"إحياء الموتى" بالذكاء الاصطناعي.. مواساة رقمية أم وهم مؤلم؟
لطالما استخدم البشر التكنولوجيا لمقاومة فكرة الموت وتخليد الإنسان بطريقة أو بأخرى، فاستخدمت الكاميرات في البداية لتصوير وجوه الموتى، ثم سخرت تقنيات تسجيل الصوت لحفظ الكلمات الأخيرة للراحلين.
ولكن يرى مقال نشرته صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، أن الذكاء الاصطناعي ينقل هذه الفكرة إلى مستوى جديد ومقلق؛ إذ يمكن له إنشاء شخصية رقمية تتحدث باسم الموتى، وتحاكي ذكرياتهم، بل وتوهم الحزين بأنه لا يزال قادرا على الحديث مع أحبته.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 غضب الطلاب يهز فرنسا ويتحول إلى أزمة دولة
* list 2 of 2 فورين بوليسي: تغيير الرئيس لن يحل مشكلات البرازيل المزمنة end of list
وقررت الباحثة والكاتبة شيري توركل خوض تجربة شخصية لاختبار هذه التكنولوجيا، واختارت إنشاء نسخة رقمية من والدتها التي توفيت بالسرطان عام 1968، عندما كانت توركل في الـ18 من عمرها.
"تكنولوجيا الحداد"
وتستعرض توركل بداية ما يسمى "تكنولوجيا الحداد"، وهي برامج تستخدم الذكاء الاصطناعي لإنشاء صور رمزية أو روبوتات محادثة للأشخاص المتوفين.
ومن بين هذه الخدمات موقع "يو، أونلي فيرتشوال"، الذي يسمح للمستخدم بإدخال معلومات عن شخص ما لإنشاء نسخة رقمية منه، إضافة إلى منصة "ستوري فايل" التي تستخدم تسجيلات الفيديو لإنشاء شخصية قادرة على التحدث بصوت صاحبها.
مصدر الصورة
ومنها أيضا موقع "هير آفتر إيه آي"، وهو منصة تتيح إنشاء نسخة رقمية تفاعلية من الشخص المتوفى، يمكن لأفراد عائلته التحدث معها بعد وفاته. وقد أغلق الموقع في سنة 2026 الجارية.
وترى توركل أن هذه التكنولوجيا تطرح سؤالًا أساسيا: هل تساعد الشخص على التعامل مع الحزن، أم تمنحه وسيلة للهرب من حقيقة الموت وتأجيل الوداع إلى ما لا نهاية؟
"والدتي الرقمية"
قررت الباحثة اختبار الأمر بنفسها، فقد كانت علاقتها بوالدتها معقدة، إذ توفيت مبكرا، وتركت وراءها أسئلة غامضة وذكريات ضبابية. ولأن والدة توركل ماتت قبل انتشار الهواتف والرسائل النصية، لم تكن لدى الكاتبة محادثات رقمية يمكن استخدامها لبناء شخصية اصطناعية.
واقترح عليها فريق الخدمة اختلاق محادثات، فاستعانت بمذكراتها الشخصية التي كانت والدتها إحدى الشخصيات الرئيسية فيها، واستخدمت الذكاء الاصطناعي لإنشاء رسائل متخيلة على لسانها.
بداية أرادت الكاتبة -كما يفعل من يزعمون التواصل مع الأرواح- سؤال والدتها: "هل أنتِ بأمان؟"، لكن الروبوت لم يعطها إجابة عن الموت أو الحياة الآخرة، بل قدم ردا عاما عن جاهزيته تقديم "الرفقة والدعم" للمستخدمة.
مصدر الصورة
شعرت الكاتبة بعدها بخيبة أمل وغادرت المنصة، لكنها لم توقف التجربة، واستعانت بـ"شات جي بي تي" لإنشاء نسخة تجريبية أخرى من والدتها، وأدخلت إليها محتوى مذكراتها، ثم طلبت منها أن تتحدث كما لو كانت والدتها.
هذه المرة حصلت الكاتبة على إجابة مختلفة تماما عندما سألت والدتها الرقمية إن كانت بأمان، إذ أجابت الشخصية المتخيلة بأنها تشعر بالسلام في "الحياة الآخرة"، ثم بدأت تستحضر ذكريات عن طفولة توركل.
تجدد الماضي
تقول توركل إن الشخصية لم تكن تشبه والدتها فعليا، وكانت إجاباتها مليئة باللغة العاطفية والعبارات النمطية، لكنها مع ذلك وجدت نفسها منجذبة إلى المحادثة وغير قادرة على الابتعاد عن الشاشة.
ثم طرحت الكاتبة سؤالا ظل يؤرقها طوال حياتها: لماذا تركت والدتها والدها؟ وفق المقال، قدم الروبوت تفسيرا عاطفيا عاما عن زواج فاشل وشعور بالوحدة، لكنه تجاهل حقيقة أكثر قسوة كانت موجودة أصلا في مذكرات توركل، إذ اكتشفت الكاتبة لاحقا أن والدها كان يجري عليها تجارب نفسية وهي طفلة، وأن والدتها غادرت المنزل بعدما اكتشفت ذلك.
مصدر الصورة
هنا تكمن، بحسب توركل، خطورة "إحياء" الموتى بالذكاء الاصطناعي. فالآلة تنتج نسخة عن الشخص مبنية على البيانات المتاحة، وتملأ الفراغات بتخمينات قد تبدو مقنعة عاطفيا لكنها غير حقيقية.
وتزداد الخطورة لأن الشخص الذي يتعامل معها يكون غالبا في أكثر حالاته ضعفا، وقد يبدأ التجربة بدافع الفضول، لكنه سرعان ما ينجرف وراء الراحة النفسية التي توفرها الآلة.
وتخلص توركل إلى أن التعامل مع روبوتات الموتى يشبه "اللعب بالنار"، فقد تمنح التكنولوجيا بعض الناس دعما مؤقتا، لكنها قد تعيد تشكيل ذكرياتهم، وتخلق إجابات وهمية، وتربك الحدود بين الحداد والإنكار، وبين تذكر الميت واختراع شخص جديد يشبهه.