تتجه شركات البناء في الولايات المتحدة إلى الروبوتات كوسيلة لمعالجة واحدة من أكثر مشكلات القطاع إلحاحا، وهي كيف يمكن بناء عدد أكبر من المنازل في وقت أقل مع ارتفاع تكاليف العمالة ونقص العمال المهرة؟
ويأتي هذا التوجه في قطاع يعاني أصلا من ضعف الإنتاجية، إذ تشير الجمعية الوطنية لبناة المنازل (NAHB) إلى أن إنتاجية قطاع البناء الأمريكي تراجعت بنسبة 30% بين عامي 1970 و2024، في حين زادت إنتاجية العمل في الاقتصاد الأمريكي بأكثر من الضعف خلال الفترة نفسها.
وتزداد المشكلة وضوحا في سوق الإسكان، فقد قدّر معهد أبحاث البناء التابع للجمعية الوطنية لبناة المنازل أن نقص العمالة الماهرة أدى إلى عدم بناء نحو 19 ألف منزل لأسر أمريكية خلال عام 2024، وتسبب في أثر اقتصادي إجمالي بلغ نحو 10.8 مليارات دولار سنويا، نتيجة ارتفاع تكاليف تنفيذ المشاريع وتأخر أعمال البناء.
ويعتمد روبوت إتش بي سايت برينت، على سبيل المثال، على ملفات التصميم بمساعدة الحاسوب سي إيه دي (CAD) ثنائية الأبعاد، وإذا كان المشروع مصمما باستخدام نموذج ثلاثي الأبعاد، يمكن تحويل البيانات إلى ملف مناسب للطباعة، ثم تجهيز الملف وإرساله إلى النظام.
بعد ذلك، يستخدم الروبوت محطة الرصد المساحية الروبوتية (Robotic Total Station) لتحديد موقعه بدقة، ويتحرك على أرضية المشروع بينما يطبع الخطوط والعلامات المطلوبة باستخدام الحبر.
وتتيح هذه العملية رسم مواقع الجدران الداخلية، والنقاط، والخطوط المنحنية، وغيرها من العناصر التي يحتاج إليها العمال خلال مراحل البناء اللاحقة، بدلا من قياسها ورسمها يدويا.
تقول شركة إتش بي إن روبوت سايت برينت يمكنه تحقيق دقة تخطيط تصل إلى ±2 مليمتر في ظروف تشغيل محددة، بينما تصل دقة قياس انحرافات الأرضية إلى نحو ±0.8 مليمتر، كما يستطيع الروبوت التعامل مع الأسطح الخشنة وغير المستوية وتجنب العوائق أثناء الحركة.
وتكمن أهمية هذه الدقة في أن الخطأ خلال مرحلة التخطيط قد ينتقل إلى مراحل لاحقة من المشروع، فإذا حدد موقع جدار بصورة خاطئة، فقد يضطر العمال إلى إعادة القياس أو إجراء تعديلات أو إعادة تنفيذ جزء من العمل، وهو ما يعني وقتا وتكلفة إضافيين.
وتشير إتش بي إلى أن أتمتة أعمال التخطيط يمكن أن ترفع الإنتاجية حتى 10 أضعاف مقارنة بالطرق اليدوية في بعض المهام، كما تعرض حالات استخدام حققت فيها مشاريع معينة خفضا في تكلفة أعمال التخطيط أو تسريعا كبيرا في تنفيذها. لكن هذه الأرقام تمثل نتائج أو تقديرات مرتبطة بمهام ومشاريع محددة، ولا تعني أن تكلفة بناء المنزل بالكامل ستنخفض عشرة أضعاف.
الميزة الأساسية لهذه الأنظمة أنها لا تحتاج إلى أن تحل محل عامل البناء بالكامل حتى تحقق فائدة اقتصادية، فالروبوت يمكنه تنفيذ مهام متكررة، مثل رسم مئات الخطوط والنقاط، بينما يتولى العمال المهام التي تتطلب خبرة ميدانية واتخاذ قرارات والتعامل مع ظروف غير متوقعة.
وهذا مهم في سوق يعاني نقصا حقيقيا في العمالة، وتشير الجمعية الوطنية لبناة المنازل إلى وجود أكثر من 200 ألف وظيفة شاغرة في قطاع البناء، وأن نقص العمالة أدى خلال عام 2024 إلى تمديد جداول البناء لدى العديد من شركات البناء الصغيرة والمتوسطة بنحو شهرين في المتوسط.
كما يمكن للأتمتة أن تقلل بعض الأعمال البدنية المتكررة، فبدلا من انحناء العامل مرارا لرسم العلامات على الأرض، يتولى الروبوت الجزء الأكبر من العملية، بينما يراقب العامل النظام ويتدخل عند الحاجة.
هنا تصبح الصورة أكثر تعقيدا، فالروبوتات قد تختصر وقت التخطيط، وتقلل الأخطاء وإعادة العمل، وتسمح لعدد محدود من العمال بإنجاز مساحة أكبر، لكنها لا تعالج وحدها جميع مكونات تكلفة بناء المنزل.
فأسعار الأراضي ومواد البناء وتكاليف التمويل ورسوم التراخيص وأجور العمال، إلى جانب بقية مراحل الإنشاء، تظل عوامل رئيسية في تحديد التكلفة النهائية. وحتى إن خفضت الروبوتات تكلفة مرحلة التخطيط، فإن ذلك لا يعني تلقائيا انخفاض سعر المنزل بالنسبة إلى المشتري بالمقدار نفسه.
لذلك تبدو القيمة الحقيقية لهذه التقنية في رفع إنتاجية العامل، وليس إلغاء دوره، فالروبوت يرسم المخطط، لكن البشر ما زالوا مسؤولين عن تفسير التصميم، ومراقبة التنفيذ، وتركيب المكونات، وحل المشكلات التي تظهر في موقع البناء.
وبذلك قد تمثل روبوتات التخطيط خطوة صغيرة، لكنها مهمة، في تحول قطاع البناء الأمريكي من الاعتماد على القياس والعمل اليدوي في كل مرحلة إلى نموذج يجمع بين المخططات الرقمية والروبوتات والعمالة البشرية، وإذا نجحت هذه الأدوات في الانتشار إلى جانب تقنيات أتمتة أخرى، فقد تساعد في تسريع أعمال البناء وزيادة المعروض من المنازل، لكنها لا تمثل حلا منفردا لأزمة الإسكان الأمريكية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة