوض على إطلاق سراح المواطنين الأمريكيين المحتجزين في الخارج. إن نزع الشرعية عن الدوحة يحرم الولايات المتحدة من أكثر أدواتها الدبلوماسية فاعلية في تأمين إطلاق سراح مواطنيها.
* تقويض الأعراف القائمة على القواعد: من خلال التسامح مع الهجمات على شبكات إعلامية معتمدة ومبعوثين دبلوماسيين من الأطراف الثالثة، تخاطر واشنطن بإرسال إشارة مفادها أن المعايير الدولية المتعلقة بحماية الصحافة والحصانة الدبلوماسية يمكن التخلص منها متى وجد حليف أنها غير ملائمة.
* التناقض الإستراتيجي: تؤكد الإستراتيجية الأمريكية للأمن القومي على خفض التصعيد الإقليمي، وإنهاء الصراعات، ودمج البنى الدفاعية الإقليمية. وتتعارض حملة نتنياهو ضد الدوحة ورفضه لمخارج التصعيد الدبلوماسية بصورة مباشرة مع تلك الأهداف، ما يهدد بجر القوات الأمريكية إلى مواجهات إقليمية أوسع.

وعلى الدبلوماسيين الأمريكيين وباحثي السياسة الخارجية مسؤولية التحدث بوضوح مطلق: إن التزامات واشنطن تجاه أمن إسرائيل لا يمكن مساواتها بدعم غير مشروط لمناورات سياسية تقوض قنوات الوساطة الإقليمية الرئيسية.

إن تحويل الوسيط إلى كبش فداء وإسكات الصحافة سعيا وراء أجندات محلية ضيقة يمثل إهانة للقانون الدولي وتهديدا خطيرا لحياة البشر وكرامتهم. وتتطلب القيادة الحقيقية حماية الرسل سواء كانوا الدبلوماسيين الجالسين إلى طاولة المفاوضات أم الصحفيين الذين يحملون الكاميرات، ذلك أنه عندما تُكمم أفواههم، يصبح السلام مستحيلا

الطريق إلى الأمام.. استعادة عقلانية الدبلوماسية

لا يمكن السماح للحرب على الدبلوماسية والحقيقة بالاستمرار من دون رادع. ولإنقاذ ما تبقى من الاستقرار الإقليمي وحماية المبادئ الأساسية لحل النزاعات، يتعين على المجتمع الدولي، بقيادة الولايات المتحدة، اتخاذ خطوات حاسمة:


* تحصين الوسيط: ينبغي التعامل مع منصات الدبلوماسية التي تديرها أطراف ثالثة باعتبارها بنية تحتية دولية محمية، وباعتبارها ملاذات أو مناطق آمنة دبلوماسية. وعلى الولايات المتحدة وشركائها أن يواجهوا صراحة حملات التشويه العلنية، وأن يؤكدوا مجددا أن قطر تعمل بتفويض ودعم صريحين من المجتمع الدولي.
* الدفاع عن الحريات الصحفية العالمية: يجب أن تواجه الهجمات على الصحفيين وعمليات الإغلاق التنظيمية للشبكات الإخبارية بإدانة دبلوماسية واضحة لا لبس فيها. إن التغطية من الخطوط الأمامية ليست تحريضا؛ بل هي حجر الأساس للمساءلة بموجب القانون الدولي.
* إعطاء الأولوية لحماية المدنيين على الخطاب: يجب الحكم على القادة من خلال استعدادهم لإبرام اتفاقات قابلة للتنفيذ، لا من خلال قدرتهم على إلقاء خطابات انتخابية داخلية تشوه صورة أولئك الذين يبنون طاولات التفاوض.

إن الدبلوماسية ليست ترفا يُحجز لأوقات السلم؛ بل هي ضرورة وجودية تحديدا عندما تبلغ الكراهية والعنف ذروتهما. لقد أظهرت قطر باستمرار الشجاعة والصبر والإرادة السياسية لتسهيل الحوار حيث لا يرى الآخرون سوى اليأس.

إن تحويل الوسيط إلى كبش فداء وإسكات الصحافة سعيا وراء أجندات محلية ضيقة يمثل إهانة للقانون الدولي وتهديدا خطيرا لحياة البشر وكرامتهم. وتتطلب القيادة الحقيقية حماية الرسل سواء كانوا الدبلوماسيين الجالسين إلى طاولة المفاوضات أم الصحفيين الذين يحملون الكاميرات، ذلك أنه عندما تُكمم أفواههم، يصبح السلام مستحيلا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.