تواجه إمبراطورية الألعاب الصينية "تنسنت" (Tencent) واحدة من أصعب أزماتها في السوق الأمريكية، حيث كشفت تقارير حديثة صادرة عن "فاينانشال تايمز" في أوائل مارس/آذار الحالي عن مناقشات رفيعة المستوى داخل إدارة الرئيس الأمركي دونالد ترمب تهدف إلى إجبار الشركة على التخلص من حصصها في كبرى استوديوهات الألعاب الأمريكية.
وتتركز الضغوط الأمريكية على 3 استثمارات استراتيجية تمنح "تنسنت" نفوذا غير مسبوق في قطاع الألعاب العالمي، وهي رايوت غيمز (Riot Games)، المملوكة بالكامل لتنسنت، والمطورة للعبة "ليغ أوف ليجندز" (League of Legends) و"فالورانت" (Valorant).
وإيبك غيمز (Epic Games) المطورة للعبة "فورتنايت" (Fortnite) ومحرك الألعاب الشهير "أنريل إنجن" (Unreal Engine) حيث تمتلك تنسنت فيها حصة تتراوح بين 28% و40%.
و سوبر سيل (Supercell)، بالرغم أنها شركة فنلندية، إلا أن امتلاك تنسنت لأغلبية أسهمها يثير قلق واشنطن نظرا للقاعدة الجماهيرية الضخمة للشركة في الولايات المتحدة عبر ألعاب مثل "كلاش أوف كلانس" (Clash of Clans)، حسب موقع "غيم وورلد أوبزرفر" (Game World Observer).
تستند التحركات الحالية إلى مراجعات طويلة الأمد تجريها لجنة الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة، وهي هيئة تابعة لوزارة الخزانة تفحص الاستثمارات الأجنبية من منظور الأمن القومي.
ففي يناير/كانون الثاني 2025، قامت وزارة الحرب الأمريكية بتصنيف "تنسنت" كشركة مرتبطة بالجيش الصيني، مما منح زخما قانونيا لمطالب التصفية، حسب ما أفاد موقع "نيوغيم نيتورك" (New Game Network).
فيما أشارت تقارير موقع "تومز هاردوير" (Tom’s Hardware) إلى وجود انقسام داخل الإدارة، حيث تضغط وزارة العدل باتجاه "البيع القسري" لضمان قطع أي صلة صينية بالبيانات، بينما تفضل وزارة الخزانة فرض بروتوكولات حماية بيانات صارمة كحل وسط.
يسأل الكثير عن سبب اهتمام واشنطن بقطاع الألعاب ومنحه هذه الأهمية الأمنية، لكن الأسباب تكمن في عدة أمور، أهما السيادة على البيانات، حيث تخشى الإدارة الأمريكية من وصول الحكومة الصينية إلى بيانات ملايين اللاعبين الأمريكيين، بما في ذلك المعلومات المالية وسجلات الدردشة.
كما أن قضية "محرك أنريل"، الذي تطوره "إيبك غيمز" ليس مجرد أداة للترفيه، بل يستخدم من قبل الجيش الأمريكي في برامج المحاكاة والتدريب، وهو ما يجعل ملكية شركة صينية لجزء منه "ثغرة أمنية" في نظر البنتاغون حسب ما نشر موقع "تومز هاردوير".
ويربط المحللون بين توقيت هذه التسريبات والقمة المرتقبة بين الرئيسين ترمب وشي جين بينغ المقررة في أبريل/نيسان القادم. حيث ينظر إلى ملف "تنسنت" كأداة ضغط قوية لتحسين شروط المفاوضات التجارية الأوسع بين القوتين العظميين.
في ذات السياق كشفت وكالة "رويترز" أن اجتماعا وزاريا حاسما كان مقررا في 4 مارس/آذار الحالي لمناقشة هذا الملف قد تأجل بسبب تضارب المواعيد، مما يشير إلى أن القرار النهائي لا يزال قيد التبلور.
تسببت هذه الأنباء في اهتزاز ثقة المستثمرين، حيث سجلت أسهم "تنسنت" تراجعات ملحوظة في بورصة هونغ كونغ، ويحذر خبراء من أن إجبار الشركة على البيع قد يؤدي إلى اضطراب في سلاسل توريد الألعاب العالمية، وتراجع كبير في تمويل الاستوديوهات الناشئة التي كانت تعتمد على استثمارات "تنسنت" السخية.
وبحسب الخبراء فإن هذه الضغوط المتصاعدة تضع مستقبل قطاع الألعاب الأمريكي في منطقة رمادية محفوفة بالمخاطر. وبينما ترى الإدارة الأمريكية أن "التضحية" ببعض الاستثمارات الصينية هي ثمن ضروري لحماية الأمن القومي، يرى مراقبون أن العواقب قد تطال استقرار الصناعة بأكملها.
وبهذا الصدد يقول محللون أمنيون، مثل كريس ماكغواير، المسؤول السابق في إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن وعضو مجلس العلاقات الخارجية حاليا، أن منصات الألعاب لم تعد مجرد ترفيه، بل أصبحت "مصدرا استخباراتيا ضخما".
وأكد ماكغواير لصحيفة "تايمز أوف إنديا" أن القدرة على الوصول إلى سجلات الدردشة والبيانات السلوكية لملميارات الأمريكيين، بما في ذلك الأطفال، تمنح أي جهة معادية قدرات هائلة على "التأثير الاجتماعي والتجسس الممنهج"، على حد زعمه.
على الجانب الآخر، يبدي خبراء الصناعة في منصة "غيمز إندستري دوت بيز" قلقا بالغا من " فك الارتباط التقني". ويشير المحللون إلى أن "تنسنت" هي المحرك الأول للاستثمارات الأولية عالميا، لذا فإن إجبارها على الخروج القسري قد يؤدي إلى تجفيف منابع الابتكار، بسبب غياب السيولة الصينية والتي قد تعني "حكما بالإعدام" على الاستوديوهات الناشئة التي لن تجد بديلا أمريكيا بنفس السخاء.
إضافة لارتباك سلاسل التوريد الرقمية، فإن أي اضطراب في ملكية "إيبك غيمز" قد يؤثر على آلاف المطورين الذين يعتمدون على "محرك أنريل" في بناء مشاريعهم.
ويرجح مراقبون في "آي جي إن" (IGN) وهي واحدة من أكبر وأقدم الشبكات الإعلامية المتخصصة في الألعاب والترفيه في العالم. أن القضية قد تنتهي بـ "تسوية تكساس" على غرار ما حدث مع تيك توك، أي إجبار "تنسنت" على تخزين بيانات المستخدمين الأمريكيين على خوادم داخل الولايات المتحدة بإدارة شركة أمريكية مثل "أوراكل"، بدلا من البيع الكامل.
ومع ذلك، فإن الطبيعة "الاندفاعية" للإدارة الحالية في إبرام الصفقات تجعل خيار "التصفية الشاملة" مطروحا بقوة كأداة ضغط سياسية قبل قمة أبريل/نيسان القادم .
في ذات الوقت يؤكد المراقبون أن أزمة "تنسنت" تمثل اللحظة التي أدركت فيها القوى العظمى أن "الشيفرة البرمجية" للألعاب لا تقل أهمية عن "شيفرة الصواريخ". وسواء انتهت الأزمة بالبيع أو التسوية، فإن قواعد الاستثمار العابر للحدود في العصر الرقمي قد تغيرت إلى الأبد، حيث أصبحت "السيادة التقنية" تسبق "المصالح التجارية".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة